بدأت العشر الأواخر من رمضان، حيث تحيا في بعض مساجد الخرطوم شعيرة الاعتكاف، وهي من أجـــلّ الطاعات والقربات تلك السنّة التي يتفرغ فيها المرء للجد والاجتهاد في العبادة، منصرفًا بها عن علائق الدنيا وضجيجها الصاخب، وهي الفرصة المتبقية أمام من يريد أن يدرك من فضل هذا الشهر الكريم قبل أن يودع منصرفًا ليخلو فيها بربه فيُناجيه ويناديه ويدعوه ويرجوه؛ فترق روحه ويصفو قلبه وتسمو نفسه، وهي سنّة النبي صلى الله عليه وسلم.
والاعتكاف الذي هو لزوم المسجد بنية مخصوصة، لطاعة الله تعالى وهو مشروع مستحب باتفاق أهل العلم، وقد درجت مساجدٌ "معينة" في ولاية الخرطوم على وجه الخصوص على استقبال أعداد كبيرة من المعتكفين الذين يأتون من كل صوب وحدب، من أنحاء كثيرة متفرقة من العاصمة القومية الخرطوم لدرجة أن بعض المساجد صارت تحدد عدداً للمعتكفين لاتتجاوزه، وذلك تفادياً للزحام، من كثرة الإقبال عليها في هذا الشهر.
و ينفق على خدمات الإعتكاف الخيرين ورجال البروالتقوى بالتنسيق مع لجان هذه المساجد، ويحرص المعتكفون في هذه المساجد أن يجتهدوا في عباداتهم وقرباتهم إلى الله حتى يكونوا من عتقاء هذا الشهر المبارك، لاسيما أن هذه الأيام تتخللها ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، وفيها يكون البرد والسلام، ومن بها يعلو المقام، وفيها تتنزل الملائكة، وجبريل - عليه السلام - معهم ، يدعون للطائعين، ويسلمون على المعتكفين ويبشرون الراكعين الساجدين الذين هم في الله آملون، ولمغفرته راجون.
ومن الملاحظ أن المعتكفين يتسابقون إلى المساجد التي يؤمها مقرئون ذوو أصوات جميله وشجية عند تلاوة القرءان الكريم، حيث يذهب الشباب إلى بعض الأئمة المشهورين لأنهم قد يجدون الخشوع والسكينة خلفهم، فالكثير من يحرص على إيجاد قارئ مجيد لحفظ القرآن حسن الصوت، ونقصد بحسن الصوت أن يشعر من يصلي خلفه بروعة القرآن ويعيش في ظلال معانيه، كما علّمنا ذلك النبي صلى الله عليه وسلم حين قال: (إن من أحسن الناس صوتا بالقرآن الذي إذا سمعتموه يقرأ حسبتموه يخشى الله) رواه ابن ماجه بسند صحيح. ولا شك أن صاحب الصوت الحسن ينجذب إليه الناس سواء كانوا شبابا أو كبار سن ونساء، والسبب لأنهم يحسون ويشعرون بالخشوع خلف هؤلاء الأئمة، فمن الطبيعي أن يميل الناس لحسن الأداء والصوت الحسن.
مسجد الشيخ محمد عبد الكريم
ويأتي في طليعة هذه المساجد مسجد المجمع الإسلامي بالجريف غرب بالخرطوم لما يملك إمامه وخطيبه الشيخ د.محمد عبد الكريم صوتاً شجياً لجذب المعتكفين بمسجده سنوياً وتحتشد كافة أرجاء المسجد بالمصلين عند ختمة القرءان في 27من الشهرويشهد الميدان الخارجي للمجمع حضوراً مهيبا في ذلك اليوم،وتتفاوت أعمار الشباب المعتكفين فيه من(16 إلى 26)عاماً وأغلبهم من فئة الطلاب الجامعيين،بالإضافة إلى عدد كبير من شرائح عمرية مختلفة من الكهول والشيوخ.
مسجد السيدة سنهوري بـ"المنشية"
ويسقبل مسجد السيدة سنهوري بالمنشية بالخرطوم أيضاً في هذا الشهرالمعتكفين بأعداد كبيرة من مختلف الأعمار من(18إلى 38)عاماً، حيث يؤم المصلين المقرئ الشاب الزين محمد أحمد، سليل خلوة خرسي بكردفان، صاحب الصوت الحسن الذي ينجذب إليه الناس.
