شبكة المشكاة الإسلامية
آخر تحديث: 30.جمادي الثاني.1433 الموافق: 2012-05-21م

سيد الشهداء  ::  ثلاثيات نبوية (121) ثلاثة لا يقبل الله منهم صرفا ولا عدلا  ::  نساء خالدات (102) الربيع بنت معوذ 1  ::  أحذية الصحابة أطهر من عمائم المجوس  ::  ثلاثيات نبوية (120) ثلاث اخاف على أمتي  ::  نساء خالدات (101) أمامة بنت أبي العاص 5  ::  ثلاثيات نبوية (119) ثلاث وصايا لمعاذ  ::  نساء خالدات (100) أمامة بنت أبي العاص 4  ::  ثلاثيات نبوية (118) ثلاثة مصارف  ::  نساء خالدات (99) أمامة بنت أبي العاص 3  ::  

الإستشارات الفتاوى الأخبار الصفحة الرئيسية

تابعوا المشكاة على تويتر

محاضرات وخطب  -فضيلة محمد سيد حاج رحمه الله

بيان هيئة علماء السودان حول أحداث سوريا

البث المباشر لقناة طيبة الفضائية

البث المباشر لقناة إفريقيا الفضائية

البث المباشر لقناة إفريقيا سواحيلي

 

الرئيسية البحوث والدراسات

 

 

 

Bookmark and Share

محمود محمد طه.. وأسماك النيل

 

د.حيدر عيدروس علي
باحث شرعي

2011-10-16

الحمد لله الذي أنعم علينا بنعمة الإسلام، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خير الأنام، ثم أما بعد: فقد دعاني أحد الجمهوريين -قبل كتابة هذه الورقة بشهور- إلى التعرف على الفكر الجمهوري لأنه الإسلام الحق في نظره، ودلني على قراءة كتاب (الرسالة الثانية) للمهندس محمود محمد طه، وطمع أن أشاركه الإيمان بما به آمن الجمهوريون، مكابرة منه وجزاء لطمعي في هدايته إلى الحق الأبلج.

وكنت قد قرأت الكتاب منذ ما يزيد على خمس وعشرين سنة، ولم أكن وقت ذاك مؤهلا للتدقيق والنقد، فاستفزني بمكابرته، وبجزائه المضل للعودة لقراءة الكتاب المذكور بعين نقاد الأسانيد والمتون من أهل الحديث -وإن لم أكن من المتقدمين في هذا المضمار- للوقوف على مدى اعتناء الباشمهندس بهذا العلم الشريف، ولإدراكي أن جهود نقاد الحديث في الذود عن سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم هي أمنع الدروع الواقية من ضلال الدجاجلة والكذابين، وذلك أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه لما انتدب ابن عباس رضي الله عنهما لمجادلة المبتدعة من الخوارج قال له: لا تخاصمهم بالقرآن، فإن القرآن حمال ذو وجوه؛ تقول ويقولون، ولكن حاجّهم بالسنة، فإنهم لن يجدوا عنها محيصًا.اهـ.

وكنت على يقين بأنني سأقف على مغالطات تكشف عن خواء الفكرة و فراغ فؤاد منشئها، الذي لم يجد لباطله رواجا إلا عند من لا يعرفون قدر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانت نتيجة القراءة الثانية لكتاب (الرسالة الثانية) أن سجلت الملاحظات الآتية على الأحاديث التي استشهد بها مؤلفه، وهي ملاحظات أولية تغنيني وتغني من هداه الله عن الانشغال عن الحق بهذا الفكر الداحض، فجاءت هذه الملاحظات التي توضح أن المؤلف لم يكن حاطب ليل في الحديث النبوي الشريف وعلومه فحسب، بل هو دجال من الدجاجلة، وكذاب من الكذبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، والعياذ بالله، وفوق كل ذلك فهو منتقص لقدر رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقبل أن أبدأ في ذكر الملاحظات الحديثية لا يفوتني أن أشير إلى حيرة أخذتني أثناء قراءة الكتاب، وهي أنني لاحظت أن الباشمهندس الدجال لم يصل على النبي صلى الله عليه وسلم في كتابه البتة، بل لم ترد الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم إلا مرة واحدة فقط في الكتاب المذكور، ولا شك أنها من تصرف الناسخ، وليست من صنيع المؤلف، مع إنه ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في كتابه كثيراً جدا، ولعل المؤلف لم يستجب لأمر الله تعالى القائل في كتابه العظيم: (إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما}، وليس هذا التمرد بعجيب منه، لأنه قد تمرد على القرآن المدني كله، كما هو واضح في كتابه المشؤوم، ولا تفسير لامتناعه عن الصلاة على النبي المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه إلا بأحد الأمرين التاليين، أو كلاهما معا:-

