السفير الأسبق عبد الله محمد أحمد: من أبكار الحركة الإسلامية الحديثة في السودان؛ انضم إليها في أربعينيات القرن الماضي حينما كان طالبا بالمدارس الثانوية، وساهم مع غيره من إخوانه في تطوراتها اللاحقة بمختلف المسميات، وكان لصيقا بالأستاذ بابكر كرار مؤسس حركة التحرير الإسلامي، ثم شارك في تأسيس الجماعة الإسلامية، والحزب الاشتراكي الإسلامي، ولكنه التحق لاحقا بالحركة الاستقلالية وفاز ضمن قوائم حزب الأمة في الجمعية التأسيسية في ستينيات القرن الماضي وثمانينياته.
تقلب الأستاذ عبد الله محمد أحمد في عدة مناصب وزارية في مختلف العهود السياسية التي مرت على السودان بعد الاستقلال، وعندما قامت ثورة الأنقاذ الوطني انحاز إليها، وشغل بها عدة مناصب منها وزير التربية والتعليم، ووزير الإعلام، ووزير الخارجية بالإنابة.
من ضمن مهامه التي تولاها في الإنقاذ تم تعيينه سفيرا للسودان بإيطاليا في الفترة من العام 1992م إلى العام 1995م، وكان متصلا بالفاتيكان بحكم اهتماماته وعلاقاته... جلسنا إليه نقلب صفحات تجربته مع الفاتيكان؛ حيث ركزنا على هذه الجزئية في حوارنا مع الأستاذ عبد الله محمد أحمد... وإلا فإن الأستاذ يكتنز مجموعة من التجارب والأسرار عن الحياة العامة في السودان في مختلف العهود... نأمل أن تتاح لنا فرصة أخرى لتقليب بقية أوراقه.
* كنتم ـ بحكم منصبكم سفيرا للسودان في إيطاليا ـ قريبا من الفاتيكان، وموقعكم واهتماماتكم أمدتكم بمعلومات هامة عن مركز النشاط النصراني الكاثوليكي في العالم.. نود أولا أن نقف على مكانة الفاتيكان بالنسبة للنصارى الكاثوليك، ومكونات دولة الفاتيكان من الداخل؟
ــ الفاتيكان كيان ضخم جدا؛ يمثل أكبر قطاع في الكنائس المسيحية، والبابا رأس الكنيسة عندهم يسمى (الحبر الأعظم)، وفي الكنائس المسيحية هناك أحبار عظماء كثر، فالكنيسة الكاثوليكية الرومانية في موسكو لها حبر أعظم، وهذه الكنيسة لم يكن لها نفوذ أيام الحكم الشيوعي لروسيا. وهناك حبر أعظم للأقباط الأرثوذكس هو البابا شنودة، وهم موحدون بالنسبة لبقية الكنائس، وفي بريطانيا مكتوب على كنائسهم (نحن كنيسة موحدة)، البروتستانت يرأس كنيستهم في انجلترا أسقف كانتربري، وهم مجددون بالنسبة لغيرهم، وأكثر كنيسة متمسكة بأصولها القديمة هي الكنيسة الكاثوليكية وعلى رأسها الفاتيكان، وعدد النصارى الكاثوليك في العالم قرابة المليار وربع المليار، وعددهم قريب من عدد المسلمين، ـ اعترف البابا بندكت السادس عشر مؤخرا أن عدد المسلمين في العالم فاق عدد النصاري الكاثوليك ـ
الفاتيكان مقرها في روما على مساحة ستة كيلومترات مربعة، وتحتوي على مكاتب البابا وسكنه الخاص والحراسة الخاصة بالكنيسة والحراسة مكونة من أفراد ينحدرون من عدة دول أوروبية وعددهم حوالي ستمائة جندي يرتدون الملابس القديمة.
في العصور الوسطى كان بابا الفاتيكان يقرر السياسات في أوروبا، وله نفوذ واسع؛ لكن هذا النفوذ اضمحل بعد قيام الدول والإمبراطوريات، وكانت الفاتيكان تابعة لإيطاليا، ولكن في العام 1929م تم الاتفاق مع موسوليني على أن تكون الفاتيكان دولة داخل إيطاليا، وأصبح لها تمثيل دبلوماسي، ونظام مالي وجيش، وكان جميع البابوات في السابق إيطاليون؛ لكن البابا السابق كان بولنديا، والحالي ألماني.
