 |
|
 |
 |
|
 |
مسجد الخليفة..شاهدٌ على تاريخ السودان
أ.أحمد إسماعيل
صحفي و كاتب سوداني
2010-01-12
كما كان المسجد في صدر الإسلام محلاً لإدارة الدولة ورعاية شؤون المسلمين، ويجري فيه إعلان الحرب وإقرار السلم..كذلك كان مسجد الخليفة عبد الله التعايشي بأم درمان في صدر الدولة المهدية التي أقامت حكماً إسلامياً على أنقاض الدولة العلمانية الخديوية المتحالفة الاستعمار الإنجليزي. وكان الخليفة عبد الله التعايشي في مسجده يباشر الحكم، ويلقي بياناته السياسية من خلال خطبة الجمعة، ويستعرض الجيش، ومن مسجده أيضاً كان يراقب المرجفين، ويحرس ما يقع في حدسه أن فتنة من الخروج!!.. وكان هذا المسجد هو المدرسة والمحكمة، والدولة.
تأسيس المسجد: في العام 1885م وصلت جيوش المهدي إلى أم درمان، واتخذ المهدي معسكره في أبوسعد وما حولها، وحاصر الخرطوم.. ومن مُشرع قرية "فتيح" عبرت قواته النهر إلى "شجرة غردون" – وكانت تعرف من قبل دلك بـ"شجرة محو بك"، والآن هي "حي الشجرة"- عبرت قوات المهدية النهر إلى الشجرة، ومنها اتخذت طريقها لمهاجمة الخرطوم، فأسقطتها في 26 يناير 1885م وقتلت غردون حاكم السودان!!.. ولكن المهدي اتخذ من أم درمان عاصمة لدولته، مؤثراً إياها على الخرطوم التي عدها من "مساكن الذين ظلموا أنفسهم"!!..وبعد ستة أشهر من انتصار الحركة المهدية توفي الإمام المهدي، وخلفه في الحكم عبد الله ود محمد تورشين، الذي أصبح يعرف فيما بعد بـ"الخليفة عبد الله التعايشي"!!.. بعد عامين من وفاة المهدي، أي في العام 1887م بنى الخليفة عبد الله التعايشي المسجد الذي حمل اسمه فيما بعد، وكان يقع في الجزء الشرقي من ميدان الخليفة الحالي في مواجهة قبة المهدي، وكان المسجد مشيداً من الصفيح، وأبعاده الحالية هي نفس الأبعاد التي بُني بها أول عهده؛ وهي 45 ذراعاً طولا و259 عرضاً وله ثمانية أبواب..ويقال إن الخليفة عبد الله كان يشارك بنفسه في البناء، ومعه خلفاء وأمراء دولة المهدية. وفي العام بدأ الخليفة عبد الله ببناء بناء سور لمدينة أم درمان، أحاط به قلب المدينة حيث قبة المهدى ومنازل الخلفاء وحراس الخليفة والمصالح العامة وفى سنة 1889 م أحاط المسجد الجامع بسورٍ عظيمٍ. المسجد في فترة المهدية: كان الناس يحتشدون في المسجد للقاءات الدينية وللصلاة في مجموعات كبيرة، حيث كان الخليفة عبد الله التعايشي يتخذ منه مكاناً لإلقاء بياناته السياسية والدينية للناس في أم درمان، وكثيراً ما كان يقف فيه خطيباً ليأمر بأمر، أو ينهى عن فعل، أو يكشف عن خبر!!.. بل كان الخليفة عبدالله كان يحرص على أن يؤدي الناس صلاة الصبح حاضرا في ذلك المسجد. وكان للخليفة منهجٌ في (أمن الدولة) أساسه المسجد!!..فقد كان يجعل من التزام الناس بحضور صلاة الجماعة في مسجده أسلوباً لمراقبة التزامهم السياسي..بل كان يشدد على من تحوم حوله شبهة بعدم التخلف عن صلاة الجماعة.. ومن ذلك إلزامه الأسرى الأوروبيين الذين ادعوا الإسلام- ومن بينهم النمساوي سلاطين باشا- بحضور جميع الصلوات في المسجد، وكان ذلك يشبه "أخذ التمام العسكري" حيث يتأكد من عدم هروبهم، وكان يعاملهم باحترام وتوقير، مع علمه بأن أكثرهم ليس مخلصاً في إسلامه، وأنهم يؤدون الصلاة بغير وضوء، ويعاقرون الخمر في بيوتهم.. وفي مخطوطة مذكرات الإغريقي "نيوكولاس ب" الذي كان ضمن الأسرى الأوروبيين في أم درمان أيام المهدية، يذكر أن الخليفة كثيراً ما كان "يجلس بعد صلاة العيد قرب المحراب و هو محاط بالأسري الأوربيين وسط العلماء و القضاة، و ينتصب واقفا لحظة دخول الأسري و يحيِّيهم قبل أي قادم آخر، و يتبادل معهم التحايا و التبريكات المعتادة ثم يبدأ الحديث معهم مبتدأً بأكبرهم سناً.." وكانت العروض العسكرية تجري بالقرب من المسجد، بحكم مكانه الذي يقع في الطرف الشرقي من شارع العرضة، حيث يبدأ الجنود الاستعراض في شكل مجموعات، وكان الناس يصطفون في الطرف الغربي من الجامع وإلى مكان الاحتفال لمشاهدة العرضة العسكرية!!..