الأول: إن هذه الآية التي تحض على الإكثار من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وردت في سورة الأحزاب، وهي سورة مدنية، والباشمهندس لا يعتمد على القرآن المدني، وإنما الدين عنده ينبغي أن ينبني على القرآن المكي فقط -كما يفهم من دعوته في كتابه (الرسالة الثانية)-، ولا شك أن هذا من الإيمان ببعض الكتاب، والكفر ببعضه الآخر، وهذا ما يخفف من الدهشة بأنه لا عناية له بالعلوم الشرعية بصفة عامة، والسنة وعلومها على وجه الخصوص، طالما أنه يؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعضه الآخر، وإذا علمنا ذلك هان علينا ما نراه من كساد بضاعته في الحديث.

الثاني: لعله يشعر بالمساواة مع صاحب الرسالة الأولى -في نظره-، فهو يرى نفسه صنوا له، أو ربما وجد في نفسه التقدمة على النبي المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه، وهو أمر أرجأته للدراسة الشاملة لكتاب الرسالة الثانية المزعومة، إذا نشطت للرد عليها، واحترزت بالنشاط لأن الفكرة كلها لا تروج إلا في سوق المساكين، ممن لاحظ لهم في العلوم الشرعية، أو أولئك الذين يتبعون كل ناعق، وهؤلاء لا ينفعهم الصياح، كما قال الله تبارك وتعالى: {إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين* وما أنت بهادي العُمي عن ضلالتهم إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون*}[النمل:80-81].

وما أرى للباشمهندس مخرجا عن أحد هذين الأمرين!

ودونك أيها القارئ الكريم الملاحظات التي توصلت فيها إلى أن صاحب (الرسالة الثانية) لا يقيم وزنا لنصوص الأحاديث النبوية الشريفة، بل كان أحيانا يسوق بعض النصوص من قريحته، وينسبها للنبي صلى الله عليه وسلم، وأحيانا أخرى يمزج كلاما من كيسه ببعض الأحاديث الصحيحة، أو الضعيفة، وهذا شر من الكذب المحض، لما فيه من تضليل، ومثل هذا لا ينبه لأن يرعي سمعه لما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم، بقوله: (من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار)، ومن لم يخش النار وعذابها فلن يخشى أن يوصم بالدجل أو الكذب، وأرجو من القارئ الكريم أن يتمعن في هذه الملاحظات:-

1- ساق المؤلف في كتابه حديثا هذا نصه: (بدأ الإسلام غريبا، وسيعود غريبا كما بـدأ، فطـوبى للغرباء، قالـوا: من الغرباء يا رسول الله؟ قال: الذين يحيون سنتي بعد اندثارها)، وهذا الحديث بهذا اللفظ مشوب بالكذب، فقد ورد بعضه في صحيح الإمام مسلم وغيره من دواوين السنة؛ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بدأ الإسلام غريبا وسيعود كما بدأ غريبا فطوبى للغرباء)، هكذا جاء لفظه في مصادر السنة بدون أية زيادة، وفي صحيح مسلم أيضا وغيره من المصادر؛ من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (إن الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا كما بدأ، وهو يأرز بين المسجدين كما تأرز الحية في جحرها)، وهو أيضا بدون زيادة (الذين يحيون سنتي)، وأما جملة: (الذين يحيون سنتي)، فهذه في رواية كذاب آخر في طبقة أتباع التابعين، وإسنادها لا يصح البتة، أخرجها الحافظ أبو عمر ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله، من حديث كثير بن عبد الله المزني، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الإسلام بدأ غريبا، وسيعود غريبا كما بدأ، فطوبى للغرباء، قيل: يا رسول الله ومن الغرباء؟ قال: الذين يحيون سنتي ويعلمونها عباد الله)، وكثير بن عبد الله المزني قال فيه أبو داود السجستاني: كذاب، ونقل ذلك عن الإمام الشافعي الذي قال فيه: ذاك أحد الكذابين، أو أحد أركان الكذب.اهـ. وذكره ابن حبان في كتاب المجروحين، وقال: منكر الحديث جدا، يروي عن أبيه، عن جده؛ نسخة موضوعة، لا يحل ذكرها في الكتب، ولا الرواية عنه.اهـ. ووضح أن رواية كثير بن عبد الله المزني، عن أبيه، عن جده، قد شابها بكذبه -راجع ترجمته في تهذيب الكمال للحافظ أبي الحجاج المزي-، وأما جملة: (بعد اندثارها)، فهذه الجملة لا توجد في أي حديث آخر مما نسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، إلا مما أتى به محمود، فإن كان أخذها عن آخرين فقد تابع كذابا من الكذبة، وإن كانت من قريحته فهو ركن آخر من أركان الكذب بعد كثير المزني، وعليه الوزر.

