شبكة المشكاة الإسلامية
آخر تحديث: 16.ربيع الاول.1433 الموافق: 2012-02-09م

ثلاثيات نبوية (59) ثلاث تبذل فيهن الأموال  ::  الدين القيم (119) الله هو المعبود الحق  ::  نساء خالدات (35) صفية بنت حيي 2  ::  دفاعا عن الحجاب  ::  ثلاثيات نبوية (58) ثلاثة حدث النبي بقصتهم  ::  الدين القيم (118) عيد الفطر  ::  نساء خالدات (34) صفية بنت حيي 1  ::  المدارس الغربية في البلاد الشرقية  ::  ثلاثيات نبوية (57) لا ينظر الله إليهم 2  ::  الدين القيم (117) لعنة الجاهلية  ::  

الإستشارات الفتاوى الأخبار الصفحة الرئيسية

ما حكم الاحتفال بالمولد النبوي؟

تابعوا المشكاة على تويتر

محاضرات وخطب  -فضيلة محمد سيد حاج رحمه الله

بيان هيئة علماء السودان حول أحداث سوريا

البث المباشر لقناة طيبة الفضائية

البث المباشر لقناة إفريقيا الفضائية

البث المباشر لقناة إفريقيا سواحيلي

 

الرئيسية البحوث والدراسات

 

 

 

Bookmark and Share

منهجية النبي صلى الله عليه وسلم في بناء وحدة الأُمَّة

 

د.أحمد المجتبى بانقا
أستاذ مساعد، الجامعة الإسلامية العالمية – ماليزيا.

2004-12-12

منهجية النبي صلى الله عليه وسلم في بناء وحدة الأُمَّة
تَمُرُّ الأُمَّة الإسلامية بواقعٍ يتسم بالضعف، والتخلف، والتقهقر، والتقوقع، والشعور بالنقص، والرضا بالتبعية للصهيونية والصليبية، التي اتخذت من دول العالم الأول مكاناً استطاعت من خلاله بسط ثقافاتها ومعتقداتها في عقر ديار الإسلام؛ بل أضحت التحديات التي ينبغي على الأُمَّة مواجهتها ومجابهتها ذات فوارق عن تحديات العصور السالفة، فهي تحديات مرتبطة بعصر العولمة والتكنولوجيا وهيمنة (الميديا) الإعلامية، والتكتلات الاقتصادية، والإمبريالية الرأسمالية، وغيرها من وسائل القوة المادية التي لم يشهد لها التاريخ مثيلاً من قبل.

والسؤال المطروح أمام تلك التحديات هو: ما مدى استفادة الأُمَّة الإسلامية من الفرص المتاحة في سبيل المعترك التراكمي للقوة المادية السالفة الذكر حتى تحتل موقعها الريادي لقيادة البشرية جمعاء؟ هل ستكون الأُمَّة الإسلامية قابلة للتحدي العصري الذي خطف قانون التعامل مع النواميس الكونية واستطاع أنْ يوظفه في سبيل إنجاح حياته الدنيا حتى أضحت موروثات الإسلام المعرفية مصطلحات غربية تدخل في صميم حياتهم السياسية، والاجتماعية، وهلم جرا؟ فالعدل والصدق والإنسانية والتواضع وحسن التعامل صارت سمات غربية، بل صار الغرب دار هجرة استقطابية لكثير من أفراد المجتمع الإسلامي، بسبب القهر والظلم والتسلط، التي أضحت سمة من سمات معظم المجتمعات الإسلامية، التي اتخذت من قانون الغاب أنموذجاً تأديبياً لكل من وقف أمام التحديات القطرية أو العصبية الضيقة، التي باتت تخدم حفنة من البشر، حتى غدت العلاقة بين الحاكم والمحكوم علاقة تحدِّدها مصالح شخصية، ونتج عن ذلك ضياع الحاكمية لله تعالى ومن ثم ضاعت الأُمَّة.

وتدور الدراسة حول محاور الفرص والتحديات الاجتماعية لوحدة الأُمَّة الإسلامية في القرن الحادي والعشرين، وفق ضوابط منهجية النبي صلى الله عليه وسلم ، حيث يتناول البحث: أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم التي تتعلق بوحدة المجتمع الإسلامي كقوله صلى الله عليه وسلم : "الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لا يَظْلِمُهُ .."([1]).

والبحث إجابة عن تساؤلات فرضتها حيثيات الدراسة، حول موقف الأحاديث النبوية من وحدة الأُمَّة الإسلامية نظرة تأصيلية من خلال مناقشة النقاط التالية: الدراسة الحديثية لطبيعة المجتمعات، حوارات التَّكَيُّف، المعوِّقات الداخلية التي تحول دون توحيد الأُمَّة "التصدي، السلبية، الفساد،…"، المعوِّقات الخارجية المتمثلة في دور اليهود والنصارى والمشركين والمنافقين قديماً وفي الواقع المعاصر، ومنهجية النبي صلى الله عليه وسلم في بناء وحدة الأُمَّة عِبَرٌ وعظات، وغير ذلك من القضايا ذات الصلة.

لقد صار واقع الأُمَّة ومصيرها بين مطرقة المتقاعسين والمرجفين([2]) وأصحاب الأهواء والأماني الفضفاضة، وسندان اليهود، والمنَصِّرين([3])، ومن شايعهم من الغرب أجمعين، بل ومَنْ أعانهم من بني جلدتنا وقدَّم لهم كل سهل وصعب، من أجل تحقيق أهداف ذاتية بعيدة كل البعد عن النظرة الشاملة التي تأسس عليها مبدأ العقيدة، وتعاليم العبادات والمعاملات، عَنْ أَبي أُمَيَّةَ الشَّعْبَانِيّ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيَّ فَقُلْتُ: يَا أَبَا ثَعْلَبَةَ كَيْفَ تَقُولُ فِي هَذِهِ الآيَةِ {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ} [المائدة: 105]؟ قَالَ: أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ سَأَلْتَ عَنْهَا خَبِيرًا، سَأَلْتُ عَنْهَا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: (بَلِ ائْتَمِرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنَاهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ، حَتَّى إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا، وَهَوًى مُتَّبَعًا، وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً، وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ؛ فَعَلَيْكَ بِنَفْسِكَ وَدَعْ عَنْكَ الْعَوَامَّ، فَإِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامَ الصَّبْرِ، الصَّبْرُ فِيهِ مِثْلُ قَبْضٍ عَلَى الْجَمْرِ، لِلْعَامِلِ فِيهِمْ مِثْلُ أَجْرِ خَمْسِينَ رَجُلاً يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِهِ) وَزَادَنِي غَيْرُهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْهُمْ؟ قَالَ: (أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْكُمْ)([4])، وقال صلى الله عليه وسلم : (كَيْفَ بِكُمْ وَبِزَمَانٍ ـ أَوْ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ زَمَانٌ ـ يُغَرْبَلُ النَّاسُ فِيهِ غَرْبَلَةً تَبْقَى حُثَالَةٌ مِنَ النَّاسِ قَدْ مَرِجَتْ عُهُودُهُمْ وَأَمَانَاتُهُمْ، وَاخْتَلَفُوا فَكَانُوا هَكَذَا وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ؟ فَقَالُوا: وَكَيْفَ بِنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: (تَأْخُذُونَ مَا تَعْرِفُونَ، وَتَذَرُونَ مَا تُنْكِرُونَ، وَتُقْبِلُونَ عَلَى أَمْرِ خَاصَّتِكُمْ وَتَذَرُونَ أَمْرَ عَامَّتِكُمْ)([5]).

إنَّ هذا الخطاب النبوي يقرأ واقع الأُمَّة المعاصر بكل تفاصيله، بعد أنْ كان الخطاب النبوي في عهد دولة الصفوة الإسلامية على شاكلة قوله صلى الله عليه وسلم : (مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى)([6]).

والذي يدور في جعبة كثير من مثقفي الأُمَّة الإسلامية ومفكريها، بل وعامتهم أنَّ معاول الهدم الداخلي لهي قاصمة الظهر، حيث التاريخ الإسلامي القاصي منه والداني أكبر شاهد على ذلك، فإنَّ دولة المسلمين الأولى شهدت أعنف تيار نفاقي تخريبي([7]).

عَنْ أَبِي بَصْرَةَ الْغِفَارِيِّ صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: سَأَلْتُ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ أَرْبَعًا، فَأَعْطَانِي ثَلاثًا وَمَنَعَنِي وَاحِدَةً، سَأَلْتُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ لا يَجْمَعَ أُمَّتِي عَلَى ضَلالَةٍ فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ لا يُهْلِكَهُمْ بِالسِّنِينَ كَمَا أَهْلَكَ الأُمَمَ قَبْلَهُمْ فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ لا يَلْبِسَهُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَهُمْ بَأْسَ بَعْضٍ فَمَنَعَنِيهَا)([8]).

وإنْ كان التاريخ قد سطَّر لنا هذا الواقع الأليم، فالحديث النبوي الذي أصبح أيضاً تاريخاً قيادياً؛ أكبر شاهد على المنهج النبوي في تخطي الأزمات، والعمل على تحدي الصعاب التي واجهت الأُمَّة الإسلامية في مرحلة طفولتها، حتى استطاعت أنْ تكون دولة ريادة، قاد الصحابة فيها العالم بفضل التخطيط النبوي الشريف.

فإننا لا يسعنا إلاَّ أنْ نقول: إنَّ عوامل النهضة اليوم ليست ذات فوارق عن الأمس، ولعل هذا ما يصبو البحث إلى الإجابة عليه، وقد تمحور النقاش حول الوحدة الإسلامية بمناقشة أسباب الانحطاط وإيجاد الحلول اللازمة، من خلال التأصيل النبوي لمعاني الوحدة الاجتماعية وأثرها في نهضة الأُمَّة، حتى يتحقق للمسلمين الحلم الذي تبدَّد باختفاء دولة الخلافة الإسلامية، التي استبدلت بالحدود الدولية، والنظرة القطرية، وذلك وفق النقاط التالية:

أولاً: مدخل في دراسة طبيعة المجتمعات:

يلاحظ المتأمِل في تطور الحضارات وتاريخ الأُمم؛ وحدةً بيِّنةً في الجهد البشري المشترك لتحقيق إنسانية الإنسان على الأرض، رغم اختلاف الوسائل وتباين الجماعات. ومصدر هذا التوحد أو السعي نحو وحدة راسخة في كيان الإنسان نابعة من أصل الفطرة الأولى التي فَطَرَ اللهُ تعالى الناسَ عليها لا تبديل لخلق الله، وما سُمِّيت فطرة إلاَّ لأنها تتماشى مع كافة ألوان الطيف البشري، وهي الطبيعة البشرية التي لا تخرج عن مألوف الإنسان، وما يميِّز هذه الفطرة أنها شمولية وعامة، تستوعب كافة أنواع التواجد الإنساني في ماضيه وحاضره، قال صلى الله عليه وسلم : "مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلاَّ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ، كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ، هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ؟ ثُمَّ يَقُولُ: {فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ}

[الروم: 30])([9]).

هذا التوحد في أصل الفطرة؛ يفسر اشتراك البشرية على اختلاف أُممها وتباعد أقطارها في صفات الإنسانية الجماعية، قال الله تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ الْطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيْرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً}([10])، وهذه الصفات الفطرية الداعية لوحدة الأُمَّة الإنسانية تتجسد تأسيساً في الإيمان بإله مدبر لهذا الكون، وهذه الإرادة والمشيئة أوجدت قانوناً أخلاقياً لتنظيم حياة الأُمَّة أفراداً وجماعات، وبسطت تلك الإرادة الإلهية المعرفة كوسيلة تهتدي بها الأُمَّة لإدراك مفهوم التنظيم كَخُلُق نظري وواقع عملي .

