|
| الانفاق |
من علامات حب العبد لله إيثار محاب الله على محبوبات نفسه, ومخالفة هواه في سبيل نيل رضى ربه؛ وكيف لا يُحب من كان للحب أهلاً قد جمع صفات الكمال والجلال والجمال, وهذا المحبوب يأمر بكل خير وينهى عن كل شر كما قال تعالى: (إنّ الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكرو البغي يعظكم لعلكم تذكرون).
ولما كان الله خالق هذا الإنسان فهو عليم بحاله (ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير), فقد علم المولى حب الإنسان للمال كما قال عز وجل: (وإنه لحب الخير لشديد) أي: حب المال. ومن هنا نرى أنّ الأدلة قد تنوّعت وتتابعت لتهذب تلك الفطرة ولتنتزع من الإنسان الشح ـ الذي جُبِل عليه ـ فقد مدح الله تعالى من وُقِي شره فقال: (ومن يُوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون) قال عبد الرحمن السعدي: "ولكن ثَمَّ آفة تمنع كثيراً من الناس النفقة المأمور بها, وهو الشح المجبولة عليه أكثر النفوس, فإنها تشح بالمال, وتحب وجوده, وتكره خروجه من اليد غاية الكراهية" وقال رحمه الله: ـ عند قوله تعالى ـ (قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذاً لامسكتم خشية الإنفاق وكان الإنسان قتوراً) الإسراء "أي: خشية ما تنفقون منه, مع أنه من المحال أن تنفد خزائن الله, ولكن الإنسان مطبوع على الشح والبخل" [تفسير السعدي].
فلنقف مع بعض معاني الإنفاق الوقفات التالية:
أولاً: إنّ الإنفاق دليل وبرهان على صدق إيمان العبد كما قال النبي صلى الله عليه وسلم (والصدقة برهان) رواه مسلم. ومدح الله المؤمنين العاملين بمقتضى إيمانهم فقال: (الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون) وقال: (إنما المؤمنون الذين إذا ذُكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً وعلى ربهم يتوكلون الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون أولئك هم المؤمنون حقاً), وهل يدفع نقداً وينتظر نسيئة إلا مؤمن واثق بمن وعده؟.
ثانياً: إنّ الإنفاق هو مقدمة للجهاد في سبيل الله, ففي كثير من الآيات ـ بل كلها إلا واحدة ـ ذُكر الجهاد بالمال قبل ذكر الجهاد بالنفس كقوله تعالى: (إنّ الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سيبل الله بأموالهم وأنفسهم...) [الأنفال 71] وهذا يدل على أنّ: "الجهاد بالمال مقدم على الجهاد بالنفس" ـ كما يقول الفقهاء ـ وإنّ مما يدعو للتأمل والتفكر قول الباري جلا وعلا: (كتب عليكم القتال وهو كره لكم) عقب قوله (يسألونك ماذا ينفقون) فقد ربط الله بين الجهاد والإنفاق في سبيله.
ثالثاً: المتصدقون هم الذين يقومون بالأعمال الجليلة لأنّ الصدقة تَقِي شح النفس بالمال فيتق العبد شح نفسه عن فعل الخيرات فيوفقه الله لها فقد وردت في غير ما آية هذه المعاني ومنه قوله جل وعلا: (الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار) وقوله: (كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون وبالأسحار هم يستغفرون وفي أموالهم حق للسائل والمحروم), (تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً ومما رزقناهم ينفقون).
رابعاً: إنّ النفقة على الفقراء والمساكين من المؤمنين تحقيقٌ لمعانى الولاء فالمتصدق يقف بجانب إخوانه ويواسيهم بماله.