2- ورد في الكتاب المذكور ما نصه: (الدين المعاملة)، وهذا قول لا أصل له في كتب الحديث المسندة، ولم يعتمد المؤلف في إيراده على أي أصل من أصول الحديث النبوي الشريف، فعجيب منه وهو يزعم أنه يدعو إلى الإسلام الحق أن يفعل هذا، وتجدر الإشارة إلى أن أقدم كتاب ظهر فيه هذا الحديث المكذوب على النبي صلى الله عليه وسلم مما وقفت عليه؛ هو كتاب عجائب الآثار لعبد الرحمن بن حسن الجبرتي (3/103) دار الجيل، والجبرتي لا يصنف في علماء الحديث، وإنما هو مؤرخ من الدرجة الثالثة، وفي كتابه من الأخبار التاريخية ما لو أخضعت للتمحيص على طريقة المؤرخين المجودين لذهبت أدراج الرياح، أما لو أدخلت منجم المحدثين فلن يبقى منها لا حرف ولا حبر ولا ورق.

3- ورد في الكتاب المذكور ما نصه: (ما وسعني أرضي ولا سمائي، وإنما وسعني قلب عبدي المؤمن)، وهذا أيضا لا أصل له في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، وهو من الإسرائيليات، وقد اتخذه دعاة الاتحاد والحلول ذريعة للدعوة إلى عقيدتهم الفاسدة، أعاذنا الله وإياكم من الكفر والزندقة، وقد كان الانتصار للمذهب سببا من أسباب الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم في القديم والحديث، وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن هذا القول، فقال في مجموع الفتاوى (18/122): الحمد لله؛ هذا ما ذكروه في الإسرائيليات، ليس له إسناد معروف عن النبي صلى الله عليه وسلم...اهـ. وتبع ابن تيمية على ذلك جماعة من حفاظ الحديث.

4- ورد في الكتاب المذكور ما نصه: (تخلقوا بأخلاق الله، إن ربي على سراط مستقيم)، وهذا أيضا لا أصل له البتة في كتب الحديث المسندة، وحكم عليه العلامة ابن القيم في مدارج السالكين (3/241) بالبطلان، فهو مكذوب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعناه باطل جدا، فمن صفات الله الكبرياء، والعظمة، والجبروت، والقهر، والعزة، وقد قال الله تعالى: (الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني وحدا منهما قذفته في النار).

5- ورد في الكتاب المذكور ما نصه: (من آمن فقد آمن بقضاء وقدر، ومن كفر فقد كفر بقضاء وقدر، رفعت الأقلام، وجفت الصحف)، وهذا أيضا مكذوب على رسول الله صلى الله وسلم، ولم أجده إلا في كتاب (الرسالة الثانية)، ويظهر أنه من كيس محمود الكذاب ومن وضعه، وعليه وزره ووزر من حمله عنه إلى يوم القيامة، وبهذا يمكن أن يصنف محمود وأتباعه في فرقة القدرية المارقة الضالة، لإيمانهم بهذا الحديث المكذوب على رسول الله صلى الله وسلم، إذ أن هذا القول هو ما عليه أهل القدر من القدرية الجبرية والعياذ بالله، وشرح ذلك يطول، فكن ضنينا بدينك أخي المسلم، ولا تشكن أن الدين قد جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم وبينه بيانا شافيا، لا يحتاج لتتمة برسالة ثانية يزعم صاحبها أنها جاء لبيان السنة، وهو أجهل بها من قاضي جبل، وهو لا يتورع في كذبه من اتهام النبي صلى الله عليه وسلم بالجهل، فيما ستكشفه الملاحظة التالية.

