انتهت تجربة الانقاذ الإسلامية بتذويب كامل للدولة في الحركة الإسلامية ، في الأجهزة الإدارية والأمنية والعسكرية بل والاجتماعية، فبعد هذه التجربة ألا ترى أخي سعادة الدكتور خطأ هذا السلوك الابتلاعي للدولة وما هي الصورة المثالي في العلاقة بين الدولة والحركة الإسلامية حال وصولها السلطة ؟
الذي حدث، هو تذويب الحركة الإسلامية في الدولة وليس تذويب الدولة في الحركة الإسلامية. وفي اعتقادي أنه إذا وجه نقد فهو أن الحركة الإسلامية لم تعد كيانا متميزا ولكنها اندرجت تحت ظل الحكومة والدولة، ورأئي الشخصي أن هذا ضار بالحركة الإسلامية، وكنت أعتقد أن الحركة الإسلامية ما كان لها أن تبقي بشكلها القديم ، فهذه قد تجاوزها الزمن بعد قيام الدولة وكان لابد لها – أي الحركة - أن تكون أكثر لامركزية مما كانت وأن تهتم بالمجتمع وقضاياه كالعمل الطوعي، وتعليم القرآن والسنة، والعمل الفكري والاقتصادي، أي تحتاج أن تكون حركة متمددة ولكنها غير مرادفة لدولة، وهذا مهم جدا، إذ يمكن الحركة من أن يكون لها مواقف نظرية غير مواقف الدولة، فمثلا الموقف السياسي للحكومة السودانية من المؤيد للمبادرة العربية من أجل الحفاظ على موقف عربي موحد، تلافيا للأضرار البالغة لانقسام الصف العربي، وقد رأينا الآثار الضارة جدا لانقسام هذا الصف. أقول لكن هذا الموقف لا يلزم الحركة الإسلامية السودانية بالاعتراف بإسرائيل رغم ان المبادرة العربية تقتضي الاعتراف بإسرائيل. ولكن هناك مواقف يظل للحركة الإسلامية لها رؤية متميزة ولكن إلى اي مدى تستطيع الدولة تصل إلى هذه الرؤية؟ هذا شئ آخر، فقد لا تستطيعه أو تقف في منتصف الطريق وتقول هذا ما استطيعه، لذلك يجب أن تظل الحركة الحركة الإسلامية هي منبع الأفكار والإطار الأخلاقي وهي المرجعية القيمية الدينية في المجتمع وهي التي تحدد الأجندة للعالم الإسلامي، الذي انشغل في غياب الحركات الإسلامية بقضايا على أهميتها إلا أنها ليست الأكثر أهمية وإلحاحا، ومن واجب الحركة الإسلامية أن تعيد ترتيب أولويات المجتمع الإسلامي من جديد.
ولكن هناك مسألتين الأولى أن هناك لبساً يحدث عند الناس/المجتمع تجاه الحركة الإسلامية ، أنها في شكلها التنظيمي القديم كانت تخص نفسها بأنماط من التربية والثقافة دون المجتمع بالإضافة للشق التنظيمي الخاص بها، و الأخير لا بأس به ولكن لماذا الاختصاص دون الناس بهذه التربية ولماذا لا ننقلها للمجتمع، الذي يمكن أن يقبل عليها كما أقبل على حلقات التلاوة حينما خرج بها الإسلاميين من "الأسر التنظيمية" للمساجد، والتي تبناه الناس حافظوا عليها بينما تركها كثير من الإسلاميين.
وهناك تخوف ثاني في وجود الحركة الإسلامية في ظل قيام الدولة الإسلامية هو أن تتعامل الحركة الإسلامية وكأنها جهاز مواز للدولة وللتنظيم السياسي ووسيلة للتسلق وكذا، و كلنا نرفض ذلك. ولكن نقول هناك وظائف لابد من القيام بها مثل: انتاج الأفكار والنماذج والتأكيد المرجعية الإسلامية في المجتمع والتأصيل ووضع الأجندة وترتيب الأولويات، فكيف نقوم بها هل من خلال تنظيم الحركة الإسلامية أم من خلال مرجعية داخلية في التنظيم السياسي الذي يجمع الجميع؟ هذه كلها آراء متراجحة.. ولكن المهم أن تكون هناك جهة تقوم بهذه الوظيفة لأنه إذا غابت هذه الجهة عندئذ سيتراجع العمل الإسلامي جدا.
