طويت الحركة الإسلامية في جنوب السودان طويلاً تحت جناح الحركة الإسلامية السودانية العامة، برغم وجود تحديات ووقائع في الجنوب تختلف جذريا عن تلك التي في الشمال، فالجنوب ليس أرضا إسلامية صرفة كما الشمال، ولا يمكن الإجماع على تعريف هويته الحضارية، بأنها عربية إسلامية برغم شيوع الدين الإسلامي وغلبة اللسان العربي، وهذه التحديات المتباينة بين الشمال والجنوب؛ تفرض بالضرورة أولويات مختلفة بالنسبة للحركة الإسلامية هنا وهناك، ولكن مع ذلك بقيت الحركة الجنوبية الإسلامية في حالة ذوبان في الحركة الإسلامية في الشمال، حتى جاءت اتفاقية السلام الشامل 2005م، لتمنح الجنوب حكما شبه ذاتي، السلطة والثروة فيه لغير المسلمين فاستبانت لحظتها ساعة الحقيقة الإسلامية..
هذا الحوار، يجاذب الباحث بـ(مركز ابن جلة للبحوث والدراسات، التابع للهيئة الإسلامية لجنوب السودان) والقيادي الإسلامي الجنوبي آدم سعيد كباوا، في سبيل إلقاء النظر حول الحركة الإسلامية في الجنوب والتقلبات التي حدث بين أعضاء هذه الحركة بعد هيمنة الحركة الشعبية على السلطة في الجنوب السوداني، كما يكشف هذا اللقاء رؤية الناشطين فيها للمستقبل المنظور للحركة الإسلامية خاصة والعمل الإسلامي بصفة عامة في جنوب السودان.
* المشهور عن الجنوب أنه إقليم غير إسلامي، ولكن لنا أن نسأل هل هناك حركة إسلامية في جنوب السودان؟
- نعم هناك حركة إسلامية في جنوب السودان، ولها تنظيم حركي، ولكن السؤال الحقيقي ما هو مدى فعالية هذا التنظيم؟ وهل هي الحركة بمعناها المعروف تقليديا بأسرها وخلاياها؟ أم هي وعاء من أوعية الحزب الحاكم -المؤتمر الوطني-، في محاولة لجمع المسلمين من أجل العمل السياسي؟
للوقوف على هذه الحقيقة لابد من قراءة الخريطة الإسلامية في الجنوب..
خريطة التيارات الإسلامية بالجنوب
* إذن، كيف تقرأ هذه الخريطة؟
- هناك حركة إسلامية أصلية في جنوب السودان مرتبطة بالحركة الإسلامية المركزية في الشمال، وموزعة في كل ولايات الجنوب ولها مؤتمرات معلنة ومكشوفة ومعروفة للجميع، في ملكال وغيرها، وفي بعض الولايات يعرف الحكام الذين ينتمون للحركة الإسلامية بل ويحضرون مؤتمرات الحركة الإسلامية كما في ولاية شمال بحر الغزال.
أما يتعلق بالنشاط والحركة؛ فالملاحظ غلبة الموسمية على طبيعة عمل الحركة الإسلامية ونشاطها الدعوي... فهي تنشط في رمضان وشهر الحج وهكذا..
هناك مجموعات أخرى، ومنها مجموعة أنصار السنة في أعالي النيل، وهي معروفة بنشاطها الإسلامي، وهناك مجموعة كانت تنتسب للحركة الإسلامية، وانضمت مؤخرًا للحركة الشعبية ويسمون بـ"المهمشين"، ويدعون أنهم يعملون عملا إسلاميا، وأنا أعرف أن ماضيهم ماضٍٍ إسلامي، ولكن يبقى التحدي هو تحدي تداعيات ما بعد الخلاف بين الإخوان الذين انشقوا عن بعضهم؛ حيث يترصد كل طرف للآخر.. وخاصة أن هؤلاء "المهمشين" كانوا في بعض المكاتب التي تتولى العمل في قطاعات مهمة.
والمجموعة الرابعة، هي الصوفية، وهي الطائفة الأكثر صمودًا، فالطريقة التيجانية منتشرة في المدن؛ في جوبا وملكال وواو وغيرها من الحواضر، والصوفية الجنوبيون مستقطبون هنا وهناك من القوى السياسية، ولكنهم متفقون في الطريقة وأذكارها وعباداتها والتزامهم الصوفي.