* من أين تصرف الفاتيكان على أنشطتها وكيف تدير أعمالها في العالم؟
من الناحية المالية تعتبر الفاتيكان من أغنى المؤسسات المالية في العالم، أتباع الكنيسة الكاثوليكية يدفعون لها أموالا ضخمة لدرجة أن الفاتيكان أنشأت لها بنوكا خاصة، ولها تعاملات مصرفية وشركات خاصة في معظم العالم الفقير خاصة في أمريكا اللاتينية، وشركات الفاتيكان تتعامل في كل شيء، ومن المفارقات أن البابا يخطب ضد الإجهاض وتحديد النسل، بينما شركات الفاتيكان أكبر من يتعامل في وسائل منع الحمل وتحديد النسل.
وفي التمثيل الدبلوماسي لا تقبل الفاتيكان أن يكون سفير الدولة في إيطاليا سفيرا لدى الفاتيكان أيضا، والسودان يمثله في الفاتيكان سفيرنا في فرنسا.
الفاتيكان لها اتفاقيات مع أغلب جامعات العالم، تزود الجامعات بالباحثين والمحاضرين، وهي تزود الفاتيكان بالمعلومات، ومن العجائب أن الفاتيكان لها مراكز أبحاث فضائية موازية للدول الكبرى، ويقولون إن السماء للمتدينين أصلا لكن العلمانيين غزوه لذلك لابد من منافستهم.
الفاتيكان بها أضخم مركز لدراسة اللغات والترجمة لأغراضهم الخاصة، وحتى اللهجات المحلية لهم فيها خبراء، وبالتالي ترجموا الإنجيل لكل هذه اللهجات المحلية في العالم، وتصدر الفاتيكان أكثر من خمسين ألف مطبوعة دورية.
* متى تم تعيينكم سفيرا للسودان في إيطاليا؟ وكيف كانت علاقتكم بالفاتيكان باعتبار قربها من مقر السفارة بالإضافة لاهتماماتكم بموضوع النصارى والتنصير؟
ـ قبل ذهابي سفيرا للسودان بإيطاليا في العام 1992م؛ كان لي علاقة بالطِّليان، فقد كنت نائبا في الجمعية التأسيسية قبل قيام الإنقاذ، وقد ساهمت في إطلاق سراح إيطاليين مختطفين كانوا يعملون في إثيوبيا، وعندما تم تعييني سفيرا في إيطاليا كان الطليان يعرفونني جيدا، وكانت لي علاقات متميزة مع الفاتيكان خاصة الكاردينال أرينزي وهو نيجيري كان مسئولا عن الحوار مع الأديان الأخرى في الفاتيكان، وكنت أزوره كثيرا في الفاتيكان واحتسي معه الشاي.
في أوائل التسعينيات جاء الدكتور الترابي في زيارة للفاتيكان وكان معه سيد الخطيب وكان الفاتيكان قد قدم له دعوة لحضور إحدى المناسبات هناك، وسفيرنا المعتمد لدى الفاتيكان المقيم بباريس لم يكن موجودا آنذاك فاضطررت للذهاب مع الدكتور الترابي إلى الفاتيكان، وقد اقترح الدكتور الترابي بعد أن سلمنا على البابا أن يكون هناك حوار بين الفاتيكان والإنقاذ، والبابا أذن في إجراء الحوار، واتفقنا أن بعض الصحف تثير المشاكل بين المسيحيين والمسلمين لأسباب تجارية، فاتفقنا على تبادل المعلومات، وإنشاء مركز دراسات مشترك لبحث أوجه التقارب بين الأنجيل والقرآن، وإصدار نشرة دورية، وأشرف على الاتفاق كبار الكاردينالات، وفي يوم كتابته وقع عليه البابا، لكن الاتفاق لم يستمر واعتقد أن هذا كان من أهم الاتفاقات التي أجراها البابا مع بلد مسلم.