كتشنر واستباحة المسجد: عندما وصل الجيش الإنجليزي الغازي مدينة أم درمان في 1898م انطلق الأنصار إلى كرري حيث سقطوا شهداء في أروع ملحمة فداء عرفها التاريخ القريب، وتقدم الجيش الغازي إلى أم درمان التي أصلاها بوابل من قذائف مدفعيته، مستهدفاً المسجد بصورة مباشرة، وضُربت القبة التي بنيت على ضريح المهدي..وعندما دخلت كتشنر أمدرمان بجنوده استباح حرمة المسجد لثلاثة أيام، واستعرض فيه قواته، وجعله مربطاً لخيل جنوده. سلاطين ينتقم: وبعد أن استقر الأمر للغزاة في أم درمان، تم تعيين سلاطين باشا – الأسير النمساوي الذي هرب من الخليفة، ليعود مع الجيش الغازي- مديراً للمخابرات في العاصمة!!..وكان أول ما فكر فيه سلاطين هو أن يمحو من الوجود أي أثر للمسجد الذي شهد "سنوات أسره، وادعائه الإسلام!!"..فقاده تفكيره إلى أن ينقل سوق أم درمان من محله الحالي إلى صحن المسجد، بعد توزيعه دكاكين للراغبين!!.. في عام وفي 1905م استدعي سلاطين باشا الشيخ حسن عبد المنعم، وكان أمير تجار أم درمان لينقل اليه رغبة الحكومة بتوزيع أرض الجامع للتجار وتحويله سوقاً عاماً. ولكن الشيخ حسن عبد المنعم لم يجب بشيء قبل أن يراجع الشيخ محمد البدوي شيخ علماء السودان آنذاك يستفتيه في ما ينويه سلاطين.. فانتفض الشيخ محمد البدوي غاضباً وقال: لقد صليت في هذا المسجد ثلاثة أعوام في جماعة خلف الخليفة عبد الله، وإنه بيت من بيوت الله ولا يصح تحويله لأي غرض غير عبادة الرحمن، فإذا نفذت أنت ما قاله لك سلاطين لأُكَفِّرنَّك وأُطلِّقن نساءك، ولا تدفن في مقابر المسلمين". فما كان من الشيخ حسن عبد المنعم إلا أن أبلغ سلاطين بما سمعه من الشيخ البدوي، ورفض رفضاً باتاً أن يقبل أو يساهم في عمل يحول بموجبه هذا الجامع لغير ما بُني من أجله.
المسجد في عهد المهدية الجديدة: وفي عهد المهدية الجديدة التي أسسها عبد الرحمن المهدي – الابن الأصغر للإمام المهدي- أصبح مسجد الخليفة عبد الله التعايشي واحداً من أهم المنابر السياسية لطائفة الأنصار، ويلقي فيه أئمة الأنصار إلى عهد قريب خطبة العيدين التي غالباً ما تكون خطبة سياسية..ويعتبر مسجد الخليفة ومسجد السيد عبد الرحمن بود نوباوي أكبر مركزين لتجمع الأنصار في العاصمة الخرطوم.. وفي ضريح الإمام المهدي الذي تحتل الجزء الجنوبي من حرم المسجد، ترقد جثامين المهدي، وثلاثة من أئمة المهدية الجديدة وهم "السيد عبد الرحمن المهدي، وولديه الصديق والهادي". من الأحداث السياسية الهامة التي شهدها المسجد في فترة الديمقراطية الثالثة هي إعلان الصادق المهدي زعيم الأنصار ورئيس حزب الأمة -رئيس وزراء السودان آنذاك- نقل رفات "الإمام الهادي" إلى قبة المهدي، بعد أن ظل مكانها مجهولاً منذ مقتله وهو في طريقه إلى الحبشة بعد المواجهة المسلحة التي قادها في الجزيرة أبا في العام 1970م ضد الشيوعيين الذين كانوا يسيطرون على الحكم في أوائل العهد المايوي.. وكان ما فعله الصادق يحمل دلالات سياسية وعقائدية كبرى بالنسبة للأنصار، حيث حاول بهذا الفعل إنهاء الجدل الذي كان دائراً حول حقيقة مقتل الإمام الهادي، الذي كانت تزعم طائفة من الأنصار أنه مازال حياً ولكنه مختفٍ في مكان ما، وسوف يعود يوماً!!..هو أمر شكَّل عائقاً كبيراً أمام انتقال إمامة الأنصار للصادق المهدي..
في عهد حكومة الإنقاذ الوطني وفي عهد حكومة الإنقاذ الوطني أصبح المسجد تابعاً للدولة، التي اهتمت بإعادة تأهيله، وكونت لجنة لإعماره على رأسها المشير عبد الرحمن محمد حسن سوار الذهب الرئيس السابق للسودان في عهد الحكومة العسكرية الانتقالية التي أعقبت انتفاضة رجب – أبريل 1985م، التي أطاحت بالرئيس جعفر نميري، ومهدت الطريق للديمقراطية الثالثة..وأضافت اللجنة 3 مآذن جديدة، وقامت بتعلية السور، مع توفير كافة الخدمات والمتطلبات الأساسية. وتعرض المسجد للقصف في الهجوم الفاشل الذي شنته قوات حركة العدل والمساواة على مدينة أم درمان في مايو 2008م..وأصيبت واحدة من مآذنه الأربع. ويعتبر مسجد الخليفة واحداً من أهم المعالم التاريخية في مدينة أم درمان، ويحتل مكاناً مميزاً في وسط المدينة، وتقام في ساحته احتفالات المولد السنوية.
|
 |
|
 |
|