*هل هناك تنسيق بين المجموعات الإسلامية؟
- هناك نوع من التنسيق ودرجة من درجاته، فهناك شبه تحالف بين مجموعة المهمشين وشباب أنصار السنة الذي انضموا أيضا للحركة الشعبية، وخاصة في منطقة أعالي النيل، وهناك نشاطات مشتركة في منطقة بحر الغزال.
* إذا حاولنا التأريخ لظهور للحركة الإسلامية في الجنوب، فمتى نبدأ؟
- أول ظهور للحركة الإسلامية كان في ستينيات القرن العشرين، وأبرز رموزها آنذاك الشيخ عبد الله آدم زكريا، وكان عضوا برلمانيًّا عن جبهة الميثاق، الوعاء التحالفي بين الحركة الإسلامية وأنصار السنة والصوفية، عن دائرة في مدينة "يي" بغرب الاستوائية... هذه الطلائع الأولى للحركة الإسلامية في الجنوب، ولكن العمل الإسلامي في تكوينه التنظيمي الدقيق والمرتب جاء مع افتتاح جامعة جوبا في أواخر السبعينيات، حيث أصبح للحركة الإسلامية أثر واضح في مكونات وسمت الشارع الجنوبي.
* هل يمكن أن ترصد لنا طبيعة هذا الأثر ومظاهره؟
- أبرز هذه الآثار هو إقبال المسلمين الجنوبيين الدائم على المساجد، بعد أن كان موسميا، وبروز الزي الإسلامي في الشارع العام في جوبا.. كما يتبدى في انتماء طلاب المدارس المتوسطة والثانوية للحركة الإسلامية.
* هل التكوين الحضري المديني للإسلام في الجنوب أثر على طبيعة الحركة الإسلامية لاحقاً، وأكسبها تكوينا نخبويًّا؟
- الحركة الإسلامية في الجنوب حركة شعبية؛ لأنها سايرت المجتمع، فأنا كنت الطالب الوحيد في الفصل المسلم عندما كنت في المرحلة الابتدائية، ولكن الشارع كان مسلمًا، وهذا الشارع هو الذي قادني إلى المسجد وحلقات تعليم القرآن؛ ولهذا عندما جاءت إلى الجنوب لتجد عائقاً، سوى بعض الصدود من الصوفية، ويرجع ذلك إلى أن خطابنا في البداية كان حادا تجاه الصوفية، ولكن لم نزل متمسكين بهذا الخطاب وأصبح شعبيا ومسايرا للصوفية تجاوب معنا الشارع، خاصة أن الحركة الإسلامية ارتبطت بتشجيع التعليم والقيام بأمره، وأذكر أن والدي لم يعترض على انتمائي للحركة ومفارقتي لبعض الاختيارات الفقهية التي كانت شائعة بين الصوفية الجنوبية، ولكنه أوصاني ألا أسب الرسول صلى الله عليه وسلم، قد تستغرب لهذه الوصية، ولكنها كانت نتاج لشائعة أن الإخوان يفعلون ذلك.
كذلك جاءت الحركة الإسلامية بعد رفض المجتمع الجنوبي لموجة العري التي اجتاحت الجنوب في السبعينيات، وظهور اللباس الطويل بين الفتيات؛ ولهذا عندما ارتدت المسلمة الجنوبية الحجاب لم يستغرب له أو يعترض عليه.
والحركة الإسلامية جاءت أيضا بعد أن استقر الإسلام في الجنوب، وأصبح المسلم مواطنا مركزيا يلجأ إليه في حل المشكلات، فالشيخ الصوفي الذي عاش في الجنوب كان هو الذي يحل المشاكل بين المواطنين، وهو الذي يستأمن على الأموال، وهو الذي يوصيه الموتى برعاية أولادهم بعدهم، فوالدي مثلا كان وصيا على عدد من الأسر... والمسلم هو الذي يذبح الذبيحة في المناسبات الجامعة حتى أصبح هذا تقليدًا فالحركة الإسلامية جاءت في هذا السياق المتسامح، الذي فيه المسلم عامل تسامح.