قبل الانقسام الذي أصاب الحركة الإسلامية في العام 1999م، كانت علاقة بين الحركة الإسلامية والحزب والدولة غير واضحة
الذي تسبب في ذلك هو حل الحركة الإسلامية دون وجود مرجعية إسلامية في داخل حزب المؤتمر الوطني بمعنى مرجعية مستقرة فالمرجعية الإسلامية إلى الآن هي موجودة في هيئة أشخاص فالمسيطرون على المؤتمر الوطني الآن هم الإسلاميون ولكن القصد أن تكون هناك صيغة مستقرة بحيث يبقى الحزب محافظا على توجهه كلي مهما حدث ، وتجعله يراعي هذه المرجعية ، وهو أفضل ما يمكن أن تحصله لأنك عندئد تكون قد أسست جهازا مستوعبا تماما، ولكن بمرجعية إسلامية في المقصد والاتجاه، ولهذا أعتقد أن إذابة الحركة الإسلامية في الدولة ضارة. التعامل مع الغربالتعامل مع الغرب عداء أم مسالمة؟
الأصل في التعامل مع الآخر هو المسالمة وقد قال صلى الله عليه وسلم عن صد قريش له وإجباره على الحرب "ماذا لو خلوا بيني وبين الناس". وهذا يؤكد أنه يفضل المسالمة ولو أنهم خلوا بينه والناس ماقامت أصلا حروب.
أما الجدل الذي ثار حول ما إذا كان الجهاد طلبا أم دفعاً ، فأقول عن قناعة إنه شرع للدفاع عن النفس والعرض والدين وغيرها من الحرمات الشرعية، يقول تعالى (ولا تعتدوا إن الله لايحب المعتدين) وهذه الآية خبر فمن ثم لا يمكن القول بنسخها. وكلما جاء في الحض على الجهاد هو لرد العدوان ورفع الحصار، تحرير الإنسان من الاضطهاد.
حديث الرئيس الأمريكي الجديد باراك أوباما عن تعامل جديد مع العالم الإسلامي ، فهل هو يعبر عن قناعة من واقع خبرتكم في التعامل مع الأمريكيين؟
انطباعي أنه ينطلق في مواقفه من قناعات، وأرجو أن يكون كذلك، وهناك خطوات عملية اتخذها في هذا المجال جديرة بالتقدير.
هل ذلك بسبب خلفيته لأفريقية أم لبعد أفقه السياسي؟
ربما للخلفية الأفريقية ولأنه تربى مجتمع متعدد ومفتوح في هونولولو، وهي التي لاتشبه باقي الولايات الأمريكية، وتربى في أندونيسيا ووجدانيا مرتب بأفريقية في ذاته وأيضا ثقافته الشخصية قد أسعفته في توليد افكار جديدة، والمرحلة السياسية فرضت عليه أنماط مختلفة من التفكير، لأنها جاءت في أعقاب إخفاقات كبرى في النموذج الأمريكي اقتصادية وسياسية كالأزمة الاقتصادية والإخفاقات السياسية والعسكرية هنا وهناك، وهذه الأشياء مجتمعة قدمت لنا رئيسا أمريكيا جديدا، وينبغي علينا كمسلمين أن نقتنص هذه الفرصة ونعبر إليه بالجسور التي يمدها للعالم الإسلامي.
بصرف النظر عن الاعتراضات والتحفظات على القرار القاضي باعتقال الرئيس السوداني في المدى البعيد إلى أين تتوقعون أن يفضي الأمر بالرئيس البشير؟ وهل لدى الحزب الحاكم خطة متفق عليها إذا جرت الرياح بما لا تشتهي السفن في هذه القضية قريباً أم بعيداً؟
الرئيس ازداد مشروعية وجماهيرية بعد هذا القرار وإذا قامت انتخابات فأنا أتوقع له الفوز، وهو ما يعزز مشروعيته أكثر، ولا أعتقد أن هنالك أي تفريط في هذه المسألة.
هل يمكن انتخابه مرة أخرى سيزيد من الضغوط على البلاد ويفرض عليها الحصار؟
البادئ للعيان الآن، أن الذين ينادون بفرض مزيد من الضغوط ومحاصرة السودان هم في انحسار مقارنة بالذين يقول أن قرار محكمة الجنائيات أفسد الأمور، ولا أعتقد أنه إذا جاء الرئيس بمشروعية شعبية وانتخاب شعبي حقيقي أعتقد أن هذا سيؤدي إلى اضمحلال دور المحكمة الجنائية. التجربة الإسلامية ومستقبل جنوب السودانماذا أعددتم في حال حصول انفصال؟ وهل سيؤدي هذا النفصال انهيار الوحدة فى بقية السودان؟
نحن نجتهد ألا يحدث انفصال،ونعمل سياستنا على تأمين البلد من ذلك المصير، هذا يمليه علينا موقف مبدئي، برئيا من أي لون من ألوان العصبية والانحياز الشوفيني، لكن بما أننا أقررنا بحق تقرير المصير باعتبار الخصوصية الثقافية والسياسية التي كانت سببا في استمرار الأزمة لخمسين عاما، فإذا انتهى بنا حق تقرير المصير إلى الانفصال فعئذ نقبل هذا الواقع الجديد.