وهذا التوحيد الجذري لأصل الأُمَّة البشرية([11])؛ أشار إليه القرآن في أكثر من موضع قال تعالى: {وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا}([12])، وهذا التفرق بعد التوحد جزء من الابتلاء العظيم، قال تعالى: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ الْسَّبِيْلَ إِمَّا شَاكِراً وَّإمَّا كَفُوُراً}([13])، وهو نابع من حرية الاختيار التي منحها الله تعالى امتحاناً للإنسان وابتلاءً له، قال تعالى: {وَقُلِ الْحَقُ مِنْ رَّبِّكُمْ فَمَنْ شَآءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَآءَ فَلْيَكْفُرْ}([14])، حرية مصحوبة بالهادي والدليل حيث أمدَّه الله تعالى بالرسل والأنبياء، يذكِّرونه بما نسي من فطرة الله تعالى الكامنة في عمق أعماقه، ويجدِّدون ما بلي من آثارها في حياته، ويهيئون له أسباب العودة إلى نقاء الإيمان بوحدة الإنسانية الكامنة في وحدة الكون المرتكزة جميعها على وحدة الله تعالى خالق العالمين، قال تعالى: {رُسُلاً مُّبَشِّرِيْنَ وَمُنْذِرِيْنَ}([15])، ولهذا السبب وصف الله تعالى الرسل بأنهم وأتباعهم أُمَّة واحدة قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الْرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الْطَّيِّبَاتِ وَاْعْمَلُوُا صَالِحاً إِنَّي بِمَا تَعْمَلُوُنَ عَلِيْمٌ وَّإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَّاحِدَةً وَّأَنَا رَُّبُكْم فَاتَّقُوُن}([16]).

ولعل مبدأ التفرقة ليس ناتجاً عن اختلاف الشعوب وأجناسها ومشاربها، بل هو اختلاف في علاقة البشر ببعضهم، وبالكون، وخالقه . هذه العلاقة هي التي ترتكز عليها وحدة الإنسانية، وهي ما أشار إليه قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الْنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِن ذَكَرٍ وَّأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوُباً وَّّّّقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوآ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ}([17])، وهو الخلاف الذي يرتكز عليه مدار الميزان العملي هداية وضلالاً، وهو مجال الابتلاء، ومدار الحساب، ومن ثم الثواب أو العقاب .

وبالعودة لنشأة الوحدة الإنسانية؛ فإنَّ مشيئة الله تعالى أرادت منذ الخليقة الأولى تحقيق مبدأ الاستخلاف الذي حدَّدت له الإنسان والرسالة ككيان فاعل ينتظم تلك الأدوار، لتحقيق هدفين اثنين جمعهما الله تعالى في قوله: {إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنَّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيْفَةً قَالُوُا أَتَجْعَلُ فِيْهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيْهَا وَيَسْفِكُ الْدِّمَاءُ ونحن نُسبِّح بحمْدِكَ ونُقدِّسُ لكْ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَالا تَعْلَمُوُنَ}([18]).

فأول الهدفين من الاستخلاف هو هدف وسيلي وصولي، يتمثل في دور الاستخلاف في إعمار الأرض، وبسط الأمن السياسي والاقتصادي، والعدل، والمساواة، ومحاربة الفقر والتسلط والظلم والجبروت، وغير ذلك من الوسائل المساعدة على إسعاد الناس وهلم جرا، وهو يحقق جانباً من جوانب التمكين للأُمَّة الإسلامية([19]) قال الله تعالى: {الَّذِيْنَ إِنْ مَّكنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الْصَّلاةَ وَآتَوُا الْزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوُفِ وَنَهَوْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُوُر}([20]).

وهذا هو التحدي المطروح في الساحة الحاضرة اليوم، فالأُمَّة تحمل في جعبة أفكارها منهجاً موسوعياً يستوعب كافة ألوان الطيف البشري، ولكنها وفي نفس الوقت بعيدة كل البعد عن العمل بمبدأ تلك المعادلة المنهجية للأخذ بأسباب التطور والحضارة البشرية، وهذه الصورة كلوحة فنية معاصرة تنبأ النبي صلى الله عليه وسلم بظهورها، وعلى ضوئها تعدَّدت صور البيان النبوي في التعبير عن الواقع الأليم لما يحيق بهذه الأُمَّة، فمرة يقول: (يُوشِكُ الأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا، فَقَالَ قَائِلٌ: وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ، وَلَيَنْزَعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمُ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ، وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهْنَ. فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْوَهْن؟ُ قَالَ: حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ)([21]).

ومرة يقول: افْتَرَقَتِ الْيَهُودُ عَلَى إِحْدَى أَوْ ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَتَفَرَّقَتِ النَّصَارَى عَلَى إِحْدَى أَوْ ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً)([22]).

وهذه نماذجَ حية تُعبِّر عن معوِّقات العمل لتلك العوامل المؤدية لتمكين الخلافة .

ولتحقيق هذا الهدف الأول الوصولي الوسيلي، نجد أنَّ البيان القرآني والبيان النبوي قد فصَّلا القول في مصير البشرية ومرجعيتها، وأنها من أصل واحد، وتلك الفوارق اللسانية واللونية لها آيات وأهداف بعيدة كل البعد من أنْ تصير أو تُعبِّر عن نظرية التفاضل والتكامل. وكان مما أحدث اليهود أنْ قالوا: لا يضرنا ذنب فنحن أحباؤه وأبناؤه، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، وإنما كان في التوراة: (يا أحباري ويا أبناء رسلي)، فغيِّروه وكتبوا: (يا أحبائي ويا أبنائي)، فأنزل الله تعالى تكذيبهم: {وَقَالَتِ الْيَهُوُدُ وَالْنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِِذِنُوُبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ}([23])، فقالت اليهود لن يعذبنا، وإنْ عذبنا فأربعين يوماً مقدار أيام العجل، فأنزل الله تعالى: {وَقَالُوُا لَنْ تَمَسَّنَا الْنَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللهِ عَهْداً فَلَنْ يُّخْلِفَ اللهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُوُلُونَ عَلَى اللهِ مَا لا تَعْلَمُوُنَ بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئةً.. }([24]).

فحذَّر الرسول صلى الله عليه وسلم هذه الأُمَّة، لما قد علم ما يكون في آخر الزمان، حذَّرهم أنْ يُحدِثوا من تلقاء أنفسهم معارضاً لكتاب الله تعالى فيضلوا به الناس([25]).

وهذا ما نلاحظه مبسوطاً في كثير من نصوص القرآن والسُّنَّة تهذيبا للسلوك ليتكيف مع تلك الفوارق والخلافات التكوينية للبشر: {يَا أَيُّهَا الْنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِّنْ ذَكَرٍ وَّأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوُباً وَّّّّقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ}([26])، فيتساوى الناس في الخلق والفناء، وهذا الهدف جعله الله تعالى رحمة للبشرية، حتى تنعم به في أمن وسلام لتتوصل من خلاله إلى الهدف الحقيقي من الاستخلاف، وهو تحقيق العبودية لله تعالى، ببسط الحرية الفكرية المصحوبة بالأدلة العقلية والنقلية التي توصل لمعرفة الله تعالى، وهو الهدف السببي الوجودي: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ}([27]).

لذلك كان واقع الاختلاف بين الشرائع السماوية يدور حول الهدف الأول للاستخلاف بينما اتفقت كل الشرائع السماوية على الهدف الثاني: {وَمَا أَرْسَلْنََا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَّسُوُلٍ إِلاَّ نُوُحِي إِلَيْهِ أَنَْهُ لا إِلَه إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ}([28]).

ثانياً: السنة ومفهوم الأُمَّة:

والإسلام كونه نموذجاً تكاملياً؛ استطاع أنْ يستوعب كافة التعاليم الرسالية السماوية السابقة، بل هو في حد ذاته دينٌ عالميٌّ يستوعب كافة التكتلات القطرية، والعرقية، والقومية، والطائفية، وغيرها، وهذا الدين تجسد عملياً في مدرسة السُّنَّة النبوية: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمةً لِلْعَالَمِيْنَ}([29]). وقال صلى الله عليه وسلم : (أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي بُعِثْتُ إِلَى الأَحْمَرِ وَالأَسْوَدِ…)([30]). والذي يتأمل في عموم مفهوم السُّنَّة ـ أي القولية والفعلية والتقريرية والوصفية في الخَلْقِ والأخلاق ـ حري به أنْ يبصر أنَّ السُّنَّة بهذا المعنى الواسع استعملها النبي صلى الله عليه وسلم في تأسيس الوحدة في كافة مراحل الدعوة.

فالسُّنَّة أكبر داع للوحدة والمحبة والأخوة، ونابذ للفرقة والبغضاء والمشاحنة؛ فالنصوص الواردة في هذا المعنى تكاد لا تخرج عن أي نص نبوي صريح صحيح، قال صلى الله عليه وسلم : (أُوصِيكُمْ بِأَصْحَابِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَفْشُو الْكَذِبُ حَتَّى يَحْلِفَ الرَّجُلُ وَلا يُسْتَحْلَفُ، وَيَشْهَدَ الشَّاهِدُ وَلا يُسْتَشْهَدُ، أَلا لا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلا كَانَ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَانُ، عَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ وَإِيَّاكُمْ وَالْفُرْقَةَ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الْوَاحِدِ وَهُوَ مِنَ الاثْنَيْنِ أَبْعَدُ، مَنْ أَرَادَ بُحْبُوحَةَ الْجَنَّةِ فَلْيَلْزَمِ الْجَمَاعَةَ..)([31])، وقال: (يَدُ اللَّهِ مَعَ الْجَمَاعَةِ)([32])، وقال: (.. مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ شِبْرًا فَمَاتَ فَمِيتَةٌ جَاهِلِيَّةٌ)([33]).

أضف إلى ذلك؛ حرص النبي صلى الله عليه وسلم على ربط الشعائر الدينية

ـ كالمعاملات والعبادات ـ بالوحدة، فهذه الصلاة نادى النبي صلى الله عليه وسلم للاجتماع لها، بل وتسوية الصفوف([34])، وتتكرّر روح الجماعة في عبادة الصوم بالزيادة في الإنفاق والبذل، وَ(كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ، حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ جِبْرِيلُ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنْ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ)([35]). وقس على ذلك شعائر الحج، والزكاة، والجهاد، وهلم جرا .

وهذا ما رسمه الله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم من الناحية النظرية، بوصف البشرية ككيان موحد له أهداف وغايات ووسائل يتبعها ليحققها على الإطارين النظري والتطبيقي، لذلك فإنَّ الجانب العملي في حياته صلى الله عليه وسلم يمثل الوحدة الإسلامية والبشرية معاً.

ولعلَّنا في هذه السانحة نلقي الضوء على جانبٍ من منهجه صلى الله عليه وسلم ، بوصفه داعياً لوحدة البشرية تحت أسس وأطر محددة.

وشخصيته صلى الله عليه وسلم نموذجاً موحداً ومؤصلاً للأُمَّة بدأت قبل الرسالة بمشاركة فعَّالة في فض كثير من النزاعات كالخلافات القبلية، فالخلاف في وضع الحجر الأسود، ويوم بعاث الذي كان يمثل آخر الحروب بين الأوس والخزرج، حيث جاء وفد الأوس يطمع في حلف قريش على الخزرج، ومن فضائل الله تعالى عليهم أنْ يكون أول مخاطبٍ لهم هو محمد صلى الله عليه وسلم : إنَّ عندي لكم أفضل مما جئتم إليه، فقرأ عليهم القرآن الكريم، فكان أول المتأثرين حَدَثٌ من أحداثهم، وهو إياس بن معاذ، قال لقومه: أي قوم! هذا والله خير مما جئتم له. فحمل هذا الوفد في طياته الدعوة الإسلامية، وفتح أكبر بابٍ لها ألا وهو أنْ مهَّد لها أرضاً لتكون شاهدة على ولادة الأُمَّة الإسلامية، حاملة في منهجيتها الدعوة العالمية، على صعيد الثقلين الإنس والجن([36]).