* هل ما يزال المجتمع الجنوبي يتسامح مع المسلمين عامة والحركة الإسلامية خاصة؟
- لا نستطيع أن نقول إنه لم يحدث تغيير، ففي التسعينيات جاءت حكومة الإنقاذ وهي محسوبة على الحركة الإسلامية، وجاءت حركة الجهاد في جنوب السودان، فالمعارضة استفادت من روح الجهاد وتصويرها وكأنها أسلمة قسرية للجنوبيين..
* هل كان للحركة الإسلامية دور في العملية الجهادية التي كان الجنوب ميدانها؟
- في البداية حاولنا تحييد الحركة الإسلامية الجنوبية، في فترة الجهاد، على أن تعمل في الدعوة للدين والالتزام، ولكن في بعض المنعرجات اضطرت الحركة الإسلامية للمشاركة؛ لأنها دفعت الناس والقبائل للجهاد، وكان حتماً عليها أدبيًّا وهي جزء من هذا الشعب أن تُشارك وكان ذلك في العام 1997م، حتى مجموعة (المهمشين) التي التحقت بالحركة الشعبية الآن كانوا مجاهدين، بل كان منهم أمراء في الفصائل الجهادية. التحولات بين جناحي الحركة الإسلامية
*عندما ضرب داء الانقسام الحركة الإسلامية السودانية في 1999م، وانشطرت إلى جناحين أحدهم يقوده الترابي، وهو ما عرف وقتها بجناح المنشية وجناح البشير (جماعة القصر)، أين كان موضع أبناء الجنوب في هذه المحاصصة؟
- لحظتها كنت مقرر قطاع الجنوب، وكنت مطلعًا على ملف المسلمين الجنوبيين، لما حدث الانقسام بين القصر والمنشية، 90% من المسلمين الجنوبيين وقفوا مع الشيخ الترابي –جناح المنشية-؛ لأنهم مرتبطون من خلال الحركة الإسلامية هيكليا بالشيخ الترابي الذي كان ملف الحركة الإسلامية في الجنوب أحد الملفات التي يتولاها مباشرة، بعد ذلك حدث تحول إذ يؤيد الآن 90% الحركة الإسلامية التي يقودها نائب الرئيس السوداني علي عثمان (جناح القصر)..
* ما هي تفسيرات هذا التحول؟
- ببساطة للمسلمين الجنوبيين قضايا خاصة، نشر الدعوة الإسلامية وتأييد الوجود الإسلامي في الجنوب، والوقوف مع الترابي يعني اختيار خانة المعارضة، وهي حالة تتنافى مع الطبيعة السلمية للنشاط المطلوب من المسلمين الجنوبيين؛ ولهذا اختاروا التحول.
* في تلك الفترة، هل كانت الحركة الشعبية خاضعة لقبضة الحركة الإسلامية في الشمال أم مستقلة؟.
- كانت العلاقة بينهما تشبه العلاقات الفيدرالية، فقد كان في الجنوب حركة لها هيكل إداري منفصل وتتحرك وفق معطيات الجنوب ووقائع الحياة فيه، ولكن مع ذلك كان لها صلة مباشرة، كما أسلفت بالأمين العام الدكتور حسن الترابي.
* بعد إقرار اتفاقية السلام بين الحركة الشعبية بقيادة جون قرنق والمؤتمر الوطني، ما هي آثارها على الحركة الإسلامية في الجنوب ووضعها التنظيمي؟
- الاتفاقية في المجمل تأثيرها سلبي، فقد كانت الحركة الإسلامية والمسلمين عامة في الجنوب تحت حماية، وبعد السلام أصبحوا في دائرة الاتهام باعتبارهم وجها من أوجه المؤتمر الوطني..
وحول العلاقة بالمؤتمر الوطني، هناك اتجاه في الطلاب يسعى لمزج الحركة الإسلامية بالمؤتمر الوطني..
وهناك اتجاه آخر، يرى أن اتفاقية السلام تفصل بين السياسية والدين، وتسمح بالعمل الديني ويرى أصحاب هذا الاتجاه أن تركز الحركة الإسلامية جهدها في نشر الإسلام المجرد من كل غرض سياسي، وأن تعمل على الحفاظ على الأسرة والمجتمع حتى ولو تحالفت في ذلك مع الكنسية.
