شبكة المشكاة الإسلامية 
آخر تحديث: 30.جمادي الثاني.1433 الموافق: 2012-05-21م

سيد الشهداء  ::  ثلاثيات نبوية (121) ثلاثة لا يقبل الله منهم صرفا ولا عدلا  ::  نساء خالدات (102) الربيع بنت معوذ 1  ::  أحذية الصحابة أطهر من عمائم المجوس  ::  ثلاثيات نبوية (120) ثلاث اخاف على أمتي  ::  نساء خالدات (101) أمامة بنت أبي العاص 5  ::  ثلاثيات نبوية (119) ثلاث وصايا لمعاذ  ::  نساء خالدات (100) أمامة بنت أبي العاص 4  ::  ثلاثيات نبوية (118) ثلاثة مصارف  ::  نساء خالدات (99) أمامة بنت أبي العاص 3  ::  

الإستشارات الفتاوى الأخبار الصفحة الرئيسية

تابعوا المشكاة على تويتر

محاضرات وخطب  -فضيلة محمد سيد حاج رحمه الله

بيان هيئة علماء السودان حول أحداث سوريا

البث المباشر لقناة طيبة الفضائية

البث المباشر لقناة إفريقيا الفضائية

البث المباشر لقناة إفريقيا سواحيلي

 

الرئيسية المقالات

 

 

 

Bookmark and Share

الشيخ الطريفي.. شاعراً

 

د.محمد عمر دولة
باحث إسلامي

2004-07-04

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسولنا الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.

الشيخ الطريفي
وبعد، فما أشبَهَ الشيخَ الطريفي رحمه الله بالحديقة الغنَّاء والروضة الفيحاء، التي يفوح عطرُها من كلِّ مكانٍ، ويفوح شَذاها من كلِّ جانب؛ فما تَلَفَّتَتْ عَيْناك يميناً وشمالاً؛ إلا تلقَّتْهما قَطَراتُ النَّدَى المُتساقِطِ على وَجناتِ الأزهارِ وبسماتُ الأقاحي على صَفَحاتِ الأنهارِ ونسماتُ الصفاءِ في ساعاتِ الأسحار.

فالشيخ الطريفي.. وإن كان فقيهاً متضلِّعاً، ومُفتياً وَرِعاً، ولغوياًّ فَذّاً، فهو كذلك شاعرٌ مُجِيدٌ وأديبٌ أريبٌ رحمة الله عليه.

وقد تنوَّعَتْ أغراضُ شعرِه، وتعدَّدَت مناسباتُ قصائدِه، ضاربةً في أوديةِ العُمرِ، وشعابِ السنين.

فقد قرَضَ الشعرَ وهو غلامٌ يافِعٌ، يرتع في حياضِ معهد أم درمان العلمي، ويغرف منه العلوم النافعة، فقال وهو يُحيِّي أحد مؤتمرات المعهد العلمي في قصيدته الميمية: (تحية المهرجان الثالث):

للمهرجانِ تحيةٌ وســلامٌ

فلــه علينا حُرمةٌ وذِمامُ!

لمعَتْ أشعَّتُه الجميلةُ في الدُّجَى

تُخفي ضياءَ البدرِ وهو تَمامُ

وذلك تضمينٌ بديعٌ لقولِ الشاعر:

وإذا المَطِيُّ بنا بَلَغْنَ محمداً

فظُهورُهنَّ على الرجالِ حرامُ

قرَّبْنَنا من خيرِ من وطىء الثَّرَى

فلها علينا حُرمةٌ وذِمامُ

وفي هذا التضمينِ دلالةٌ على حفاوةِ الشيخ بهذا المهرجان الذي خاطبَه بقولِه:

يا مهرجانَ العلمِ جئتَ مُبَلِّغاً

لرسالةٍ ضَنَّتْ بها الأيامُ

فحللتَ بين صُفوفِنا ورِواقِنا

سَهلاً رَحِيباً فاحَ فيه خُزامُ

ثم بَيَّن رَحِمَه اللهُ فضلَ المعهدِ العلمي، وأثرَه في تربيةِ الأجيالِ، وقد خصَّ من ذلك الحفاظَ على اللغة العربية لسان الشرع الحنيف، وإحياء العلوم الشرعية، وكذلك عناية المعهد بالوظيفة التربوية، فقال:

نشرَ الثقافةَ في البلادِ جميعِها

فتنوَّرَتْ بعلومِه الأحلامُ

صانَ اللسانَ عن الفسادِ حمايةً

وأبان شرعاً للعبادِ يُقامُ

ضمَّ الهُدَى والعلمَ تحت ظلالِه

وغَدَتْ صُنوفُ البرِّ فيه تُسامُ

وقد أحسنَ الشيخُ التعبيرَ عن مشاعرِه الحميمة التي يُكِنُّها تُجاهَ المعهد الذي ترّبَّى فيه، فقال:

يا مَعهدي يا مَن ألِفْتُ رُبُوعَه

يا مَن بِسِيرتِه يَطيبُ كلامُ

قد أمَّكَ الرُّوَّادُ مِن أقطارِهم

ونَمَى بحقلِِك راشِدٌ وغلامُ

جَهِلَتْك أقوامٌ تعامَوا جهرةً

وضياءُ نورِك لامِعٌ بسَّامُ

وما أحسنَ قولَه البديع:

ما أظْهَرَتْك رسالةٌ أدَّيْتَها

بل أظهَرَتْك لدَيْهم الأيتامُ

هذا لَعَمري مَوقفٌ مُستغرَبٌ

يَبكِيهِ طَرْفٌ دامِعٌ مِسْجامُ

ولا يخفى على القارىء هذا القاموسُ اللغوي والأدبي عند الشيخ الطريفي الذي يَتَّسِمُ بالرَّصانةِ والفصاحة؛ مما يُبَيِّنُ إجادتَه للصُّوَرِ الشِّعريَّة وعُمقَ مَعرفتِه باللغة العربية وسعةَ اطلاعِه على المعاجم في ذلك العُمرِ المُبكِّر:

فيك البلاغةُ أوْرَفَتْ أشجارُها

وعلومُ تشريعٍ بها أحكامُ

وفنونُ آدابٍ سَمَتْ أفنانُها

وتفتَّحَتْ برياضِها الأكمامُ

وجمعتَ كلَّ طريفةٍ وتليدةٍ

من كلّ فنٍّ يُبتغَى ويُرامُ

ويُلاحَظ في هذه القصيدة تأثُّرَ الشيخ الطريفي بالأساليب العربية القديمة؛ وذلك أمرٌ مألوفٌ فيما يكتبه الشعراءُ في مَطلعِ حياتهم، مثل قوله:

للمعهدِ العِلميِّ فَضلٌ ثابتٌ

قد آمنَتْ قُدُماً به الأقوامُ

وبه لِسِيماءِ الجَلالِ مَهابةٌ

وبه رِجالٌ سادةٌ أعْلامُ

فتحية عُظمى إلى أستاذِنا

ما طَلَّ أزهارَ الرياضِ غَمامُ

وللشيخ الطريفي رحمه الله براعةٌ في المدحِ والثناءِ؛ فقد جُبِل الشيخُ على رِعايةِ الوُدِّ وحفظِ العهد وشُكرِ مَن أحسنَ إليه.

ويظهر ذلك في قصائدَ عِدَّةٍ، منها: قصيدة (تحية شُكر لأهلِنا بحلفاية الملوك)، التي مطلعها:

حلفايةَ المجدِ دُومي للعُلا أبدا

وطاوِلي الشمسَ فخراً في تساميها

عَلوتِ شأناً ومِقداراً ومنزلةً

وحُزتِ مَرتبةً عَزَّتْ مَراقِيها

وتفوحُ من القصيدة مَحبةٌ صادقةٌ ووُدٌّ خالِصٌ، كما في قوله رحمه الله:

هذي رحابُكِ بالأخيارِ عامِرَةٌ

وبالأماجِدِ في شتَّى نَواحيها

سَمَوْتِ حقّاً بأعلامٍ جهابذةٍ

لهم مآثِرُ أضحى الكلُّ يرويها

أمثال أستاذِنا عون الشريف وقد

شَرُفَتْ قبلاً بقاضيها ومُفتيها

حتى قال رحمه الله في فَيضِ مشاعرِه:

معاشِرَ الأهلِ إنِّي عاجِزٌ أبداً

عن شُكرِكم بعباراتٍ أُوَفِّيها

قد هَبَّ داعي النَّدَى منكم على عجلٍ

يدعو الأفاضِلَ من أوساطِ نادِيها

جزاكم اللهُ عنِّي كلَّ عارِفةٍ

وزادكم بركاتٍ منه يزْجِيها

وأما شعرُ الرثاءِ، فقد تضمَّنَ أجملَ قصائدِ الشيخ الطريفي رحمه الله؛ وذلك أثرٌ لوفائه وبرِّه بمن يُحِب، فقد رثى صاحبَه الشيخ يوسف العالم في قصيدتِه البائيَّة:

مُصابٌ له اهتزَّتْ مَشاعرُ ذي النُّهَى

وأضحَتْ مِنَصَّاتُ المعارِفِ تندُبُ

وخطبٌ جسيمٌ للفؤادِ مُرَوِّعٌ

وجُرحٌ عميقٌ نَزْفُه ليس يَنضبُ

وفي القصيدة عباراتٌ أنيقةٌ ومَعانٍ رقيقةٌ وعاطفة جيَّاشةٌ، كما في قوله رحمه الله:

أيوسُفُ وا حُزنَ القلوبِ عليكُمُ

ويا ضَيعةَ العافي الذي جاء يطلبُ

فيا لوعةَ القلبِ الكئيبِ من الأسَى

ويا حرَّ أضلاعٍ غَدَتْ تتلهَّبُ

فقدناك فِقدانَ النسيمِ وليتنا

فديناكَ بالأرواحِ تُعطَى وتُوهَبُ

وقد ذكر الشيخ الطريفي مناقبَ صاحبِه (العالِم)، لاسيما تأسيسه (كلية القرآن الكريم)، فقال:

فهذا كتابُ اللهِ شَيَّدتَ صَرحَه

لطالبِ قرآنٍ يجيء ويذهبُ

وأعددتَ من دُورِ المساجدِ مَنْهَلاً

يَعُبُّ به مَن جاء فيها ويشربُ

منابع علمٍ كم سعيتَ تؤمُّها

يَفيضُ بها العرفانُ والجهلُ يُحجََبُ

فيا لهفتا إنا فقدنا مُجاهِداً

يخُطٌّ دُروبَ المجدِ دوماً ويكتبُ

لئن غاب عن دنيا الوُجودِ فكم له

مآثرُ لا تبلى ولا هي تذهبُ

وللشيخ الطريفي رثاءٌ لأخيه في (معهد أم درمان العلمي) عبد الله محمد علي النويري مطلعها:

أنستعيبُ الأيامَ فيما ترومُه

وهل تُسبَقُ الأيامُ فيما تُداوِلُ

ولو أنَّ نفساً تفتدي من حِمامِها

لفَدَّاكَ قومٌ أكرمون جَحافلُ

فيا رب أنزِلْهُ مُقاماً مُكرَّماً

بجنَّاتِك العليا بها الخيرُ نائلُ

وأطفاله الزغب الحواصلِ عُمَّهم

بألطافِك العظمى بها الفضلُ شاملُ

وللشيخ الطريفي رثاءٌ لشيخيه هاشم وأحمد العاقب في قصيدته الرائية، التي قال فيها:

أعَيْنَيَّ جُودا واسكُبا الدمعَ دامِياً

غزيراً كدفنِ السارياتِ المواطِرِ

بُكاءً على رُكنَيْن للعلمِ هُدِّما

فللهِ ما أقوى خُطوبَ الدوائرِ

فقدناهما فقدَ النَّدَى لمؤمِّلٍ

ومُرتقِبٍ عُقبَى المُنَى والمصائرِ

فيا لَهْفَ نفسي والحوادثُ جمَّةٌ

وصَرْفُ الليالي ضدَّ صفوِ الخواطِرِ

خليلَيَّ مَنْ للعلمِ من بعد هاشمٍ

وأحمد محمود النُّهَى والسرائرِ

فهذا له في الفقهِ فضلٌ مؤكَّدٌ

وذاك له في النحوِ كلُّ المَفاخِرِ

فهل أنصَفَ الأقوامُ يومَ ترَحَّلا

بإقبارِهم وسطَ الحشا والضمائرِ

وقد رثى الشيخ الطريفي أستاذ القرآن الشيخ محمد سليمان صالح بقصيدةٍ جميلةٍ، مطلعها:

يا عينُ جُودي بالدموعِ السوافِحِ

ويا نفسي ذُوبِي بين غادٍ ورائحِ

فما أفدَحَ الجُرحَ العميقَ بفقدِه

وما أفظعَ الأهوالَ ذاتَ الجوائحِ

وما أحسنَ قولَه فيها:

أخا العلمِ أوْحَشتَ الديارَ وأهلَها

وخَلَّفتَها ترثي بكلِّ الجَوارِحِ

وأوْحَشتَ صَرحاً كان بالأمسِ حافِلاً

بكم وبآياتِ الكتابِ النواصِحِ

و(كليةُ القرآن) كنتَ جَمالَها

ورُكناً لها رمزَ المعاني الصوالِحِ

حتى قال رحمه الله:

وهاهم رفاقُ الدرسِ يَنعَوْنَ شخصَكم

بأزكى المراثي طيِّباتِ الروائحِ

ولو كان في مَقدُورِهم أو بوُسْعِهم

لأُقبِرْتَ بين النُّهى والجوانِحِ

ولكنَّ واسطةَ العِقدِ في دِيوانِ الشيخِ الطريفي قصيدتُه الحائية في رثاءِ شيخِه (محمد مجذوب مدثر)؛ فهي أجملُ قصائدِ الديوانِ وأروعُها لغةً، وأكثرُها سلاسةً، وأقواها عاطفةً:

مجذوبَ أهلِ الفضلِ يا رمزَ التُّقى

اليومَ نذكرُ وجهَك الوضاحا

اليومَ نذكرُكم ونذكرُ فيكُمُ

شخصاً سما فوق النجومِ سماحا!

قد كنتَ يا شيخَ المشايخِ مَعْلَماً

تهدي السبيلَ لمن أراد فَلاحا

ما إنْ ذكرتُكَ سيِّدي إلا وقد

سَكَبَتْ عيوني دمعَها السَّحَّاحا

يا مُهجتي ذُوبي عليه تحسُّراً

وتفَجَّرِي كَبِدي عليه جِراحا

ثم طفق الشيخ الطريفي يذكر مآثر شيخِه وهيبتَه ووقارَه وملكاته التربوية، فقال:

يا شيخَنا قد كنتَ حَبْراً عارفاً

باللهِ تُرشِد في الورى أرواحا

كم من مُريدٍ نالَ خيراً وافِراً

من فَيْضِكم وتسلَّمَ المفتاحا

وحباكَ مولاك المهيمن هيبةً

وكساكَ من ثوبِ الوقارِ وِشاحا

ثم ذكرَ فقهَه وعلمَه وفتواه بالمذهبين المالكي والشافعي ومجالسَه العامرة التي انقضَتْ وانصَرَمَتْ، فقال:

هذي مَجالسُكم يفوحُ عَبِيرُها

مِسْكاً ذَكِيّاً أو شَذًى فَوَّاحا

تُفتِي بها للشافعيِّ ومالكٍ

من جاء يسعى غُدوةً ورَواحا

مَنْ للغوامِضِ والعَوائصِ بعدَكم

يُجلي القِناعَ ويُبهِرُ الشُّرَّاحا؟

ثم ختم قصيدتَه بتعزية الدنيا في شيخِه الذي جمعَ بين العلمِ والعمل، فقال:

رُزئتْ به الدنيا ورُوِّعَ أهلُها

وتصَدَّعَتْ أكبادُها أتراحا!

هَبَّ النسيمُ لكم يؤُمُّ رِحابَكم

ما انْهَلَّ مُنسَكِبُ الغَمامِ صَباحا

يروي ضَرِيحاً ضَمَّ جِسْماً طاهِراً

وإمامَ هَدْيٍ لم يَزَلْ مِصْباحا!

ولشعرِ الشيخ الطريفي أغراضٌ أخرى متفرِّقة، منها الشوق والحنين، ومنها الشكر والثناء، ومنها الشكوى، ومنها قصائد إسلامية أخرى.

ففي غَرَضِ الشوق والحنين، نظمَ الشيخ الطريفي قصيدةً داليةً يشكو غُربتَه ويَحِنُّ إلى أهلِه، وهي من أرقِّ قصائدِه وألطفِها، سمَّاها: (ذكرى وحنين إلى الأهلِ والبنين):

لَدَى النفسِ يا نور حنينٌ يُردِّدُ

ودارٌ بها نور تنوءُ وتبعدُ

ترامَتْ بنا الأقطارُ والقلبُ مُشْفِقٌ

وحالَتْ وِهادٌ شاسِعاتٌ وأنجُدُ

ويستعير الشيخ من قاموسِ امرىء القيس، فيقول:

وكادتْ غداةَ البَيْنِ والبَيْنُ مؤلِمٌ

تُصَدَّعُ أكبادٌ لنا وتُبَدَّدُ

وهي قصيدةٌ تبيِّن ما كان يُعانيه الشيخ من معالجةِ دواوين الشعر القديم؛ لاسيما شعر الفراق والنَّوى الذي تنفطر منه أكبادُ العشاق:

يُذكِّرُني التَّحنانُ أهلاً ومَرْبَعاً

وعَيشاً كريماً بالفضائلِ يُحمَدُ

وإنِّي لَتَعْرُوني إذا ما ذَكرتُهم

أحاسيسُ وِجدانٍ تقيم وتقعدُ

تذكِّرني الأيامُ لُطفاً ورِقةً

وعطفاً عظيماً بالحنانِ يؤكدُ

فيا لِي مِن الذِّكرَى ويا لِي من النَّوَى ويا لي من التبريحِ يسمو ويصعدُ

ثم يتوجَّهُ الشيخ بالتضرُّعِ إلى ربِّه أن يجمع شملَه بأهلِه ويُلاقيه بولدِه:

ويا ربّ شخص بات يندب حظَّه

فجاءتْهُ ألطافٌ من اللهِ تُنجِدُ

فأضحى مُقيماً بين أهلٍ ومعشرٍ

وطاب له المثوَى الذي كان ينشدُ

ثم يُودِّعُ الشيخُ قصيدتَه بمشاعرِ الحنينِ والشوقِ الدفين:

فهل من سبيلٍ يا نوارُ لقربِنا

ليُتحِفَنا بالأُنسِ طفلُكِ أحمدُ؟

لقد مرَّ طيفٌ من خيالِك مُسرِعاً

بوصلي وشوقي زائدٌ يتجددُ

فيا رب ثَبِّتْ من جفا عينَه الكَرَى

وأمسى قريحَ الطرفِ وهو مُسَهَّدُ

عسى الله أن يأتي بِغَوثٍ مُعَجَّلٍ

به تنقضي الأوطارُ والنفسُ تسعدُ

لعلَّ إلهَ العرشِ يُدني مزارَنا

ويُطفيء ناراً في الحشى تتوقدُ

ومن قصائد الشيخ الطريفي في الشكر والثناء: قصيدته في (تحية أطباء مستشفى الملك خالد)، مطلعها:

تحية وُدٍّ للأطباءِ الأماجدِ

بمستشفى ذي الفضلِ والمجدِ خالدِ

وكذلك قصيدته (تحية للطبيب الدكتور عبد الله الشائع):

نُحَيِّي الطبيبَ أبا جابرِ

نُحَيِّيه من حاذِقٍ ماهِرِ

نُحَيِّي التواضعَ في شخصِه

ونُكثِر من ذكرِه العاطِرِ

عرفناه رمزَ الشبابِ الطموحِ

ورمزاً لمستقبلٍ زاهِرِ

وما أحسنَ قولَه في الثناءِِ:

عرفناه شخصاً ذكيَّ الفؤادِ

حميدَ السريرةِ والظاهرِ

وتلك المَخائلُ في وجهِه

تُشير إلى قلبِه الطاهرِ

ثم شهد له الشيخ بالذكاء والنجابة بقوله:

لقد كان من بين أقرانِه

مثالَ الفتى النابغِ النادرِ

فأنت لدى الأملِ المُرتَجَى

لنا وللوطنِ العامِرِ

حتى قال رحمه الله:

بقيتَ تُداوي الأليمَ الكليمَ

فيأخذُ من عطفِك الغامِرِ

فدُمْ خالداً يا طبيبَ النفوسِ

نُفدِّيك مِن عارفٍ باهِرِ

ومن ألطفِ قصائد الشيخ الطريفي قصيدته (الطريفي يندب رباعيته السفلى)، وهي قصيدةٌ ظريفةٌ في موضوعِها، لطيفةٌ في ألفاظِها ومعانيها:

تعالَوا رفاقَ الصدقِ واستمِعوا معاً

مَقالي بما قد أحْدثَ المَلَوانِ!

تساقطَت الأسنانُ منِّي كأنما

تساقطَ عِقدُ من فُصُوصِ جُمانِ!

وولَّتْ رباعاتي وحلَّ محلَّها

بدائلُ لا تقوى لِسَدِّ مكاني

فأضحى فمي من فقدِها متأثِّراً

يُعاني ويشكو ما جَنَى الحَدَثانِ

وهذي شِفاهي أصبحَتْ تفقد القوى

على ضبطِ ألفاظٍ وحُسن بيانِ!