* كيف يدير البابا أعماله في العالم؟ ومن يساعده في أداء مهامه على مستوى العالم؟
ــ إدارة الفاتيكان تتكون من البابا ومجموعة من الكاردينالات، ولكل منهم اختصاصه مثل الشئون الخارجية، والشئون العلمية، وحوار الأديان، والتعليم والمناهج. والفاتيكان لا تنقطع عنها الوفود من كل أنحاء العالم على مدار العام لمناقشة مشاكل وقضايا النصارى في العالم خاصة في آسيا.
أثناء فترة وجودكم قريبا من الفاتيكان.. هل تمكنتم من الاطلاع على بعض الوثائق والمصادر التي لا تتاح لكافة الناس عادة؟ وهل حفلت فترتكم بأسرار متعلقة بأعمال الفاتيكان على مستوى العالم؟
ــ الحصول على وثائق خاصة بالفاتيكان صعب جدا، لكن بالنسبة لي كنت أشتري كتبا كثيرة، وأثناء عملي كسفير في أيطاليا اقتنيت أكثر من ثمانين كتابا يتحدث عن النصارى وأنشطتهم، ومن أهم الأسرار في فترة البابا السابق بولس الثاني أنه كانت له علاقة ممتازة مع الرئيس الأمريكي وقتها رونالد ريغان، ومدير الـ(سي آي إي) وقتها، وهذا الثلاثي هو الذي أسقط النظام الشيوعي في بولندا، والبابا السابق لعب دورا كبيرا أيضا في سقوط الاتحاد السوفيتي، وكان يدعم الزعيم البولندي ليخ فاليسا ومنظمته وتوصيل المساعدات له حتى سقط النظام الشيوعي هناك، و البابا السابق أصلا بولندي، وقد درس في مدرسة أغلب طلابها من اليهود، فعاش وسط اليهود وتأثر بهم، ولما جاءت النازية في ألمانيا كان متعاطفا مع اليهود الألمان، وعندما رقي إلى رتبة البابا كان أكبر أصدقائه اثنان من اليهود من زملائه في الدراسة كانا يعيشان في إيطاليا أحدهما ثري كبير والآخر أكبر محام في إيطاليا، وكانا لا يفارقانه أبدا، ولعلهما أثرا فيه لدرجة أنه برأ اليهود من دم المسيح ومنع الدعوة ضد اليهود في الصلوات، وذات مرة دعاني سفير الفاتيكان في إيطاليا لمباني سفارتهم، فوجدتها تحتل قصرا ضخما وأخبرني أن أحد أثرياء اليهود أهداه للبابا ليقيم عليه السفارة.
* كيف يتم اختيار بابا الفاتيكان؟ من الذين يشاركون في هذه العملية؟ وماهي جنسياتهم؟ وكم عددهم؟
ـ في الماضي كانت هناك مدن محددة في إيطاليا، والذي يرشح كاردينالا في أحد هذه المدن يترشح للبابوية، وهذه المدن كان لها نفوذ هائل في الوسط الكنسي، لكن مؤخرا اصبحت هناك كلية بها حوالي ثمانين إلى تسعين كاردينالا من كل أنحاء العالم يُدعون لاختيار البابا، والبابا هو الذي يختار الكرادلة بديلا عن الذين يتوفون، لأن البابا عندهم معصوم ويتحدث باسم الله، ومن يختاره البابا مرضي عنه من الله. وهناك حديث عن أن البابا السابق قد قام بتوسعة الكلية للكرادلة التي ترشح البابا من أقل من مائة إلى مائة وعشرين كاردينالا.
* ختاما بماذا خرجتم من تجربة تعاملكم مع الفاتيكان؟ ماهي خلاصة العبرة من هذه التجربة؟
بعد تعامل لصيق ومستمر مع الفاتيكان أستطيع أن ادعي أني عرفت كيف أتعامل مع الفاتيكان، ومعاملتي جعلتني أكثر من يفهمهم ويتفهم عقليتهم، وعرفت أننا يجب أن نتعامل مع النصارى بنفس أسلوبهم بعيدا عن التشنج الذي لا يجدي.