وبعد الرسالة اختلف مفهومه صلى الله عليه وسلم في مكة عنه في المدينة، فالطابع المكي له مشكلات جذرية تُعَدُّ معوقات أساسية في طريق الوحدة، فالشرك وتعدُّد الآلهة فيه من الناحية العقلية والمنطقية ما يؤكد أنَّ البيئة غير مؤهلة لِتَحَمُّل الرسالة المحمدية ذات الأبعاد العالمية في إطار وحدوي، وهذا يتنافى مع التعددية التي كانت تمارس داخل المجتمع المكي الضيق في مفهوم تعدُّد الآلهة، فكيف بالدعوة لتوحيد العالم أجمع نحو إله واحد وعبادة موحدة، ونظام موحد، لذلك غلب على الخطاب النبوي في هذه المرحلة جانب القدوة على طابع القول والتقرير.

فالتسامح وفهم الواقع الاجتماعي أكسب الرسالة في مهدها طابع النجاح، فالدعوة في ذلك الحين تحدياتها في مقابل معطياتها غير قابلة للمقارنة. والسر الأوحد في إنجاحها همم أصحابها التي أُثْقِلَت بالتربية النبوية الفريدة، عن خباب بن الأرت t قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة في ظل الكعبة، وقد لقينا من المشركين شدة، فقلتُ: يا رسول الله ألا تدعو الله لنا؟ فقعد وهو محمر الوجه، فقال: (لَقَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ لَيُمْشَطُ بأَِمِشَاطِ الْحَدِيدِ، مَا دُونَ عِظَامِهِ مِنْ لَحْمٍ أَوْ عَصَبٍ، مَا يَصْرِفُهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ وَيُوضَعُ الْمِنْشَارُ عَلَى مَفْرِقِ رَأْسِهِ فَيُشَقُّ بِاثْنَيْنِ مَا يَصْرِفُهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَلَيُتِمَّنَّ اللَّهُ هَذَا الأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ مَا يَخَافُ إِلاَّ اللَّهَ وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ)([37]).

والدعاء شيء مشروع ولكن ترتيب الأولويات واتباع المنهجية كان سببا للتربية، أي: يا خباب، هذا هو الدين .

ولأن أُطر الدعوة أُطر عالمية وحدوية، كان مشروع الهجرة بعد أنْ استنفدت كافة أشكال التكيُّف الاجتماعي في مكة، بل إنَّ الإسلام الاجتماعي تمركز ثقله العددي في المدينة، أضف لذلك استتباب الأمن، وحرية الدعوة، وتأسيس قواعد المجتمع الإسلامي. كل هذه العوامل تحتاج لأرض تنطلق منها تلك المفاهيم، وترسم على أرضها مشاريع الوحدة الإسلامية، التي هي في صميم أهدافها الدعوة لوحدة الإنسانية العالمية، قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِيْن}([38])، فالرسل بُعِثوا للرحمة، ومحمد صلى الله عليه وسلم أُرسل رحمةً للعالمين، فلذلك صار أماناً للخلق لما بعثه الله تعالى، أَمِنَ الخلق العذاب إلى نفخة الصور، وسائر الأنبياء لم يحلوا هذا المحل، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: (أنا رحمة مهداة)، يخبر أنه بنفسه رحمة للخلق من الله تعالى، وقوله: (مهداة)، أي: هدية من الله تعالى للخلق([39]).

وأَبْرَز أسس قام عليها المجتمع الإسلامي الأول في المدينة كنموذج مصغر لوحدة الإنسانية:

وضع دستور المدينة:

الذي كان محتواه توحيد الأُمَّة المسلمة، مع الاعتراف بحقوق الأقليات اليهودية، وتوفير سبل الأمن لها، بل وإعطائها كافة سبل الحرية الدعوية، بشكل يحفظ سيادة الدولة والنظام. وهذا يُلْتَمَس من خلال فقرات الدستور، قال ابن إسحاق: "وكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم كتاباً بين المهاجرين والأنصار، بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من محمد النبي صلى الله عليه وسلم ، بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب، ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم، إنهم أُمَّة واحدة من دون الناس، المهاجرون من قريش على ربعتهم يتعاقلون بينهم، وهم يفدون عانيهم بالمعروف، …وإنكم مهما اختلفتم فيه من شيء؛ فإنَّ مرده إلى الله عَزَّ وجَلَّ وإلى محمد صلى الله عليه وسلم ، وإنَّ اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم"([40]).

بناء المسجد النبوي:

بحسبانه منطلقاً تربوياً وسياسياً في آن واحد، فقد كانت رسالة المسجد متكاملة، باحثة في جميع قضايا الأُمَّة، لذلك أعلى الإسلام من رسالة المسجد، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم رَجُلٌ أَعْمَى فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ لَيْسَ لِي قَائِدٌ يَقُودُنِي إِلَى الْمَسْجِدِ!! فَسَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يُرَخِّصَ لَهُ فَيُصَلِّيَ فِي بَيْتِهِ، فَرَخَّصَ لَهُ فَلَمَّا وَلَّى دَعَاهُ فَقَالَ: (هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ بِالصَّلاةِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَأَجِبْ)([41]).

ولعل في هذا الجمع الذي يتكرَّر خمس مرات في اليوم، ثم مرة كل أسبوع في صلاة الجمعة، وهكذا في كل مراحل المناسبات العبادية الجامعة، ما يؤكد أنَّ المسلم أقرب لفهم معاني الوحدة، ونبذ الخلاف، والتسامح في المسجد أقرب منه في أي موقع آخر.

مبدأ الأخوة الإسلامية بين المهاجرين والأنصار:

على الحق والمواساة، وعلى أنْ يتوارثوا بينهم بعد الممات، لقد بلغ هذا الترابط قمته حتى أخذ موقع الرحم ورابط القرابة، ولم يكن مجرد شعار يرفع، بل كان واقعاً عملياً، كان قد تحقّق به تكافل اجتماعي منقطع النظير، فالمهاجرون مُعْدَمون لِمَا تركوه من أموالهم في بلادهم فراراً بدين الله تعالى، وهم ليسوا أصحاب زراعة كأهل المدينة، فأصبحوا أهل صُفَّةٍ وطلاب علمٍ، حفظوا للدين مجده في ساحتيْ العلم والجهاد([42])، ولقد مدح الله تعالى الأنصار وجعل ذكرهم قرآناً يتلى ويؤجر قارئه ومتدبره: {وَيُؤْثِرُوُنَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَة}([43]). فأيّ قيم أكثر من هذه تُشْعِرُ بوحدة القلوب والأبدان؟([44]).

والقراءة المتأنية في مصدر التاريخ الإسلامي تَخْلَصُ إِلى أنَّ (الأُمَّة) لها مفهومان:

مفهوم نظري في نصوص القرآن والسنة:

وهو مفهوم يقدم النموذج الذي يجب أنْ تكون عليه الأُمَّة وفق دستور رباني منهجي يحفظ لها بقاءها واستمرارها، كأُمَّة رائدة.

ومفهوم تطبيقي عملي:

تَمَثَّل في دولة الرسول الأولى، ثم الخلافة الراشدة([45])، ثم صار في غابر التاريخ.

وهذان المفهومان يجعلان مرتكزات الأُمَّة تدور على عناصر أربعة: عنصر بشري، وعنصر فكري، وعنصر اجتماعي، وعنصر زمني.

وبالنظر في هذه المعايير؛ فإنَّ عنصر البشر لا يشترط فيه الروابط الدموية أو الجغرافيا ولا الكم العددي، بل هي أُمَّة ذات كيان ودستور عادل وصالح، بحيث يتوقف ميزان البناء والهدم فيه بحسب تفاعل تلك العناصر مع مفاهيم الأُمَّة: {وَالَّذِيْنَ جَاهَدُوا فِيْنَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا}([46]). فإنَّ التوافق مع شروط الأُمَّة هو الضامن الوحيد لاستعادة وبقاء خلافة الله تعالى في الأرض قال تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوُفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ}([47]).

وخاتمة القول في مفهوم الوحدة في منهجية السنة أنَّ الوحدة العملية ترتكز على:

· التوحيد الفكري والنفسي بين الشعوب الإسلامية وفق منهجية الله تعالى وعمل النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو منهج كما اتضح استيعابي للوحدة البشرية بأكملها.

· الدعوة لتناسي الخلافات والنزاعات والانشغال بهموم الأُمَّة، وذلك لا يتأتى إلاَّ بالقدوة الصالحة، وإقامة المؤتمرات التنويرية. والضامن الوحيد في ذلك هو: القوة والأمانة، حيث إنَّ التحدي الذي يجابه الأُمَّة هو سبب أساسي في إشعال نار الفتنة الداخلية، فإذا كان ما وقع بين الأوس والخزرج بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم ، كما في حديث جَابِر بْنَ عَبْد ِاللَّهِ ـ رَضِي اللَّه عَنْهمَا ـ قَالَ: كُنَّا فِي غَزَاةٍ فَكَسَعَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَالَ الأَنْصَارِيُّ: يَا لَلأَنْصَارِ، وَقَالَ الْمُهَاجِرِيُّ: يَا لَلْمُهَاجِرِينَ، فَسَمِعَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: مَا بَالُ دَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَسَعَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ!! فَقَالَ: دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ، فَسَمِعَ بِذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ فَقَالَ: فَعَلُوهَا، أَمَا وَاللَّهِ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَامَ عُمَرُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم : دَعْهُ لا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَه،ُ وَكَانَتِ الأَنْصَارُ أَكْثَرَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ حِينَ قَدِمُوا الْمَدِينَةَ، ثُمَّ إِنَّ الْمُهَاجِرِينَ كَثُرُوا بَعْدُ)([48])، وما هذه إلاَّ بعد أنْ تبيَّن للمنافقين واليهود في المدينة أثر الوحدة الإسلامية بين أعداء الأمس وأخوة اليوم، فإنَّ الخطر المعاصر على الأُمَّة في غياب القدوة النموذجية المماثلة للعصر الذهبي للإسلام، أدى لنتائج وخيمة تتجرع الأُمَّة الإسلامية ويلاتها الحسية والمعنوية، فالجهل والتخلف والتبعية صارت سمات تتعلق بكثير من دول العالم الإسلامي.

· الدعوة لمحاربة الظلم والفساد، وخلق فرص التعليم والعمل، وإقامة العدل بين الرعية، فالنبي صلى الله عليه وسلم بوصفه القائد الأعلى كان لا يتميز على أصحابه، وأكبر شاهد على ذلك غزوة الخندق، وهذا ما شهدت به شاة جابر بن عبد الله حينما لاحظ الجوع على بطنها فقال صلى الله عليه وسلم : (كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالإِمَامُ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ فِي أَهْلِهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا رَاعِيَةٌ وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالْخَادِمُ فِي مَالِ سَيِّدِهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، قَالَ: فَسَمِعْتُ هَؤُلاءِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ، وَأَحْسِبُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (وَالرَّجُلُ فِي مَالِ أَبِيهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ)([49]).

ثالثاً: معوقات الوحدة في مفهوم البيان النبوي:

(أي التعامل المنهجي في بيان النبي صلى الله عليه وسلم حيال العقبات في طريق وحدة الأُمَّة):

إنَّ الإسلام كما سَلَفَ القول هدف لتكوين جماعة إنسانية فاضلة تربطها الأخوة والمودة، وتكون العلاقة بينها وبين غيرها قائمة على الوفاء والعدل والمُثُل .

ولكن لحكمة يعلمها الله تعالى؛ فإنَّ الطابع البشري له معاييره النفسية المتغايرة التكييف والأمزجة والدوافع والرغبات، وعند البحث في سبب تفرّق وتمزّق كيان الأُمَّة تجد أنها العصبية التي نهى عنها النبي صلى الله عليه وسلم والأطماع، والشهوات، والتنازع على الملك والسلطان، وضياع الشورى، وفساد الحكم وقيام الظلم. وفي مقابل ذلك التقاعس، والكسل، والنفاق، والخيانة بكافة أنواعها.. وهلم جرا. كانت كلها أسباباً كفيلةً بتدمير أي بنية تحتية لكيان الأُمَّة الواحدة .