خامساً: ومن أعظم معاني الإنفاق أنه يدل على حب الله عز وجل وأنّ حبه فوق حب المال والعبد لا يترك محبوباته إلا لمن هو أحبّ، والمنفق واثق بوعد الله الذي لا يُخلَف في الدنيا والآخرة فهو عز وجل يملك الوفاء وقد قال: (وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين) ويعلم العبد أنه: (يجزي المتصدقين) و (لا يضيع أجر المحسنين).
يامن كان معسراً فمنّ الله عليه تذكر إخواناً لك كنت بالأمس مثلهم فقيراً تأمل الغنى فأغناك الله, معدماً فأعطاك الله وتذكّر بأنّ نفقتك مما أعطاك الله نوع من شكرها وبها تنال الأجر والبركة والإخلاف بخير مما تصدقت به في الدنيا والآخرة, وتذكر أنّ امرأة بغياً سقت كلباً وقالت لقد بلغ بهذا الكلب من العطش مثل الذي بلغ بي فغفر الله لها. فقد بلغ بإخوانك من الفقر والحاجة مثل الذي كان بك أو أشدّ, وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من كان عنده فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له ومن كان عنده فضل زاد فليعد به على من لا زاد له) روه مسلم, فاشكر النعمة بالصدقة مما آتاك المنعم المتفضل الذي أعطى أول مرة يُخلِف الأولى ويعطي الثانية.
بشرى للفقير بأجر الغني:
إنّ العبد الصادق في نيّته لفعل الخير العازم على ذلك يعطيه الله عز وجل ثواب فعله إذا نسيه أو صرفه عنه أمر آخر فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من همًّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة كاملة) وقال: (إذا مرض العبد أو سافر كتب له ما كان يعمله صحيحاً مقيماً) وقال ـ لأصحاب غزوة العسرة ـ (إنّ أقواماً خلفنا بالمدينة ما سلكنا شعباً ولا وادياً إلا وهم معنا حبسهم العذر), وقال: (إنما الأعمال بالنيّات وإنما لكل امريء ما نوى).
ومما يؤكد هذا الثواب العظيم قول النبي صلى الله عليه وسلم: :(إنما الدنيا لأربعة نفر ـ وذكر منهم ـ عبد رزقه الله مالاً وعلما فهو يتقي فيه ربه ويصل فيه رحمه ويعلم لله فيه حقاً فهذا بأفضل المنازل وعبد رزقه الله علما ولم يرزقه مالا فهو صادق النية يقول لو أن لي مالاً لعملت بعمل فلان فهو بنيّته فأجرهما سواء) رواه الترمذي, انظر كيف نال أجره مع أنه لا يكد في جمع المال والمجاهدة والإخلاص في إنفاقه وإنما فقط بما وقر في قلبه من نيّة صادقة.
كما يمكن لمن لا يملك المال أن يدل على مكان الإنفاق ويحث عليه, كما قال نبينا محمد صلى الله عليه وسلم: (من دلّ على خير فله مثل أجر فاعله) رواه مسلم في صحيحه.
