الحمد لله الذي جعل الجهاد في سبيل الله رهبانية الاسلام، وذروة سنامه، فأعز به المؤمنين وأكرمهم، وأذل به الشرك والمشركين وأهانهم.
فالجهاد في سبيل الله بنوعيه: جهاد الطلب، والدفاع-ماضٍ إلى يوم القيامة، وما ترك المسلمون جهاد الكفار والمنافقين وركنوا إلى الدنيا إلا ذلوا وهانوا على أعدائهم: "إذا ضن الناس بالدينار والدرهم، وتبايعوا بالعينة[1]، وأتبعوا أذناب البقر وتركوا الجهاد في سبيل الله، أنزل الله بهم بلاء فلم يرفعه عنهم حتى يراجعوا دينهم[2].
فجلّ المسلمين اليوم مفرطون – إلا من يباشر الجهاد بنفسه أو ماله وينوي الغزو منهم – لتركهم فريضة الجهاد وركونهم إلى الدنيا فاستبدلوا الذي هو أدني بالذي هو خير، فسلط الله عليهم أعداءهم فساموهم سوء العذاب، فقتلوا أبناءهم ونساءهم واستباحوا حرماتهم، واغتصبوا أراضيهم وممتلكاتهم، وتركوهم في حال لا يحسدون عليها أبدا:
من يهن يسهل الهوان عليه
ما لجرح بميت إيلام
لم يكتف المسلمون اليوم بترك جهاد الطلب الذي هو أسّ الجهاد، بله تقاعسوا وتخاذلوا عن نصرة إخوانهم المضطهدين في دينهم ، المحاربين في أوطانهم وديارهم المسلوبةحقوقهم، المهانة كرامتهم، المستذلة حرماتهم، كما هو الحال في فلسطين، وأفغانستان، وكشمير، والهند، وغيرها من بلاد المسلمين، بل لم يكتفوا بالخذلان والوقوف متفرجين على إخوانهم المغلوبين، وإنما حارب بعضهم جنباً إلى جنب مع الكفار وتجسسوا على إخوانهم، كما حدث في أفغانستان، وقدموا تسهيلاتهم لقوات العدو ليقضوا على دولة الطالبان.
أرجو أن تقارن أخي المسلم بين حالنا وحال سلفنا في هذا المضمار، لترى البون الشاسع والفرق الواسع بين حال الناس اليوم وحالهم بالأمس، وبين جيوش اليوم ومجاهدي الأمس.
عندما وصل القائد المسلم عقبه بن نافع –رحمه الله- المحيط الأطلسي، بعد أن فتح كل شمال أفريقيا، قال :"يارب! لولا هذا البحر لمضيت في البلاد مجاهداً في سبيلك"، ثم قال اللهم أشهد أني قد بلغت المجهود، ولولا هذا البحر لمضيت في البلاد أقاتل من كفر بالله حتى لا يعبد احد من دونك"، ثم وقف ساعة وقال لأصحابه: ارفعوا أيديكم، ففعلوا، فقال :" اللهم! إني لم أخرج بطراً ولا أشراً ، وإنك لتعلم إنما نطلب السبب الذي طلبه عبدك ذو القرنين، وهو أن تعبد ولا يشرك بك شئ، اللهم إنا معاندون لدين الكفر، ومدافعون عن دين الإسلام، فكن لنا ولا تكن علينا، يا ذا الجلال والإكرام!" ثم انصرف راجعاً[3].
وعندما نادت المرأة المسلمة المعتصم بدار السلام "بغداد" وهي بعمورية "أنقرة" وقالت : "وا معتصماه"، قال لها" لبيك يا أمة الله، ولبس لأمته[4]، وعبأ جيوشه، وذهب لخلاصها من الأسر، وضم تلك الرقعة إلى الدولة الاسلامية.
وما فعله المعتصم العباسي فعله الخليفة الاموي الحكم بن هشام بالأندلس، عندما استغاثت به امرأة كذلك في ناحية وادي الحجارة بالأندلس قائلة: " وا غوثاه! يا حكم! قد ضيعتنا وأسلمتنا واشتغلت عنا، حتى استأسد العدو علينا"
فلما وفد عباس إلى الحكم- وهو أحد عماله-رفع شعراً يستصرخه فيه، ويذكر قول المرأة واستصراخها به، وأنهى إليه عباس ما عليه الثغر من الوهن والتياث الحال، فرثى الحكم للمسلمين، وحمى لنصر الدين، وامر بالاستعداد للجهاد، وخرج غازياً لأرض الشرك، فأوغل في بلادهم، وافتتح الحصون وهدم المنازل، وقتل كثيراً، وأسر كذلك، وقفل على الناحية التي كانت فيها المرأة، وقال لأهل تلك الناحية وللمرأة: هل أغاثكم الحكم؟ قالوا شفى والله الصدور، ونكى في العدو، وما غفل عنا، إذ بلغه أمرنا، فأغاثه الله أعز نصره[5]
فمن للمستغيثات والمستغيثين في فلسطين وأفغانستان وكشمير والهند؟ فليستغيثوا بمن شاؤوا من المسلمين، ولكن ليس لهم من مغيث إلا الله، ولله در القائل:
رب وا معتصماه انطلقت
ملء أفواه الصبايا اليتم
لا مست أسماعهم لكنها
لم تلامس نخوة المعتصم
والله أسأل أن يوفق المجاهدين في سبيله وان يجعل جهادهم خالصاً لوجهه الكريم، ولنصرة هذا الدين، وأن يسدد سهامهم وآراءهم، ويخذل أعداءهم ومن والاهم .
----------
[1] أن يشتري السلعة بدين إلى أجل ثم يبيعها لمن اشتراها منه بأقل من الثمن الذي اشترى به.
[2] حسن كما جاء في فيض القدير،1/397، رواه أحمد والطبراني في الكبير، والبيهقي في شعب الايمان
[3] الكامل لابن الأثير، 3/308-309
[4] اللأمة الدرع
[5] البيان المغرب،2/72