عَنِ الْمَعْرُورِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: رَأَيْتُ عَلَيْهِ بُرْدًا وَعَلَى غُلامِهِ بُرْدًا فَقُلْتُ: لَوْ أَخَذْتَ هَذَا فَلَبِسْتَهُ كَانَتْ حُلَّةً وَأَعْطَيْتَهُ ثَوْبًا آخَرَ؟! فَقَالَ: كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ كَلامٌ وَكَانَتْ أُمُّهُ أَعْجَمِيَّةً فَنِلْتُ مِنْهَا فَذَكَرَنِي إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ لِي: أَسَابَبْتَ فُلانًا؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: أَفَنِلْتَ مِنْ أُمِّهِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: (إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ). قُلْتُ: عَلَى حِينِ سَاعَتِي هَذِهِ مِنْ كِبَرِ السِّنِّ؟ قَالَ: (نَعَمْ، هُمْ إِخْوَانُكُمْ جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَنْ جَعَلَ اللَّهُ أَخَاهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ، وَلا يُكَلِّفُهُ مِنَ الْعَمَلِ مَا يَغْلِبُهُ، فَإِنْ كَلَّفَهُ مَا يَغْلِبُهُ فَلْيُعِنْهُ عَلَيْهِ)([50]).

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : (إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ([51])َ الْجَاهِلِيَّةِ وَفَخْرَهَا بِالآبَاءِ، مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ، أَنْتُمْ بَنُو آدَمَ وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ، لَيَدَعَنَّ رِجَالٌ فَخْرَهُمْ بِأَقْوَامٍ إِنَّمَا هُمْ فَحْمٌ مِنْ فَحْمِ جَهَنَّمَ أَوْ لَيَكُونُنَّ أَهْوَنَ عَلَى اللَّهِ مِنَ الْجِعْلان([52]) الَّتِي تَدْفَعُ بِأَنْفِهَا النَّتِنَ)([53]).

والطرح الإسلامي هدف إلى تحقيق وحدة إنسانية ذات بؤرة استقطابية للبشرية جمعاء، ذات قبلة واحدة، تؤمن بتعدُّد الثقافات، والعادات، والأجناس، والأعراق، إيماناً بتقدير الحكيم العليم، مما أثر إيجاباً على محاربة السخرية والاستهزاء والتفاضل باللون، والجنس، والقبيلة، وكافة ألوان الهدم للبناء الوحدوي، وهذا ما مَكَّنَ لأُمَّة الإسلام أنْ تتجاوز كل العقبات في عهد النبي صلى الله عليه وسلم .

وإذا كان هذا هو الشأن، فإنْ لكل عمل عظيم من التحديات والمعوِّقات ما تحاول إثناءه عن تطلعاته، ولقد دبَّت هذه المعوِّقات منذ العصر الذهبي لدولة الوحدة الإسلامية، واشترك في ذلك الهدم الأقرباء والفرقاء، وفي هذا الموضع من البحث محاولة لطرح أهم جوانب الهدم الداخلي والخارجي كمعوقات في سبيل الوحدة، وهذا ما يكسب الدراسة أهميتها الموضوعية .

إنَّ البحث عن أسباب فشل محاولة الأُمَّة لم شملها ـ أي في عهد العصرنة والعولمة، والتكتلات الإعلامية (ميديا)، والإقليمية، وكل ما يشهده العالم من تطور تكنولوجي، وتسخير ذلك كله لخدمة الحضارة الغربيةـ في جعبة كثير من أفراد الأُمَّة أفهام مختلفة لأسباب التقوقع والتشتت والاتسام بسيماء التخلُّف والرجعية، منها ما هو مصيب، ومنها ما هو مجرد ظنون ناتجة عن مواقف شخصية أو عصبية محدودة.

فمعوِّقات الوحدة في العصر الذهبي للإسلام؛ كانت من نتاج المنافقين واليهود والمشركين وقلة من المؤمنين من غير تعمُّد، إما لقرب العهد من الجاهلية أو عدم معرفة نتائج تلك المعوقات ـ كحادثة حاطب بن أبي بلتعة في محاولة إخباره أهل مكة بالفتح، وحادثة الثلاثة الذين خلفوا، وهم كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، وهلال بن أمية ـ سرعان ما انحسرت تلك المعوقات بفضل الله تعالى، ثم بفضل مدرسة النبي صلى الله عليه وسلم .

ولكن يقظة النبي صلى الله عليه وسلم ، واستمرارية وضع أسس بناء الدولة الإسلامية الأم حتى رحيل النبي صلى الله عليه وسلم عنها للرفيق الأعلى؛ كانت قد وضعت آخر لبنة لتكملة دستور توحيد الأُمَّة قال تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِيْنَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيْتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيْناً}([54])، حالت دون تطلعات الأعداء والمرجفين والمتربصين، وكان السر الأعظم في إنجاح ذلك المخطط هو التوحيد السليم لله تعالى: {إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}([55])، وتناسي الخلافات الدنيوية التي لا تتماشى مع مجتمع هو في طور الإعداد ليكون مسؤولاً عن قيادة العالم بأجمعه، وإلاَّ ما الذي دفع الصحابي لوضع رقبته على الأرض تكفيراً لذنب السخرية والاستهزاء وإرضاءً لمن سخر منه وعيَّره بشيء قدَّره الله تعالى عليه؟ هذا ناجم عن فهم الصحابة أنَّ التفاضل هو في اتباع منهج الله سبحانه وتعالى.

لذا عند دراسة شخصية النبي صلى الله عليه وسلم ، كقائد أممي وموحد وحدوي، وكيف تغلب على المعوقات، فإنه صلى الله عليه وسلم عمل بمبدأ: (لا تَكُونُوا إِمَّعَةً تَقُولُونَ: إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَحْسَنَّا، وَإِنْ ظَلَمُوا ظَلَمْنَا، وَلَكِنْ وَطِّنُوا أَنْفُسَكُمْ، إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَنْ تُحْسِنُوا، وَإِنْ أَسَاءُوا فَلا تَظْلِمُوا)([56])، فكان تعامله مع الأعداء ابتداء بالسماحة والتعايش السلمي، ورعاية حسن الجوار، مع اليقظة لمكرهم وغدرهم، ولكن عندما صار خطر هذا الكيان المهدد لوحدة الأُمَّة في ازدياد وتفشٍ عندها صار مبدأ التعامل من المسامحة إلى تعامل المثل.

وأكبر شاهد على ذلك أنَّ تلك الغزوات التي خاضها النبي صلى الله عليه وسلم ضد اليهود بطوائفهم الثلاث كانت ناتجة عن تعاظم خطر اليهود على المدينة، وأشدهم خطراً بنو قريظة، لذلك كان عاقبتهم القتل للرجال، والسبي للنساء والأطفال، مع أخذ أموالهم وأمتعتهم، وهذا حكم الله تعالى فيهم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لسعد بن معاذ: (لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة)([57]).

ثم بنو النضير لدورهم المشهود في غزوة الخندق، وقبلها في إشعال نار الفتنة والتخطيط لقتل النبي صلى الله عليه وسلم مرتين في المدينة، وفي خيبر على يد زوجة سلام بن مشكم.

أما بنو قينقاع فأجلاهم النبي صلى الله عليه وسلم لما أحدثوه في المدينة من إخلال بأمنها، وإظهار الحسد ضد المسلمين إثر انتصارهم في أُحُد.

أما المشركون فيمثل فتح مكة نموذجاً لعاقبة غدرهم، وفي هذا درس عظيم للقادة والرعية، وهذا ما يفسر قوله صلى الله عليه وسلم : (الدِّينُ النَّصِيحَةُ. قُلْنَا: لِمَنْ؟ قَالَ: لِلَّهِ، وَلِكِتَابِهِ، وَلِرَسُولِهِ، وَلأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ)([58]).

أما المنافقون فكان لهم شأن آخر؛ حيث إنَّ تلفظهم بالشهادة حال دون تعرضهم للعقوبة، لذلك كان خطرهم على الإسلام أعظم من خطر اليهود والمشركين، بل جُعل أمرهم لله تعالى، فكشف خططهم وهددهم، فمنهم من تاب، ومنهم من خسر وخاب {إِنَّ الْمُنَافِقِيْنَ فِي الْدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ الْنَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيْراً}([59]).

الاستشراف النبوي للمعوِّقات الحديثة:

وأما المعوِّقات العصرية فهي شبيهة بمعوِّقات الأمس، فالمنهج النبوي العملي والقولي قد تنبأ بكل ما يحصل للأُمَّة من معوِّقات وتحديات وفرص.

وعليه؛ فإننا يمكن أنْ نقسم المعوِّقات إلى قسمين اثنين تربطهما علاقة زوجية، صعبة الْبَيْنِ والفراق إن لم تكن مستحيلة، وقد أدّى كلا الطرفين واجبه بإخلاص وتفانٍ، ونجحت المهمة في تحطيم كل مقومات الوحدة والقوة التي تتخذ من شعار العالمية الإسلامية رمزاً لها، فعاش كل تحت كنف ما جاءه بفضل عطائه قال تعالى: {قُلْ لَنْ يَّنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِّنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذاً لا تُمَتَّعُوُنَ إِلاَّ قَلِيْلاً}([60]).

وبعد هذه النظرة المجملة؛ فإنَّ من الواجب إيضاحها بالتحليل لتلك الأدوار التي مثلت عقبةً كؤوداً في وجه وحدة الأُمَّة:

[أ] معوِّقات خارجية:

وهي ما يفسره مسرح الحياة الحاضرة والتاريخ الموثوق، إنَّ العصرنة المادية التي صارت بيد أعداء البشرية جمعاء ـ أي اللوبي الصهيوني الذي لعب في ماضي الأُمَّة أبشع أدوار الغدر والخيانة ـ فالأُمَّة أحوج ما تكون لخطط النبي صلى الله عليه وسلم في تعامله مع هذا السرطان الذي يتخذ شعاراً كاذباً: (شعب الله المختار)، ويصف الخالق بصفات تشمئز منها الأذان وتقشعر منها الجلود: {لَقَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذِيْنَ قَالُوا إِنَّ اللهَ فَقِيْرٌ وَّنَحْنُ أَغْنِيَاءَ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ}([61])، {وَقَالَتِ الْيَهُوُدُ يَدُ اللهِ مَغْلُوُلةٌ غُلَّتْْ أَيْدِيْهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ …}([62]).

لقد وجد الغدر اليهودي الفرصة سانحة في ظل غياب الوعي المصحوب بمراعاة حقوق الله تعالى عن الأُمَّة، فأصبح الوعي من أجل الشهرة والمال والجاه والسلطان، فعملوا فيه بسياسة: (فَرِّقْ تَسُدْ)، وصَحَّ القول: (إذا صارت فتنة بين اثنين ففتش عن اليهودي).

علم اليهود أنَّ السبيل الوحيد للسيطرة على العالم هو التحكم في معطيات الإنسانية المادية والمعنوية، كالاقتصاد، والإعلام، والسياسة، فعمدوا لأكبر قوة اقتصادية عالمية لتطويعها وقيادتها بعصيهم الشوكية، وما دولة إسرائيل إلاَّ جزء من ذلك المخطط القذر.

نجح اليهود في هذا المخطط لسببين اثنين:

أولهما: إيمان اليهود وإخلاصهم لكافة أطياف الغدر والخيانة، فهم شعب مجرد من الإنسانية والعواطف، بل نظرته للإنسانية أنها خلقت من أجل خدمة شعب الله المختار.