* القبيلة في الجنوب قابضة جدا، فيكف تتعاملون مع التقاليد القبلية؟
- في الجملة ما يزال المسلمون يخضعون لتقاليد القبيلة الجنوبية في كل شعب حياتهم، ولكن القبيلة لها التزام بصورة غير معلنة يقضي باحترام خصوصية المسلم فيها في ناحيتين: الزواج، والموت وإجراءات الدفن، والقبيلة إذا مات فيها مسلم في مكان ما وليس هناك مسلم في تلك اللحظة يبحثون عن مسلم من أي قبيلة ليأتي ويتولى دفن أخيه، وبعد الدفن تمارس القبيلة طقوسها الجنائزية الخاصة وكذلك الزواج.. والحركة الإسلامية تصالحت مع هذه التقاليد الشائعة في الريف وبعض المدن، وكنا نقول لأنصار السنة: "إن دعوتكم التي لا تقبل التفاوض مع الوضع القائم لا مكان لها في الريف فخصوا بها المدن فقط".
* أين المرأة الجنوبية في الحركة الإسلامية في جنوب السودان؟
- المرأة لها وجود فاعل في الحركة الإسلامية في جنوب السودان، ولها وجود منذ عام 1970، بفعل التحاقها بقطاع التعليم، فـ 80% من المعلمين كانوا مسلمين، وهناك نسبة مقدرة من الإسلاميات في هذا القطاع، ولما وصلت الحركة الإسلامية السودانية للسلطة ظهرت نماذج نسائية جديدة ونذكر منها الأخوات: علوية عبد الفراج في أعالي النيل، والبرلمانية فدوى شواي دينق، والأخت نجوى جمعة مرسال.
المستقبل والتحديات
* ما هو مستقبل الحركة الإسلامية في جنوب السودان في ظل المعطيات الجديدة (اتفاقية سلام.. انتخابات.. إلخ)؟
- الحركة الإسلامية في الجنوب تبدو علاقتها مع الحركة الإسلامية السودانية أقرب إلى الفيدرالية وهي على علاقة تقوم على قاعة الالتزام الديني والتنسيق العملي.. والآن تسعى لتطوير نفسها، ولكن هناك تحدى الذين خرجوا منها وانضموا للمنافس التقليدي (الحركة الشعبية) فهؤلاء كانوا في مستويات قيادية ويلمون بملفات خاصة.. وهو تحدٍّّ كبير.
كما أن الحركة الإسلامية تعمل على أن تصنع وعاء تنظيميا عاما لكل المفردات المكونة للحالة الإسلامية؛ يجمع كل المسلمين حتى الذين لا ينتسبون تنظيميا للحركة دون الاعتراض أو التحفظ على محافظة هذه التنظيمات والقوى المنتسبة لهذا الوعاء الشامل على أطرها التنظيمية الخاصة، وأتوقع أنه إذا تمكن المسلمون من إتمام تأسيس هذا الوعاء في التنظيمات المشاركة ستذوب تدريجيا في الجسم التوحيدي الجديد، لأسباب كثيرة منها تداعيات الواقع على المسلمين جميعاً..
* في ختام هذه المقابلة، ما هي أكبر مشكلات العمل الإسلامي في الجنوب في نظرك كباحث أكاديمي وناشط إسلامي؟
- استقطاب المشروع الدعوي الديني لصالح السياسي، فالمجموعات الدينية هنا وهناك تستند إلى أحزاب سياسية، وليس أمام المسلمين في المؤتمر الوطني والمسلمين في الحركة الشعبية من خيار سوى أن يتحرروا من العمل السياسي لصالح الدعوي في هذه الفترة على الأقل، ولا نطالبهم بأن يقطعوا الصلة بكياناتهم السياسية، ولكن نريد منهم أن يوظفوا جهودهم في الاتجاه الصحيح حتى وهم داخل هذه التنظيمات؛ لأن الخيار الثاني هو التناحر بينهم في سياق المشروع السياسي والتنافس الحزبي في جنوب السودان.