6- ورد في الكتاب المذكور ما نصه: (لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، ولعلمتم العلم الذي لا جهل بعده، وما علم ذلك أحد! قالوا: ولا أنت؟ قال: ولا أنا، قالوا: ما كنا نظن الأنبياء تقصر عن شيء! قال: إن الله أجل وأعظم من أن ينال ما عنده أحد)، وهذا الحديث بهذا السياق فيه من الكذب ما لا يتصور صدوره إلا من صاحب الرسالة الثانية، فبعض هذا الحديث أخرجه الإمام أحمد في المسند، من طرق عن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله؛ لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا)، هذا نصه بلا زيادة، وقد صحح العلماء إسناد هذا الحديث إلى عمر رضي الله عنه مرفوعا على شرط مسلم، ولكنهم لم يقبلوه ممن أسنده بنصه إلى عبد الله ابنه رضي الله عنهما البتة، فقد أورده ابن أبي حاتم في العلل برقم (1832)، وقال: (وسألت أبي عن حديث كتبناه بمصر عن مالك بن عبد الله بن سيف التُّجِيبي، عن سعيد بن إسحاق ابن الحمار، قال: حدثنا الليث، عن محمد بن عبد الرحمن، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (لو أنكم توكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا)، قال أبي: هذا حديث باطل بهذا الإسناد، وسعيد بن إسحاق ابن الحمار مجهول لا أعرفه).اهـ. وحتى هذا ليس فيه الزيادة التي أتى بها محمود!

أما الزيادة بعد قوله صلى الله عليه وسلم: (كما يرزق الطير)، ونصها: (ولعلمتم العلم الذي لا جهل بعده، وما علم ذلك أحد! قالوا: ولا أنت؟ قال: ولا أنا، قالوا: ما كنا نظن الأنبياء تقصر عن شيء! قال: إن الله أجل وأعظم من أن ينال ما عنده أحد)، فكلها موضوعة مكذوبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم أقف على من شارك محمودا في إيرادها، وهي أشبه به من غيره، فكأنه يمهد بها لدعوى أنه علم ما جهله النبي صلى الله عليه وسلم، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن كامل التوكل على الله، وهو جاهل بما يمكن أن يحصله الذين يبلغوا غاية النهاية في التوكل من أتباع الفكرة الجمهورية، حتى يلهث المخدوعون للتلمذة عليه لطلب ما جهله رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيخرجون بلهثهم هذا من الدين كما يخرج السهم من الرَّمِيَّة، وليوافقوا بذلك الزنديق الأكبر عبد الحق ابن سبعين في قوله المأفون: (لقد حجر ابن آمنة واسعا)، يعني قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا نبي بعدي)، انظر أخي المسلم إلى سوء أدب محمود وإمامه ابن سبعين، قاتلهما الله، فقد رضع صاحب الفكرة البائدة من لبان ذلك الأدب البائر، فرحمة الله ورضوانه على جعفر الذي أراحنا من الدجال الأصغر، وسلام الله على المهدي المنتظر الذي سيقتل قريبا الدجال الأكبر!

إن المحدثين في نقدهم للأسانيد والمتون قد استعذبوا التعب، واستمتعوا بالشقاوة في خدمة السنة المطهرة وحراستها، وهم بذلك في متعة لا يجدها المتمتعون بأطيب الملذات والمتع، حتى قال قائلهم: نحن في لذة لو علمها الملوك وأبناء الملوك لجالدونا عليها بالسيوف، ولا يفوتني أن أذكر أن ابن أبي حاتم –الذي تقدم حديثه في الفقرة قبل السالفة- كان قد رحل مع رفيق له من الري في بلاد فارس إلى مصر، فكتبا ذلك الحديث المكذوب على ابن عمر رضي الله عنهما، وغيره من الأحاديث المكذوبة والمعلولة والصحيحة- وفي مدة إقامتهما بمصر كانا قد اشتهيا سمكة من أسماك النيل، فابتاعاها ليأكلاها طرية، ولكن شغلتهما عنها بالنهار كتابة الحديث في مجالس الشيوخ، وبالليل مقابلة ما كتباه بالنهار، وما تذكرا السمكة إلا بعد أن كاد ريحها يتغير، فأكلاها نيئة، لم يكن لهما فراغ من الوقت لطبخها!