وثانيهما: تخلف الأُمَّة الإسلامية عن القيام بواجباتها تجاه الله سبحانه وتعالى، مما أورثها الخوف من غيره، ومن ثم الرضا بالذل والهوان والتبعية: {فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوُهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِيْنَ}([63])، بل وتحقيق كافة متطلبات الأعداء من أجل الاحتفاظ بحفنة عيش يُسَدُّ بها الرمق أو التربُّع على عرشٍ خربٍ لا يخدم إلاَّ حفنة من البشر، فصارت السياسة توريثاً، والوزارة والسفارة تدهيناً.

عَنْ أَبِي سَعِيدٍ t أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ، شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، حَتَّى لَوْ سَلَكُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ). قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: فَمَنْ؟!([64]).

ومن وراء الكواليس وخلف الأبواب؛ يقف النصارى بضلالاتهم أكبر عائق نحو وحدة الأُمَّة الإسلامية، وأكبر داعم لسياسة اليهود التوسعية([65])، يعتبر جورج دبليو بوش، مسيحياً متديناً، لما يقوم به من نشاط تعبدي كنسي منتظم، وهو أبين مثال شاهد على خدمة النصرانية لليهودية، لقد غزا العراق من أجل اليهود، وهو يتذرع بذريعة محاربة الإرهاب من جهة، ومن جهة أخرى بذريعة دول محور الشر، والبقية تترى على أشباه العراق في نظر هذا المسيحي المتعصِّب، لقد كرَّس النصارى دعوتهم الثالوثية في عقر ديار المسلمين، فهذه القارة الإفريقية التي يطلق عليها القارة المسلمة انحدر إليها المبشرون والرهبان، وخير شاهد على ذلك الحروب الأهلية التي تطحن القارة شرقاً وغرباً، فإذا كان النصارى قد أعاقوا توحّد الدولة الواحدة فهم أمام توحّد الأُمَّة أشد إباءً ورفضاً، فهذا هو السُّـودان يُعَدُّ نموذجاً لأطول حرب أهلية صار ممزقاً بسبب خيانة اليهود والنصارى، فالتبشير الكنسي في الجنوب السُّوداني صار له تدخل ملموس في مُشْكِل جنوب السُّـودان السياسي بالتذرُّع بحقوق الإنسان، ولقد أصبح دوره لا يستهان به في تحريك اللعبة السياسية، لا سيما أنه يَعُدُّ إيجاد أي حل سلمي في صالح الشمال هو انتصار للإسلام، الذي رفعت النصرانية العصا في وجهه في كثير من بلدان العالم الأول، وصدق الله العظيم: {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا الْنَّصَارَى حَتَى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ}([66]).

وكأنَّ النصارى نسوا بأنَّ اليهود هم من وراء تدبير مقتل عيسى u([67])، بل وكأنَّهم نسوا أنَّ القرآن ذكر أسلافهم بكثير من الثناء والمدح {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ الْنَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِيْنَ آمَنُوا الْيَهُوُدَ وَالَّذِيْنَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدةً لِّلَّذيْنَ آمَنُوا الَّذِيْنََ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى}([68]).

إنها العصبية والكفر والإلحاد، أضف إلى ذلك السبب سبباً آخر، وهو أنَّ الدستور المنقذ لأُمَّة الإنسانية هو القرآن والإسلام، فرفضه اليهود والنصارى لأنهم لا يؤمنون بأنَّ الأفضلية تنتقل منهم لغيرهم، {وَمَا نَقِمُوا مِنْهُمْ إِلاَّ أن ِيُؤْمِنُوا بِاللهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيْد}([69]).

لقد توحّد الكفر: {وَالَِّذَْيْنَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْض إِلاَّ تَفْعَلُوُهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيْرٌ}([70])، وتفرَّق المسلمون بأسبابهم المختلفة فكانت الفتنة والفساد كما ذكر الله سبحانه وتعالى، إنَّ العالم الإسلامي أصبح أكثر نظرة تعصبية وعنصرية مما كان عليه بالأمس، لقد زادت الحضارة الغربية من عصبية المسلمين في أضيق نطاقها، لقد كان إنسان الأمس ينظر بعين القبيلة، فأصبح مسلم اليوم ينظر بعين الأسرة، فضاع معنى التكافل الاجتماعي، حتى فيما نتساوى فيه كتسوية الصفوف في الصلاة وإلقاء تحية الإسلام وغيرها من نوافل الوحدة الإسلامية.

عَنْ أَبُي أُمَيَّةَ الشَّعْبَانِيّ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيَّ فَقُلْتُ: يَا أَبَا ثَعْلَبَةَ كَيْفَ تَقُولُ فِي هَذِهِ الآيَةِ {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ} [المائدة: 105]؟ قَالَ: أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ سَأَلْتَ عَنْهَا خَبِيرًا، سَأَلْتُ عَنْهَا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: (بَلِ ائْتَمِرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنَاهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ، حَتَّى إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا، وَهَوًى مُتَّبَعًا، وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً، وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ؛ فَعَلَيْكَ ِنَفْسِكَ وَدَعْ عَنْكَ الْعَوَامَّ، فَإِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامَ الصَّبْرِ، الصَّبْرُ فِيهِ مِثْلُ قَبْضٍ عَلَى الْجَمْرِ، لِلْعَامِلِ فِيهِمْ مِثْلُ أَجْرِ خَمْسِينَ رَجُلاً يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِهِ) وَزَادَنِي غَيْرُهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْهُمْ؟ قَالَ: (أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْكُمْ)([71]).

إنَّ أُمَّة كهذه لا تستطيع إقامة وحدة، إلاَّ بفهم الواقع الذي آلت إليه أحوالها. إنَّ مثل هذه النصوص الحديثية شاحذة للهمم وداعية لربط الجأش، وكاشفة لحجم التآمر، بل هي منهج رُسِمَ ليقتفي المسلمون أثره في سبيل التعامل مع التحديات والفرص المتاحة في سبيل نهضة الأُمَّة الإسلامية.

[ب] معوِّقات داخلية :

تقف المعوِّقات الداخلية في مقدمة معوِّقات توحُّد الأُمَّة الإسلامية، ولقد حذَّر النبي صلى الله عليه وسلم من تلك المعوِّقات الداخلية في نصوص تكاد تكون الغالبة على الأحاديث القولية والفعلية.

وهذه المعوِّقات أخذت صوراً وأشكالاً تجسدت في هذه الأفعال كالتكبر بغير حق، والاعتزاز بغير الله تعالى، والتواضع لغير الله تعالى، والظلم الذي ينهك الوحدة بعد ثبوتها، وينافي الائتلاف، ويبعث التخاصم والتربُّص، فحرَّمه الله تعالى عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِيمَا رَوَى عَنِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ: (يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلا تَظَالَمُوا..)([72])، وفي حديث آخر عن النبي قال: (وَمَنْ أَعَانَ عَلَى خُصُومَةٍ بِظُلْمٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ)([73]). وقال: (من مشى مع قوم يرى أنه شاهد، وليس بشاهد، فهو شاهد زور، ومن أعان على خصومة بغير علم كان في سخط الله حتى ينزع، وقتال المؤمن كفر، وسبابه فسوق)([74]). هكذا تتضح مساوئ الظلم، وهو أكبر هادم لمظلة الوحدة.

ومن المعوِّقات الداخلية المفكِّكة لوحدة الأُمَّة ومزعزعة لعراها العصبية: الإحساس بالانتماء للقبيلة، والجنس، والنوع، وإيثار الدعوة العصبية على حساب الدين وأهدافه، جاء في الحديث: (لَيْسَ مِنَّا مَنْ دَعَا إِلَى عَصَبِيَّةٍ، وَلَيْسَ مِنَّا مَنْ قَاتَلَ عَلَى عَصَبِيَّةٍ، وَلَيْسَ مِنَّا مَنْ مَاتَ عَلَى عَصَبِيَّةٍ)([75]).

وَعَنْ أَبِي عُقْبَةَ، وَكَانَ مَوْلَى مِنْ أَهْلِ فَارِسَ، قَالَ: شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أُحُدًا، فَضَرَبْتُ رَجُلاً مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَقُلْتُ: خُذْهَا مِنِّي وَأَنَا الْغُلامُ الْفَارِسِيُّ، فَالْتَفَتَ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: (فَهَلاَّ قُلْتَ: خُذْهَا مِنِّي وَأَنَا الْغُلامُ الأَنْصَارِيُّ)([76]).

وفسَّرها النبي صلى الله عليه وسلم بأنها العصبية التي تعين فيها قومك على الظلم، وأخذت هذه العصبية صنوفاً من الأشكال، من أبرزها الدعوة إلى إحياء اللُّغات بعد أنْ كانت لغة القرآن الكريم هي لغة التخاطب بين أبناء الأُمَّة شرقاً وغرباً، فاللُّغة تجمع الخواطر والثقافات والتفكير، فبعد انبعاث اللُّغة من مهدها انبعثت معها العصبية القبلية والجنسية.

ومن معاول الهدم: السخرية واللمز الذي كان للمنافقين دور الريادة في استخدامه قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَّكُوُنُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِّنْ نِّسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلا تَلَمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاسْمُ الفُسُوُقُ بَعْدَ الإِيْمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُوْلَئكَ هُمُ الظَالِمُونَ}([77]). فهذه الآية أكبر مربٍّ على قيم الأخلاق في الأمر والنهي، وجاء قول النبي صلى الله عليه وسلم مقرراً ومبيِّناً للقرآن في هذا المفهوم .

وأكبر عائق في سبيل الوحدة في العصر الحاضر؛ هو عدم اللحاق بركب الحضارة والتكنولوجيا، لقد قدمت الحضارة أكبر فرصة للمسلمين لتقديم الأنموذج المنهجي الوحدوي الرباني، فوسائل (الميديا)، وتلاقح الأفكار، وتبادل المصالح، جعلت العالم عبارة عن قرية مصغرة يمكن الإحاطة بكل ما تحويه من ثقافات وعادات ومعتقدات، ومن سوء الحال أنْ كشفت تلك (الميديا) كثيراً من الأخطاء التي تحسب على مفاهيم الدين الإسلامي، فإنَّ غياب القيادة الرشيدة أضر كثيراً بعوامل الوحدة الإسلامية.

ونخلُصُ بعد طول الحوار في هذا المبحث إلى النقاط التالية:

· عوامل الهدم الخارجية في الماضي تمثلت في الثلاثي الشرس: اليهود، المشركين، المنافقين .

· كانت نتائج تلك المعوِّقات خادمة في حقيقتها لأهداف الوحدة، حيث باءت جميعها بالفشل، حتى في الغزوات التي في ظاهرها الهزيمة للمسلمين كغزوة أُحُد، وحُنين، حيث أعطت المسلمين درساً تربوياً مفاده أن النصر لا يتأتى إلاَّ برضا الله تعالى، ورضا الله تعالى لا يتأتَّى إلاَّ باتِّباع سننه في خلقه وكونه.

· إنَّ عوامل الهدم الداخلي في عصر الإسلام الأول ـ أي الدولة الفاضلة ـ كانت قليلة، أو تكاد تكون معدومة بفضل تربية النبي صلى الله عليه وسلم ، فإذا كان مجرد النظر لوجهه يبعث قوة الإيمان واليقين والثبات فكيف بأمره ونهيه؟

· إنَّ معوِّقات الوحدة العصرية صارت أكبر بسبب الهيمنة اليهودية المسيحية على كافة سبل الحضارة والتكنولوجيا والاقتصاد والمال.

· إنَّ فرص العمل لإنقاذ الوحدة صارت أكبر من ذي قبل بفضل التقدم الحضاري.

· إنَّ معوِّقات الوحدة الداخلية صارت أعمق، لاتِّساع ارتباط المصالح بالدول الغربية ذات السيطرة الكنسية اليهودية.

يمكن الخروج من هذه المعوِّقات باقتفاء منهج السلف زعماء دولة الفضيلة: دولة الرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين.

عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: (مَا مِنْ ثَلاثَةٍ فِي قَرْيَةٍ وَلا بَدْوٍ لا تُقَامُ فِيهِمُ الصَّلاةُ إِلاَّ قَدِ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ، فَعَلَيْكَ بِالْجَمَاعَةِ، فَإِنَّمَا يَأْكُلُ الذِّئْبُ الْقَاصِيَةَ)([78]). قَالَ زَائِدَةُ: قَالَ السَّائِبُ: يَعْنِي بِالْجَمَاعَةِ الصَّلاةَ فِي الْجَمَاعَةِ".

رابعاً: عوامل الوحدة وأثرها في نهضة الأُمَّة:

قال تعالى: {إِنَّ الَّذيْنَ آمَنُوُا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيْلِ اللهِ وَالَّذِيْنَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُوْلَئِكَ بَعْضهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ}([79]).

حدَّدت هذه الآية الإطار العام للمكونات الرئيسة نموذجاً للأُمَّة المسلمة، ثم كان دور الأُمَّة لإفهام التأصيل المعرفي لمعاني الوحدة الاجتماعية وأثرها في نهضتها، حتى يتحقق للمسلمين الحلم الذي تبدَّد باختفاء دولة الخلافة الإسلامية، التي استبدلت بالحدود الدولية، والنظرة القطرية. وتتمثَّل عوامل الوحدة في:

[1] عامل الإيمان:

إنَّ أهمية الإيمان لدى الأفراد تتمثَّل في أنَّه يحقق للأُمَّة توازنها الاجتماعي والفكري، فالحديث النبوي أو السنة حدَّدا للثقافة والقيم الإسلامية قوائم سلوكية، تصل بها إلى بضع وسبعين شعبة إيمانية([80]) فعَّالة في الصلاح والإصلاح، وتقيم على ذلك إرثاً اجتماعياً تبلغ به الأُمَّة مرتبة الجسد الواحد، الذي إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.

وهو عنصر جوهري في تحقيق التوازن الاجتماعي، والصحة النفسية لدى الفرد والمجتمع، وهو بهذا المعنى عاملٌ من عوامل التوحيد الأممي يشمل: الإسلام، والإيمان، والإحسان. وهو أعلى مراتبه، وإذا تحقق هذا العامل للأمة المسلمة فستصبح أُمَّة ذات ريادة، في كافة مجالات المعرفة الإنسانية.

[2] عامل الهجرة:

الهجرة بكافة معانيها اللُّغوية والمعنوية تعني الظروف التي توفر للمؤمنين أنموذجاً حياتياً، يُعَدُّ مثلاً أعلى للحياة الإسلامية، محرراً من كافة الأغلال والآصار الثقافية والاجتماعية والمعنوية والمادية التي تحول دون هذا العيش. فهي هجرة معنوية حسية، هجرة الفواحش المكانية، أي الأماكن التي تعيق عمل الأُمَّة كالهجرة من مكة إلى المدينة، وهجرة الفواحش الجسدية وهي تعني التزكية والطهارة.

وأبرز مظاهر الهجرة بحسبانها عاملاً من عوامل الوحدة؛ هجرة العصبية القبلية، وللهجرة أهمية في توحيد الأُمَّة، فهي تخليص للمؤمنين من الخوف، مثل نموذجيْ الهجرة للحبشة والمدينة، فقد كانت سعةً وإرغاماً ومنعةً وانطلاقاً للقدرات، ومن فوائدها استمرارية المد الإسلامي.

إنَّ أول هجرة في الإسلام ساعدت على نقل الدعوة إلى العالمية، فقد ساهمت الهجرة في إسلام النجاشي، وبعض بطارقته، عن عبد الله بن الزبير قال: "نزلت هذه الآية: {وَإِذَا سَمِعُوُا مَا أُنْزِلَ إِلَى الْرَّسُوُلِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيْضُ مِنَ الْدَّمْعِ}([81])؛ في النجاشي وأصحابه "([82])، وكانت مظهراً من مظاهر التوبة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا، فَسَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الأَرْضِ، فَدُلَّ عَلَى رَاهِبٍ فَأَتَاهُ فَقَالَ إِنَّهُ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ: لا، فَقَتَلَهُ فَكَمَّلَ بِهِ مِائَةً، ثُمَّ سَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الأَرْضِ، فَدُلَّ عَلَى رَجُلٍ عَالِمٍ فَقَالَ إِنَّهُ قَتَلَ مِائَةَ نَفْسٍ، فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، وَمَنْ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّوْبَةِ، انْطَلِقْ إِلَى أَرْضِ كَذَا وَكَذَا، فَإِنَّ بِهَا أُنَاسًا يَعْبُدُونَ اللَّهَ فَاعْبُدِ اللَّهَ مَعَهُمْ، وَلا تَرْجِعْ إِلَى أَرْضِكَ، فَإِنَّهَا أَرْضُ سَوْءٍ، فَانْطَلَقَ حَتَّى إِذَا نَصَفَ الطَّرِيقَ أَتَاهُ الْمَوْتُ، فَاخْتَصَمَتْ فِيهِ مَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ وَمَلائِكَةُ الْعَذَابِ، فَقَالَتْ مَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ: جَاءَ تَائِباً مُقْبِلاً بِقَلْبِهِ إِلَى اللَّهِ، وَقَالَتْ مَلائِكَةُ الْعَذَابِ: إِنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ، فَأَتَاهُمْ مَلَكٌ فِي صُورَةِ آدَمِيٍّ فَجَعَلُوهُ بَيْنَهُمْ، فَقَالَ: قِيسُوا مَا بَيْنَ الأَرْضَيْنِ، فَإِلَى أَيَّتِهِمَا كَانَ أَدْنَى فَهُوَ لَهُ، فَقَاسُوهُ فَوَجَدُوهُ أَدْنَى إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أَرَادَ، فَقَبَضَتْهُ مَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ)([83]).

[3] عامل الجهاد :

إنَّ مفهوم الجهاد بمعناه الإسلامي هو الإسلام بكامله، فهو ليس قتال الكفار فحسب، بل إنَّ المعنى التأصيلي للجهاد ببيان مظاهره حسب الزمان والمكان، بهذا المفهوم يأخذ الجهاد ثلاثة مظاهر محورية:

المظهر الأول: الجهاد التربوي:

القائم على تزكية النفس لتحقيق ذاتية التفكير، فهو بهذا المظهر يحتاج لمؤسسات، وخبراء، وميادين، وطرق، ووسائل، ومربين عاملين في مجالاته، وقد رفع النبي صلى الله عليه وسلم من هذا المظهر الجهادي فساوى فيه مداد العلماء بدم الشهداء.

المظهر الثاني: الجهاد التنظيمي:

أي تنظيم قدرات وطاقات الأُمَّة المعنوية والمادية والبشرية، وتنسيقها بشكل يضمن حشدها وتكاملها لتحقيق أهداف الرسالة، فهذا المظهر التنظيمي لمعنى الجهاد؛ هو ما أشار الله تعالى إليه بقوله: {إِنْ يَّكُنْ مِّنْكُمْ عِشْرُوُنَ صَابِرُوُنَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَّكُنْ مِّنْكُمْ مِّائَةٌ يَّغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِيْنَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ}([84]). وهو داعٍ إلى انسجام المؤمنين مع نواميس الخلق.

المظهر الثالث للجهاد: الجهاد العسكري:

وغايته إزالة المعوِّقات الحائلة دون بقاء النوع البشري ورُقيِّه، ويقترن هذا المظهر الجهادي بالرسالة الإسلامية، من خلال الضوابط العقدية والأخلاقية التي تحكمه وتوجهه، بحيث لا يخرج لحظة واحدة عن غايات الرسالة وأهدافها، وحين يتحقَّق هدف الرسالة دون قتال يتوقف الجهاد القتالي ويصير ممنوعاً.

عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي سَرِيَّةٍ فَصَبَّحْنَا الْحُرَقَاتِ مِنْ جُهَيْنَةَ، فَأَدْرَكْتُ رَجُلاً فَقَالَ: لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ فَطَعَنْتُهُ، فَوَقَعَ فِي نَفْسِي مِنْ ذَلِكَ فَذَكَرْتُهُ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : أَقَالَ: لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَقَتَلْتَهُ؟ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا قَالَهَا خَوْفاً مِنَ السِّلاحِ. قَالَ: أَفَلا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ حَتَّى تَعْلَمَ أَقَالَهَا أَمْ لا؟ فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا عَلَيَّ حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي أَسْلَمْتُ يَوْمَئِذٍ قَالَ: فَقَالَ سَعْدٌ: وَأَنَا وَاللَّهِ لا أَقْتُلُ مُسْلِماً حَتَّى يَقْتُلَهُ ذُو الْبُطَيْنِ يَعْنِي أُسَامَةَ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} [الأنفال: 39]، فَقَالَ سَعْدٌ: قَدْ قَاتَلْنَا حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ، وَأَنْتَ وَأَصْحَابُكَ تُرِيدُونَ أَنْ تُقَاتِلُوا حَتَّى تَكُونُ فِتْنَةٌ)([85]).

[4] عامل الإيواء:

الإيواء بمعناه النظري هو المنعة والنصرة والنجدة والأمن والملجأ والحماية والراحة والاسترخاء، ولقد طبَّق النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة أكبر مظهر من مظاهر الإيواء، فما قدَّمه الأنصار للمهاجرين من مؤاخاة، وإقامة، واقتسام للمأكل والمسكن والملبس والفراش، قال تعالى: {وَالَّذِيْنَ تَبَوَّءوا الْدَّارَ وَالإِيْمَانَ مِنْ قَبْلَهُمْ يُحِبُّوْنَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُوُنَ فِي صُدُوُرِهِمْ حَاجَةً مَِمَّا أُوْتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَّمَنْ يُّوْقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}([86])، وما قام به النبي صلى الله عليه وسلم من تنظيم اجتماعي عملي في المجتمع المدني من بناء المسجد، وبسط الإخاء، ووضع دستور الدولة، كل هذه العوامل كانت مرتكزات أساسية عاملة في وحدة الأُمَّة الإسلامية، وهي منهجية مكتملة ذات محور استقطابي لكافة أنواع الأُمَّة البشرية مسلمها وكافرها كما هو معلوم في المجتمع الإسلامي الأول، حيث يتكون من المسلمين الأنصار والمهاجرين، ثم اليهود، وطوائف من مشركي العرب.

والأحاديث النظرية التي تخطط لعامل الإيواء على كونه مرتكزاً وحدوياً تتمثَّل في أحاديث النُّصرة والتكافل الاجتماعي لكافة أفراد الأُمَّة، فالإسلام أقرَّ الملكية الفردية، ولكن جعل من مبدأ التكافل ما يحافظ على سلامة الأمن في المجتمع، وبالنظر في فوائد الإيواء للأُمَّة نجدها أُمَّة مفتوحة الأبواب لجميع المؤمنين بكافة أجناسهم، وهو طريق لزوال الصراع الطبقي والعنصري، أو تحويله لصراع فيه خير الأُمَّة، فقد ورد في الصحيح أَنَّ فُقَرَاءَ الْمُهَاجِرِينَ أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالُوا: ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالدَّرَجَاتِ الْعُلَى وَالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ. فَقَالَ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالُوا: يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ، وَيَتَصَدَّقُونَ وَلا نَتَصَدَّقُ، وَيُعْتِقُونَ وَلا نُعْتِقُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : (أَفَلا أُعَلِّمُكُمْ شَيْئًا تُدْرِكُونَ بِهِ مَنْ سَبَقَكُمْ، وَتَسْبِقُونَ بِهِ مَنْ بَعْدَكُمْ، وَلا يَكُونُ أَحَدٌ أَفْضَلَ مِنْكُمْ إِلاَّ مَنْ صَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتُمْ؟ قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: تُسَبِّحُونَ، وَتُكَبِّرُونَ، وَتَحْمَدُونَ، دُبُرَ كُلِّ صَلاةٍ ثَلاثًا وَثَلاثِينَ مَرَّةً، فَرَجَعَ فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالُوا: سَمِعَ إِخْوَانُنَا أَهْلُ الأَمْوَالِ بِمَا فَعَلْنَا فَفَعَلُوا مِثْلَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : {ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِهِ مَنْ يَشَاءُ} [المائدة: 54]([87]).