وأقل ما يستطيعه الفقراء هو أن يتذكروا قول النبي صلى الله عليه وسلم عندما شكى له أناس من أصحابه أنّ أهل الأموال سبقونا في الأجر بالصدقة من أموالهم وليس لنا ما نتصدق به فقال لهم عليه الصلاة والسلام: (أوليس قد جعل الله لكم ماتصدقون به: إِنَّ بِكل تسبِيحة صدقة وكل تكبِيرة صدقة وكل تحميدة صدقة وكلِ تهليلة صدقة وأمر بالمعروف صدقة ونهي عن منكر صدقة وفي بضع أحدكم صدقة) رواه مسلم. وقال عليه الصلاة والسلام في الحديث المتفق عليه: (تعدل بين اثنين صدقة وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها أو ترفع له عليها متاعه صدقة والكلمة الطيبة صدقة وبكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة وتميط الأذى عن الطريق صدقة) وقال: (كل معروف صدقة) فهل يعجز أحدنا عن صدقة بعد هذا؟
إنّ مما ينفع العبد بعد مماته عملٌ صالح يقدمه بين يديه, لا سيما الصدقة الجارية؛ فقدِّم لنفسك ما تستظل به من حرِّ ذلك اليوم الذي يكون فيه (كل إنسان تحت ظل صدقته), واعلم أنه ليس لك من مالك إلا (ما أكلت فابليت أو لبست فافنيت أو تصدقت فامضيت). وتذكر قول المولى جل وعلا (يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة والكافرون هم الظالمون) قال السعدي: " وهذا من لطف الله بعباده أن أمرهم بتقديم شيء مما رزقهم الله، من صدقة واجبة ومستحبة، ليكون لهم ذخرًا وأجرًا موفرًا في يوم يحتاج فيه العاملون إلى مثقال ذرة من الخير، فلا بيع فيه ولو افتدى الإنسان نفسه بملء الأرض ذهبا ليفتدي به من عذاب يوم القيامة ما تقبل منه، ولم ينفعه خليل ولا صديق لا بوجاهة ولا بشفاعة"
النفوس تحتاج للذكرى فإنها (تنفع المؤمنين) وبعد الذكرى يجب على الإنسان المسارعة (وسارعوا إلى مغفرة من ربكم), قبل أن تفتر الهمة و يسوّف الشيطان فليغتنم العاقل وقت نشاطه وهمته لفعل الخير:
إذا هبت رياحك فاغتنمها فإن لكل خافقة سكون
ولعل مما يعين على الإنفاق:
[1] الاستعانة بالله عز وجل, والاستعاذة به من البخل.
[2] أن تعلم أنّ المال مال الله والله جعلك مستخلف فيه كما قال: (وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه).
[3] أن يتذكر موعود الله عز وجل بالأجر الكريم والثواب العظيم فقد قال: (مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم).
[4] أن يتعود الإنسان على نفقة دورية شهرية أو اسبوعية ـ ولو كانت قليلة ـ فالأمر كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (خير العمل ما داوم عليه صاحبه وإن قل), ولا سيما إذا كانت هذه النفقة على أحد الأقارب فهم أولى بالمعروف, وعندما تراه تتذكره بالصدقة فيذكرك الله بالأجر.
وما أروعَ ما سطره الشيخ عبد الرحمن السعدي في تفسيره يحسن أن يكون خاتمة لموضوعنا: عند تفسير قوله تعالى: (الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلاً والله واسعٌ عليم) قال: "فلما حثهم على الإنفاق النافع ونهاهم عن الإمساك الضار, بيّن لهم أنهم بين داعيين: داعي الرحمن يدعوهم للخير ويعدهم عليه بالخير, والفضل والثواب العاجل والآجل وإخلاف ما أنفقوا. وداعي الشيطان الذي يحثهم على الإمساك ويخوفهم إن أنفقوا افتقروا, فمن كان مجيباً لداعي الرحمن وأنفق مما رزقه الله فليبشر بمغفرة الذنوب وحصول كل مطلوب, ومن كان مجيباً لداعي الشيطان فإنه إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير فليختر العبد أي الأمرين أليق.
وختم الآية بأنه (واسع عليم) أي: واسع الصفات كثير الهبات, عليم بمن يستحق المضاعفة من العاملين, وعليم بمن هو أهل فيوفقه لفعل الخيرات وترك المنكرات".
وقال رحمه الله تعالى: "ولما كان المانع الأكبر من الإنفاق خوف الإملاق, أخبر تعالى بأنّ الغنى والفقر بيد الله, وأنه يقبض الرزق على من يشاء, ويبسطه على من يشاء, فلا يتأخر من يريد الإنفاق خوف الفقر, ولا يظن أنه ضائع, بل مرجع العباد كلهم إلى الله, يجد المنفقون والعاملون أجرهم عنده مدخراً أحوج ما يكونون إليه, ويكون له من الوقع العظيم ما لا يمكن التعبير عنه".