وفي اعتقادي أنه يجب ألا نجزع كثيرا لذلك، لأنه حتى إذا حدث انفصال سياسي، فلن يكون هناك انفصال ثقافي واقتصادي أو اجتماعي، فضلا عن ذلك ربما يتيح للسودانيين أن يمدوا أبصارهم إلى نواحي أخرى طلبا لتؤكيد القربى الثقافية ..وهناك مناطق متعددة من السودان لها أواصر وعلاقات ممتدة على طول محور القرن الأفريقي- المحيط الأطلسي، وهي منطقة تقارب اجتماعي وتمازج ثقافي وتكامل اقتصادي وسياسي، ويمكن أن نؤكد كل هذه القيم إذا توافرت لنا القدرة والإدارة ، ومن ثم لست قلقا، من حدوث انفصال، فهناك بدائل كثيرة ستنفتح أمامنا، وينبغي أن تنفتح له أذهاننا والسودان سيكون مؤثر قوى في هذه المعادلة.
يتخوف الكثيرون أن يؤثر الانفصال على انتشار الإسلام في الجنوب وأفريقيا من خلفه، إلى أي مدى يصدق هذا التخوف؟
الذي أعاق انتشار الإسلام هو الحرب، وإذا زالت الجفوة وروح العداء بحق كل ما هو عربي أو شمالي- وهو الشئ الذي نحج فيه من قبل الاستعمار ثم عملت على تكريسه الحركة السياسية على مدى خمسين عاما، والجنوبي والأفريقي بصورة عامة فطرته أقرب للإسلام ، وهي السمة التي ساهمت في انتشار الإسلام في أفريقيا
ولهذا لا اعتقد أن انفصال الجنوب سيكون معوقا إذا ما قام المسلمون بدورهم، وقدموا نموذجا ملهما للآخرين.
هل سيؤدي الانفصال إلى حدوث انهيار للوحدة في بقية السودان؟
لا أتوقع ذلك وأعتقد أن عناصر القوى والتجاذب بين الأقاليم المكونة لشمال السودان أكبر مما نتصور وما يحدث في دارفور الآن حالة عارضة ، الأصل التداخل والتماسك والانتماء الواحد لشمال السودان.
إذا حدث انقلاب على الحركة الشعبية في الجنوب وسيطاح بها من حكم الجنوب فماذا سيكون موقف مؤتمركم الوطني ؟
إذا فقدت الحركة الشعبية السلطة في الجنوب، أو فقد المؤتمر الوطني السلطة في الشمال هناك دستور يسمح باستمرارية العمل، ليس بالضرورة لأسباب دستورية ولكن ممكن يكون لأسباب سياسية وفقدنا الحركة الشعبية كشريك في السلطة فهذه لها أضرار سياسية بالغة الأثر.مع الحركات الإسلامية الإرتيريةالعلاقة بين الحركة الإسلامية والحركات الإسلامية الإرتيرية ضمرت مؤخرا بينما كانت هناك اتجاهات إيجابية تجاه الحكومة الإرتيرية برئاسة أسياس أفورقي، فما مدى صحة ذلك؟
أعتقد أن الحركة الإسلامية السودانية حرصت على تقيم علاقات مع كل الحركات الإسلامية والمجموعات الإسلامية في شتى أنحاء العالم، ولكن هذا لا يعني الدعم العسكري أوالأمني لهذه الحركات ، لأن هذه المسائل تقييدها علاقات الدول، فالحركة الإسلامية لن تتورط في دعم حركة جهادية أو عسكرية إذا كانت المواثيق لا تسمح به، لأن قضية النصرة مقيدة بالمواثيق.
في فترة فترات عداء بين السودان وأرتيريا، كان هناك دعم للمعارضة بين الطرفين . ولكن الدولة حاجاتها غير حاجات الحركة، وتظل الحركة الإسلامية علاقاتها طيبة بكل المسلمين في شتى أنحاء العالم ولكن قيود الدولة التي تقييدها في التعامل مع هؤلاء الإسلاميين وهذه المسألة لها أصل في الدين.