وتتوفر في ظله لكل فرد فرص الاستقرار الاجتماعي والفكري والنفسي، وظهور روح الجماعة في العبادة، وحسن التخطيط والإعداد فهذه مظاهر وفوائد الإيواء بوصفه عنصراً داعماً لوحدة الأُمَّة.

[5] عامل النُّصرة :

ويُقصد بالنُّصرة جانبها النظري في نصوص القرآن والحديث، وهي بمعنى المساعدة، والتأييد، والمؤازرة، والحماية، ومساندة الحق والعدل، ودفع العدوان والظلم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِماً أَوْ مَظْلُوماً). فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْصُرُهُ إِذَا كَانَ مَظْلُوماً؛ أَفَرَأَيْتَ إِذَا كَانَ ظَالِماً كَيْفَ أَنْصُرُهُ؟ قَالَ: (تَحْجُزُهُ أَوْ تَمْنَعُهُ مِنَ الظُّلْمِ، فَإِنَّ ذَلِكَ نَصْرُهُ)([88]).

وأمّا النُّصرة بالمعنى التطبيقي؛ فهي التوجيهات التي عالجت القضايا الوحدوية من إطارها النظري لمعنى الوحدة، والمتمثل في المجتمع النبوي ودولة الخلافة الراشدة .

والتفصيل التحليلي لتلك المقومات أظهر لنا تفاعل تلك العوامل لتكوين أسس لقيادة الإنسانية، فهذا عامل الهجرة الذي صار أكثر خدمة وتحرُّراً من التقوقع المكاني والزماني، لأن مفهوم الدعوة جعلها تتخذ من حركة الهجرة طابعاً أُسُسِياً تجلت فيه صفة العالمية الوحدوية، وقِسْ على ذلك كل عوامل المقومات للوحدة الإسلامية، بالإضافة لعامل العصر التقدمي في مجال التكنولوجيا بحسبانه فرصة سانحة لتقديم المنهج الإسلامي في صورته الحقيقية، ولا يتأتى ذلك إلاَّ بالتحديات العلمية والمواكبة، وهو ما أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم ورمز له برمز القوة الإيمانية، قال صلى الله عليه وسلم : (الْمُؤْمِنُ الَّذِي يُخَالِطُ النَّاسَ وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ أَعْظَمُ أَجْرًا مِنِ الَّذِي لا يُخَالِطُهُمْ وَلا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ)([89])، وقال: (إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَبِيَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لا يَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَفْعَلْ)([90]).

الخاتمة:

· إنَّ مفهوم وحدة الأُمَّة يتأطر في فهم طبيعة التكتلات البشرية من النواحي الثقافية والاجتماعية، لبلورة سبل التكيُّف معها بشكل لا يخل بمبادئ الوحدة، وهذا ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم في مرحلتي الدعوة المكية والمدنية.

· يُعَدُّ مبدأ التسامح، والتواضع، ونبذ الخلافات، ومحاربة الظلم والسخرية والاستهزاء، أكبر المرتكزات لاستمرارية الوحدة.

تتمثل معوِّقات الوحدة في قسمين:

[أ] معوِّقات خارجية:

تتمثل في اليهود والنصارى والمشركين والمنافقين.

[ب] معوِّقات داخلية:

تتمثل في المثبِّطين والمرجفين والمتقاعسين وأصحاب النظرات الضيقة على كافة مستويات المجتمع، وهذان القسمان ما يزالان يسيران جنباً إلى جنب في تعطيل مبادئ الوحدة الإسلامية.

· إنَّ عوامل ومقوِّمات الوحدة تتمثل في: الإيمان بالله تعالى، والدعوة إليه، والهجرة بمفهومها الزماني والمكاني، والجهاد بمظاهره التربوية والفكرية والقتالية، والإيواء بمعناه التكافلي، والنُّصرة بمعناها الخاص والعام.

· يعتمد إنجاح عامل الوحدة في عصر التكنولوجيا و(الميديا)؛ على تضافر العوامل المنطلقة من مرتكزات الموروث الإسلامي، لا سيما دولة الإسلام الفاضلة، زائداً اكتساب الفرص التي وفرتها التكنولوجيا وتوجيهها لتحقيق أهداف الوحدة.

.. والحمد لله رب العالمين ..

فهرس المصادر

[1] ابن حبان، محمد بن حبان البستي أبو حاتم: صحيح ابن حبان، تحقيق شعيب الأرنؤوط، ط/2، بيروت، مؤسسة الرسالة.

[2] ابن حنبل، أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني: مسند أحمد، مؤسسة قرطبة، مصر.

[3] ابن قتيبة، عبد الله بن مسلم: تأويل مختلف الحديث، تحقيق محمد زهري النجار، دار الجيل، بيروت، 1972م.

[4] القرطبي، محمد بن أحمد أبو عبد الله: تفسير القرطبي، تحقيق أحمد عبد العليم البردوني، ط/2، دار الشعب، القاهرة، 1372هـ.

[5] ابن هشام، عبد الملك بن هشام بن أيوب: السيرة النبوية، تحقيق طه عبد الرؤوف سعد، ط/1، دار الجيل، بيروت.

[6] ابن ماجه، محمد بن يزيد: سنن ابن ماجه، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، دار الفكر، بيروت، د.ت.

[7] أبو داود، سليمان بن الأشعث السجستاني: سنن أبي داود، تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد، دار الفكر، بيروت.

[8] البخاري، محمد بن إسماعيل: الجامع الصحيح، تحقيق مصطفى ديب البغا، ط/3، دار ابن كثير، اليمامة، بيروت، 1987م.

[9] البوطي، محمد سعيد رمضان: فقه السيرة النبوية، ط/11، دار الفكر، بيروت، دار الفكر، سوريا، دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع،1991م.

[10] الترمذي، محمد بن عيسى بن سورة: سنن الترمذي، تحقيق أحمد محمد شاكر "وآخرون"، دار إحياء التراث العربي، بيروت.

[11] الحكيم الترمذي، محمد بن علي بن الحسن: نوادر الأصول في أحاديث الرسول، تحقيق د.عبد الرحمن عميرة، ط/1، دار الجيل، بيروت، 1992م.

[12] دو القواعد، إروان سنتري: منهج القرآن الكريم في مجادلة النصارى، الجامعة الإسلامية العالمية ماليزيا.

[13] صلاح الصاوي: الثوابت والمتغيِّرات في مسيرة العمل الإسلامي، طبعه المؤلف بنفسه.

[14] أبو شهبة، محمد بن محمد: الوسيط في علوم ومصطلح الحديث، عالم المعرفة.

[15] العمري، أكرم ضياء: السيرة النبوية الصحيحة، مركز بحوث السُّنَّة والسيرة.

[16] عون الشريف قاسم: في الطريق إلى الإسلام، ط/1، دار القلم، بيروت، 1980م.

[17] فتحي يكن: نحو صحوة إسلامية في مستوى العصر،

ط/2، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1998م.

[18] القرضاوي، يوسف: الصحوة الإسلامية بين الاختلاف المشروع والتفرق المذموم، ط/5، دار الصحوة، القاهرة، 1994م.

[19] القشيري، مسلم بن الحجاج أبو الحسين: صحيح مسلم، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، د.ت.

[20] الكيلاني، ماجد عرسان: الأُمَّة المسلمة، عمان، 1992م.

[21] محمد المجذوب: الطريق السوي إلى وحدة المسلمين،

ط/2، الرياض: دار الشوّاف للنشر والتوزيع، 1995م.

[22] منى عبد المنعم أبو الفضل: الأُمَّة القطب، ط/1، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، القاهرة، 1996م.

[23] محمد الصلابي: فقه التمكين في القرآن الكريم، ط/1، دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع، مصر، المنصورة.

[24] النسائي، أحمد بن شعيب أبو عبد الرحمن: السنن الكبرى، تحقيق عبد الغفار سليمان وسيد كسروي، ط/1، دار الكتب العلمية، بيروت.

----------

([1]) أخرجه الشيخان: البخاري في المظالم والغصب برقم 4262، ومسلم في البر والصلة والآداب برقم 4650.

([2]) قال تعالى: {لَئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلاَّ قَلِيلاً} [الأحزاب: 60].

([3]) قال تعالى: {وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ} [البقرة: 120].

([4]) سنن أبي داود، كتاب الملاحم، برقم 4341، 4/123. وورد كذلك: "الصابر فيهنَّ": انظر: الترغيب والترهيب للمنذري، تحقيق: إبراهيم شمس الدين، نشر: دار الكتب العلمية، بيروت، ط/1، 1417هـ، 4/58. والتاريخ الكبير للبخاري، رقم (3583)، 8/426.

والتمهيد لابن عبد البر، 24/316.

([5]) سنن أبي داود، كتاب الملاحم، برقم 3779.

([6]) أخرجه مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم،

برقم 4685. انظر: صحيح مسلم، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 4/1999.

([7]) لقد ظهر تيار المنافقين كتيار تخريبي ذي دور بارز في غزوة أُحُد، حيث رجع ابن سلول بثلث جيش المسلمين، ثم كان دورهم أكبر في غزوة الأحزاب {وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا} [الأحزاب: 12]، وكان خطرهم على الإسلام أشد من معاول الكفر، وفي غزوة تبوك نزلت فيهم سورة الفاضحة (التوبة) {ثُمَّ انصَرَفُواْ صَرَفَ اللّهُ قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ} [التوبة: 127]. فإذا كان هذا النفاق في دولة الصفوة الإسلامية فكيف به في هذه الأزمان التي تشهد أضعف مرحلة في تأريخ المجتمعات الإسلامية؟

([8]) أخرجه الإمام أحمد، مسند القبائل برقم 2726. انظر: مسند أحمد، مؤسسة قرطبة،

مصر، 6/396.

([9]) صحيح البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب لا تبديل لخلق الله لدين الله خلق الأولين دين الأولين والفطرة الإسلام، برقم 4497. انظر: الجامع الصحيح، تحقيق مصطفى ديب البغا، ط/3، دار ابن كثير، اليمامة، بيروت، 1987م، 4/1792. وانظر: عبد الله بن مسلم بن قتيبة: تأويل مختلف الحديث، تحقيق محمد زهري النجار، دار الجيل، بيروت، 1972،

1/129، قال: "ونحن نقول إنه ليس هاهنا تناقض ولا اختلاف بنعمة الله تعالى، ولو عرفت المعتزلة ما معناه ما فارقت المثبتة إنْ لم يكن الاختلاف إلاَّ لهذا الحديث والفطرة، هاهنا الابتداء والإنشاء ومنه قوله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [فاطر: 1]، أي: مبتدئهما، وكذلك قوله: {فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} [الروم: 30]، يريد جبلته التي جبل الناس عليها، وأراد بقوله: (كل مولود يولد على الفطرة): أخذ الميثاق الذي أخذه عليهم في أصلاب آبائهم {وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى} [الأعراف: 172]، فلست واجداً أحداً إلاَّ وهو مقر بأنَّ له صانعاً ومدبراً وإنْ سمَّاه بغير اسمه أو عبد شيئاً دونه ليقربه منه ثم نفسه أو وصفه بغير صفته أو أضاف إليه ما تعالى عنه علواً كبيراً، قال الله تعالى: {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} [الزخرف: 87]، فكل مولود في العالم على ذلك العهد والإقرار، وهي الحنيفية التي وقعت في أول الخلق وجرت في فطر العقول، قال رسول الله e: يقول الله تبارك وتعالى: (...وَإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ)، ثم زفر اليهود أبناءهم ويمجس المجوس أبناءهم أي: يعلمونهم ذلك، وليس الإقرار الأول مما يقع به حكم أو عليه ثواب". الحديث أخرجه مسلم في كتاب صفة الجنة ونعيمها برقم 5109.