ومع انحسار مثل هذه الجهود المضنية يسهل على محمود الكذاب وتلامذته وعلى غيرهم من عبدة الهوى أن يقولوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكذب الصراح أو المشوب ما يقولون، حتى إذا اكتشف كذبهم مكتشف، قال قائلهم: هذه الأقوال وإن لم ترد بحروفها في كتب الحديث، فمعناها صحيح يؤيده القرآن الكريم، متناسين أن إمامهم قد قسم القرآن إلى مكي يدعو إلى تطبيقه، ومدني مضى وقته!

7- ورد في الكتاب المذكور ما نصه: (واشوقاه لإخواني الذين لما يأتوا بعد! فقال أبو بكر: أو لسنا إخوانك يا رسول الله؟ قال: بل أنتم أصحابي، ثم قال ثانية: واشوقاه لإخواني الذين لما يأتوا بعد! فقال أبو بكر: أو لسنا إخوانك يا رسول الله؟ قال: بل أنتم أصحابي! ثم قال ثالثة: واشوقاه لإخواني الذين لما يأتوا بعد! قالوا: من إخوانك يا رسول الله؟ قال: قوم يجيئون في آخر الزمان، للعامل منهم أجر سبعين منكم، قالوا: منا أم منهم؟ قال: بل منكم، قالوا: لماذا؟ قال: لأنكم تجدون على الخير أعوانا، ولا يجدون على الخير أعوانا)، وهذا الحديث بهذا السياق فيه كذب مشوب، فهو ملفق من عدة أحاديث منها ما هو صحيح، ومنها ما هو من أحاديث القصاص والكذابين، ولم أجده تاما بهذا السياق إلا في كتاب (الرسالة الثانية) لدجال العصر، فالتلفيق من نسج خياله العريض، وهو به أشبه!

8- ورد في الكتاب المذكور ما نصه: (في المال حق غير الزكاة)، وهذا اللفظ ليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، وهو من كلام الفقهاء، وإيراده بهذا اللفظ على أنه من كلام النبي صلى الله عليه وسلم كذب محض، فنحن أمة امتازت بالتفريق بين كلام الله تبارك وتعالى وبين كلام رسوله صلى الله عليه وسلم، وبين كلام الصحابة رضوان الله عليهم، وبين كلام سائر الناس من التابعين.

9- ورد في الكتاب المذكور ما نصه: (خير ما جئت به أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله)، وهذا الحديث لم أجده بهذا اللفظ إلا في كتاب (الرسالة الثانية)، وإيراده بهذا اللفظ دليل على عدم المعرفة بالحديث الشريف، وإنما المعروف هو: (أفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله)، ولكن هذا يقال لمن يوقر الله ورسوله، فالرجل له رأي في القرآن العظيم، فكيف يلام على قلة العناية بالحديث الشريف وألفاظه؟! وهل بعد الكفر ذنب!

10- قال محمود: فوقع الشبه بين الخالق والمخلوق، وإلى ذلك الإشارة بقول المعصوم: (إن الله خلق آدم على صورته).اهـ. وهذا تفسير للحديث قد سبقه إليه المشبهة، وهم قد حرفوا النصوص مثلما فعل اليهود، ولم يقل بقول محمود هذا أحد من شُرَّاح الحديث المعتبرين، ونسي الباشمهندس أن الله تعالى قال في سورة الشورى -وهي من السور المكية-: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} [الآية:11]، فهل عطل القرآن المكي أيضا.

أرجو أن تكون هذه الملاحظات على كتاب الرسالة الثانية قد كشفت عن أهم ما كان عليه دجال العصر، والذي بدأت دعوته تطل بقرونها في فضائية من ذوات القرون، بعد أن خمدت بموت صاحبها، وليعلم من يرد الله به خيرا أن النبي صلى الله عليه وسلم قد حذرنا من المسيح الدجال ومن يتقدمه من الدجاجلة، فقال في المتفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: (لا تقوم الساعة حتى يبعث دجالون كذابون قريب من ثلاثين كلهم يزعم أنه رسول الله)، نعوذ بالله من الضلال.


 

 

التلاوات
الصوتيات
الأناشيد
المقالات
الملفات
البحوث والدراسات
المرئيات
الحوارات والتحقيقات
نافذة الأشبال

ملف مصور

 

 

 

 

باشتراكك في القائمة البريدية ستصلك رسالة أسبوعية تحتوي على جديد الموقع


بريد المشكاة

المنظمة

جوال المشكاة

  |   عن الموقع   |   اتصل بنا   |   مؤتمرات   |   مواقع صديقة   |  

جميع الحقوق محفوظة لشبكة المشكاة الإسلامية | 2001 - 2009

Developed By Meshkat Team