مسجد المركز العام لأنصار السنة بـ"السجانة"
وهو المسجد الملحق بمباني المركز العام لجماعة أنصار السنة المحمدية بالسودان، وهو من المساجد العريقة، التي يقصدها الناس، وفيه حركة علمية نشطة، من الدروس والمحاضرات، طيلة مواسم السنة، ولكنها تنشط بصورة أكبر في رمضان.
ويشهد المسجد الكائن بحي السجانة اعتكافاً في العشر الأواخر من رمضان، يشمل مختلف الأعمار، حيث يحتشد فيه الشباب السلفيين.
مساجد أخرى تعكف
وتمتد قائمة المساجد المعتكفة بالخرطوم لتشمل مسجد المعهد العالي للدراسات الإسلامية بالكلاكلة (القبة)، هذا المسجد الذي يؤمه شباب أيضاً يرتلون بصوت جاذب ويغلب عليه عنصر الشباب.
كما يتدفق المعتكفون بالخرطوم على "مسجد السلام" بالطائف ويؤمه الصلاة به بعض الحفظة الذين وهبهم الله أصواتاً أصوات ندية في قراءة القرءان مثل الشيخ صالح، ويلحظ على المسجد النظام الدقيق والمرتب وتتفاوت الفئات العمرية فيه من (18إلى 45)عاماً.
ومن المساجد المعتكفة "مسجد عبدالله بن رواحة" غرب مقابر فاروق، الذي يصلي بالناس فيه الشيخ عدنان عبدالكريم – الشقيق الأصغر للشيخ محمد عبد الكريم، وهنا أيضاً نجد أن عنصر الشباب هو الغالب على المعتكفين والمواظبين على صلاة التهجد.
بجانب مسجد "الدوحة" بحي جبرة الذي يؤمه الشيخ الدكتورعبدالحي يوسف لكن توقف الاعتكاف فيه قبل عامين نسبة لأعمال الصيانة الجارية به.
مساجد جديدة أحيت سنة الاعتكاف
ومن المساجد التي بدأ الإعتكاف بها مؤخراً مسجد الفتح الإسلامي ومن المتوقع أن يشهد المسجد في هذا الشهر الكثير من أعداد المعتكفين التي تتدفق عليه..وفي منطقة الخرطوم بحري يستقبل سنوياً "مسجد الأبرار بحي شمبات الأراضي" المعتكفين، ويؤمه بها صاحب الصوت الشجي الشيخ نورالدين، ويحتل فيه الشباب أيضاً النسبة الكبيرة من أعداد المعتكفين.
كذلك يسقبل مجمع "الإمام مسلم" بحي الفيحاء بالحاج يوسف سنوياً أعداد كبيرة من المعتكفين ويؤمه خطيب المجمع الشيخ مدثر أحمد اسماعيل، وتتفاوت أعمار المعتكفين فيه من(18إلى 55) عاماً.
وهناك المؤمنون بحي الصافية بالخرطوم بحري الذي يخطب فيه الشيخ محمد سيد حاج)،وفي منطقة أم درمان مسجد مجمع الغفران الإسلامي بالمهندسين، ومجمع الفرقان بحي الثورة الحارة العشرة بأم درمان، ومسجد فيصل بحي العرضة بأمدرمان، وغيرها من المساجد المختلفة كثير من أنحاء العاصمة التي تحي هذه السنة، ويخرج المعتكفون منها يوم وقفة عيد الفطر بعد الغروب، ومنهم من ينتظر حتى صلاة العيد ثم ينطلق إلى أهله.
وتعتبر صلاة التهجد من أبرز ما يتميز به مساجد الاعتكاف، وفيها يلمس المرء شعوراً صادقاً بقربه من الله تعالى مصداقًا لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (أقرب ما يكون الربُّ من العبد في جوف الليل الآخر) (رواه الترمذي) وفيها تصفو القلوب وتخشع النفوس وتتسامى العقول والخواطر وتعرج الأرواح إلى بارئها فتنعم بجواره وتأوي إلى رحمته.
ومن الثمرات التي يخرج منها المعتكف في هذا الشهر؛ التربية على الإخلاص لأن المعتكف لا يراه أحد إلا الله جل وعلا. والتربية على العبادة خاصة قيام الليل وقراءة القرآن والاستغفار والذكر والمناجاة، وتقوية الصلة بالله تعالى واللجوء إليه ومناجاته، بجانب مراجعة النفس ومحاسبتها في أمور الدين والدنيا في العبادة وغيرها.إضافة إلى إحياء سنة هجرها كثير من الناس وهي سنة الاعتكاف.ومنها أيضاً التربية على الصبر، ومجاهدة النفس، وعدم اتباع الهوى والشيطان.