([10]) سورة الإسراء، الآية (70).

([11])الملاحظ أنَّ كل الأُمَم قد انتظمت مفهوم التوحيد: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٌ يَّطِيْرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ} [الأنعام:37].

([12]) سورة يونس، الآية (19).

([13]) سورة الإنسان، الآية (3).

([14]) سورة الكهف، الآية (29).

([15]) سورة النساء، الآية (165).

([16]) سورة المؤمنون، الآيتان (51-52).

([17]) سورة الحجرات، الآية (13).

([18]) سورة البقرة، الآية (30).

([19]) إنَّ النصر والتمكين للمؤمنين له وجوه عدّة، وصور متنوعة من أهمها: تبليغ الرسالة، وهزيمة الأعداء، وإقامة الدولة. انظر: د. محمد الصلابي: فقه التمكين في القرآن الكريم، ط/1، دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع، مصر، المنصورة.

([20]) سورة الحج، الآية (41).

([21]) سنن أبي داود، كتاب الملاحم، باب تتداعى الأكلة على قصعتها، برقم 3745، 4/111.

([22]) سنن أبي داود، كتاب السنة، برقم 3980. وانظر: صحيح بن حبان، 15/125.

([23]) سورة المائدة، الآية (18).

([24]) سورة البقرة، الآيتان (80-81).

([25]) انظر: محمد بن علي بن الحسن الحكيم الترمذي: نوادر الأصول في أحاديث الرسول، تحقيق د. عبد الرحمن عميرة، ط/1، دار الجيل، بيروت، 1992م، ص172.

([26]) سورة الحجرات، الآية (13).

([27]) سورة الذاريات، الآية (56).

([28]) سورة الأنبياء، الآية (25).

([29]) سورة الأنبياء، الآية (107).

([30]) مسند الإمام أحمد، مسند المكثرين من الصحابة، برقم 21352، 5/174.

([31]) سنن الترمذي، كتاب الفتن، برقم 2166.

([32]) سنن الترمذي، كتاب الفتن، برقم 2092.

([33]) متفق عليه: البخاري في كتاب الفتن برقم 6531، ومسلم في كتاب الإمارة برقم 3438، واللفظ لمسلم.

([34]) عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ e يَمْسَحُ مَنَاكِبَنَا فِي الصَّلاةِ وَيَقُولُ: (اسْتَوُوا وَلا تَخْتَلِفُوا فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ، لِيَلِنِي مِنْكُمْ أُولُوا الأَحْلامِ وَالنُّهَى، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ). قَالَ أَبُو مَسْعُودٍ: "فَأَنْتُمُ الْيَوْمَ أَشَدُّ اخْتِلافاً" [أخرجه الإمام مسلم في صحيحه، كتاب الصلاة، برقم 654]، وقال e: (لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ). انظر: صحيح مسلم، كتاب الصلاة، باب تسوية الصفوف وإقامتها، برقم 659، 1/323-324. ويفهم من هذه النصوص معنى الوحدة الإسلامية، التي تنادي بمبدأ المساواة، وفي هذا ما يشير للتلاحم والتعاضد، وعكسه يؤدي للفرقة (وَلا تَخْتَلِفُوا فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ)، وهذا من البيان الفعلي اليوم بدرجة لا يحتاج بعدها لأي تفسير ما.

([35]) أخرجه الشيخان: البخاري في باب أجود ما كان النبي e يكون في رمضان برقم 1803، ومسلم في كتاب الفضائل، باب كان e أجود الناس بالخير من الريح المرسلة،

برقم 1208. ولهذا الحديث روايات عدة.

([36]) راجع: أكرم ضياء العمري: السيرة النبوية الصحيحة، مركز بحوث السُّنَّة والسيرة،

1/195-196.

([37]) صحيح البخاري، كتاب المناقب، برقم 6544، 4/2546.

([38]) سورة الأنبياء، الآية (107).

([39]) محمد بن أحمد أبو عبد الله القرطبي: تفسير القرطبي، تحقيق أحمد عبد العليم البردوني،

ط/2، دار الشعب، القاهرة، 1372هـ، 4/63.

([40]) عبد الملك بن هشام بن أيوب: السيرة النبوية، تحقيق طه عبد الرؤوف سعد، ط/1، دار الجيل، بيروت، 1411هـ، 3/31.

([41]) صحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، برقم 1044، 1/452.

([42]) كان أهل الصُّفَة من خيرة الأصحاب لأنه لم يكن لهم شاغلٌ يشغلهم عن العلم والجهاد،

فأبو هريرة أميرهم كان أكبر راوٍ لحديث النبي e.

([43]) سورة الحشر، الآية (9).

([44]) انظر: محمد سعيد رمضان البوطي: فقه السيرة النبوية، ط/11، دار الفكر، بيروت، دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع، سوريا، 1991م، ص 142- 154.

([45]) لعل أول خلاف سياسي حال دون تحقيق الوحدة الإسلامية في إطارها التطبيقي ومنهجها الدستوري المتمثل في القرآن والسُّنَّة فهماً وواقعاً ما جرى في خلافة عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب ـ رضي الله عنهما ـ، وبالطبع لقد كان لليهود دورٌ بارزٌ في إشعال نار الفتنة بين المسلمين(دور ابن سبأ)، ومن ثم كانت الخلافة الملكية المتمثلة في الدولة الأموية والدولة العباسية، وهكذا سطَّر التاريخ الإسلامي واقع هذا الخلاف، الذي كان العنصر الجوهري في ضياع التوحّد الإسلامي، وفرضه كواقع ملموس.

([46]) سورة العنكبوت، الآية (69).

([47]) سورة آل عمران، الآية (110).

([48]) صحيح البخاري، كتاب تفسير القرآن، برقم 4525، 4/1861.

([49]) صحيح البخاري، كتاب الاستقراض وأداء الديون، باب العبد راع في مال سيده ولا يعمل إلاَّ بإذنه، برقم 2278، 2/849.

([50]) صحيح البخاري، كتاب الأدب، برقم 5702، 5/2248.

([51])العبية: الكبر والفخر. انظر: لسان العرب، لابن منظور الإفريقي، 1/575.

([52]) جعلان: دابة سوداء من دواب الأرض، يطلق عليها (أبو الجعران). انظر: لسان العرب، ابن منظور الإفريقي، 11/112.

([53]) سنن أبي داود، كتاب الأدب، ، باب التفاخر بالأحساب، برقم 5116.

([54]) سورة المائدة، الآية (3).

([55]) سورة محمد، الآية (7).

([56]) سنن الترمذي، كتاب البر والصلة، باب ما جاء في الإحسان والعفو، حديث رقم 2006.

([57]) سيرة ابن هشام، 4/200-201 .

([58]) صحيح مسلم ، كتاب الإيمان، باب بيان أن الدين النصيحة ، برقم 8، 1/74 .

([59]) سورة النساء، الآية (145).

([60]) سورة الأحزاب، الآية (16).

([61]) سورة آل عمران، الآية (181).

([62]) سورة المائدة، الآية (64).

([63]) سورة الزخرف، الآية (54).

([64]) صحيح البخاري ، كتاب أحاديث الأنبياء، برقم 3269.

([65]) عقد مهاتير محمد، رئيس دولة ماليزيا، لقاءً صحفياً على هامش الدورة العاشرة لمنظمة المؤتمر الإسلامي المنعقدة في بترجايا بماليزيا، تحدث فيه عن دور اليهود، في تغيير مجريات الأحداث في العالم، وقال: "إنهم يحكمون العالم بالوكالة"، وما أنَّ قال هذا القول حتى ثار الحُكَّام الأوروبيون، بل وثارت أمريكا ثورتها، وما كان منه إلاَّ أنْ قال: "هذا الغضب الغربي لقولي يدل على صدق ما قلت، لقد استخدمت أمريكا من أجل اليهود حق النقض (الفيتو) في وجه كل قرار عربي يدين أو يلفت نظر إسرائيل لأعمالها البشعة في الأراضي الفلسطينية".

([66]) سورة البقرة، الآية (120).

([67]) لم يتمكن اليهود من قتل عيسى u، ولقد رَدَّ الله عليهم بقوله تعالى: {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـكِن شُبِّهَ لَهُمْ} [النساء: 157]، والخلاف مشهور في أمر عيسى u، هل تحقَّق موته بعد ذلك أم ما زال على قيد الحياة؟ فالآية التي تشير إلى رفعه: {بَل رَّفَعَهُ اللّهُ إِلَيْهِ} [النساء: 158]، لم تبيِّن استمرارية حياته u. انظر: منهج القرآن الكريم في مجادلة النصارى، "رسالة ماجستير" إعداد الطالب: إروان سنتري بن دو القواعد، الجامعة الإسلامية العالمية ماليزيا، ص 96.

([68]) سورة المائدة، الآية (82).

([69]) سورة البروج، الآية (8).

([70]) سورة الأنفال، الآية (73).

([71]) سنن أبي داود، كتاب الملاحم، برقم 3778، 4/124. وانظر: محمد بن حبان أبو حاتم: صحيح ابن حبان، تحقيق شعيب الأرنؤوط، ط/2، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1993م، باب ذكر إعطاء الله جَلَّ وعلا العامل بطاعة الله ورسوله في آخر الزمان أجر خمسين رجلاً يعملون مثل عمله، برقم 385، 2/108.

([72]) صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، برقم 4674، 4/1994.

([73]) سنن أبي داود، كتاب الأقضية، برقم 3123.

([74]) سنن أبي داود، برقم 11225، 11226، 6/82.

([75]) سنن أبي داود، كتاب الأدب، برقم 5121، 4/332.

([76]) سنن أبي داود، كتاب الأدب، برقم5123.

([77]) سورة الحجرات، الآية (11).

([78]) سنن أبو داود، كتاب الصلاة، برقم 460، 1/150.

([79]) سورة الأنفال، الآية (72).

([80]) قال e: (الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً، فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ: لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ) [أخرجه مسلم في كتاب الإيمان برقم 51].

([81]) سورة المائدة، الآية (83).

([82]) أحمد بن شعيب أبو عبد الرحمن النسائي: السنن الكبرى، تحقيق عبد الغفار سليمان وسيد كسروي، ط/1، دار الكتب العلمية، بيروت، 6/336.

([83]) صحيح مسلم، كتاب التوبة، باب قبول توبة القاتل وإن كثر قتله، برقم 4967، 4/2118.

([84]) سورة الأنفال، الآية (65).

([85]) صحيح مسلم ، كتاب الإيمان، برقم 96، 1/96.

([86]) سورة الحشر، الآية (9).

([87]) صحيح مسلم، كتاب الصلاة ومواضع الصلاة، برقم 936، 1/416.

([88])صحيح البخاري، كتاب الإكراه، برقم 6438، 2/863.

([89])مسند أحمد بن حنبل، مسند المكثرين من الصحابة، برقم 4780، 5/365.

([90]) مسند أحمد بن حنبل، 3/191.


 

 

التلاوات
الصوتيات
الأناشيد
المقالات
الملفات
البحوث والدراسات
المرئيات
الحوارات والتحقيقات
نافذة الأشبال

ملف مصور

 

 

 

 

باشتراكك في القائمة البريدية ستصلك رسالة أسبوعية تحتوي على جديد الموقع


بريد المشكاة

المنظمة

جوال المشكاة

  |   عن الموقع   |   اتصل بنا   |   مؤتمرات   |   مواقع صديقة   |  

جميع الحقوق محفوظة لشبكة المشكاة الإسلامية | 2001 - 2009

Developed By Meshkat Team