وقد أظهرَتْ مني النواجذُ حسرةً

تعبِّرُ عن فَقدٍ وعن أحزانِ

وعجَّ لساني بالشَّكاةِ تأفُّفاً

على عَزلِ أسنانٍ وجَورِ زمانِ

لقد كنتِ يا أسنانيَ البيض زينةً

لثغري ومِعواناً لنطقِ لساني

فيا رب عَزِّزْ ما بقي من نظامها

دواماً وثَبِّتْ باليقينِ جَناني!

وللشيخ الطريفي قصائد إسلامية، مثل قصيدته في (هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة)، ومنها قوله:

وأسَّسَ للإسلامِ ركناً ودولةً

وأيَّدَ شرعَ اللهِ والأمرُ حازمُ

فيا أيها الأقوامُ إنَّ تُراثَكم

عليه لِشاراتِ الجلالِ تمائمُ

وتشتمل القصيدة على استنهاضِ لشبابِ الأمة:

فهل يا بني الإسلامِ من بينِكم فَتى

له عزماتٌ صادقاتٌ حَواسِمُ

يقوم فيبني مجدَ آبائه الأُلى

بسُلطانِهم بأسٌ شديدٌ وصارمُ

وهذا شبابُ اليومِ يرقصُ لاهياً

فكيف بكم والخطبُ أسودُ فاحِمُ؟

فَهُبُّوا حُماةَ الدينِ من غفلاتِكم

ورُدُّوا إلى الإصلاحِ مَنْ هو آثِمُ

ومن أجملِ قصائدِ الشيخ الطريفي قصيدته (من ذكرى فلسطين)، فهي تبين حرقةَ الشيخ وهمومه الإسلامية:

فلسطينُ يا أرضَ المعادِ كفاكِ

بأن يعتلي الغُصَّابُ رَحبَ فِناكِ!

ذكرناكِ والحزنُ العميقُ مُخَيِّمٌ

له وَخزةٌ في البَسطِ والإمساكِ

ذكَرْنا رِحابَ القُدسِ فيها طهارةٌ

ومهدٌ لأهلِ الفضلِ والنُّسَّاكِ

ذكرنا العَذارى الدامياتِ قلوبُها

من الحُزنِ والجفنُ المُقَرَّحُ باكي

وهذه القصيدة تتضمن عاطفةً صادقةً وروحاً إسلاميةً عاليةً، كما في قولِه رحمه الله:

فوا حُرقةَ القلبِ الكئيبِ من الأسَى

ويا وَصمةَ العارِ الفظيعِ القاسي

فهذا صبيٌّ في العراءِ مُشَرَّدٌ

يُقاسي صُنُوفَ الذُّلِّ تحت سَماكِ

وذاك مُسِنٌّ في الخِيامِ مُعَذَّبٌ

يذوق مريرَ العيشِ فوقَ ثَراكِ

أتبقى فلسطينُ السليبةُ دائماً

تَجِلُّ على الإنقاذِ والإدراكِ

يَعِيثُ بنو صهيون فيها على المَدَى

فساداً يدوسون المقامَ الزاكي

وما أحسنَ قولَه فيها:

فلسطينُ يا مهدَ الرسالةِ والنُّهَى

ويا مَهبَطَ الإيحاءِ والأملاكِ

فإنك مأساةٌ لقد طال عهدُها

وناءَ بقاسي حِملِها مَغْناكِ

ثم توجَّهَ الشيخُ يدعُو المسلمين إلى استنقاذِ المسجد الأقصى الأسير:

فيا إخوةَ الإسلامِ هُبُّوا من الكَرَى

وخلُّوا الهُوينى للضعيفِ الشاكي

وصُولُوا على الأعداءِ صَولةَ حازِمٍ

وقولوا لأرضِ القدسِ نحنُ فِداكِ

فإنَّا قد عقدنا العزمَ واللهُ ناصِرٌ

لنثارَ ممَّن قد أباحَ حِماكِ

فأرواحُنا مبذولةٌ ودماؤنا

تَجُذُّ أُصولَ الكفرِ والإشراكِ

ألا رحمة الله على الشيخ الطريفي، وجزاه عن هذه الأمة خيراً؛ فقد كانت قصائدُه من دلائلِ صِدقِه، وكان شِعرُه صُورةً من مَشاعرِه، رحمه الله.

ووالله ما يمُرُّ بِيَ البيتُ الجميل أو القصيدة البديعة؛ إلا تَذكَّرْتُ الشيخَ الطريفي، وحَنَنْتُ إليه، ووَدِدْتُ لو أنْشَدْتُه بين يديه رحمة الله عليه. فأقول كما قال مُتمِّم بن نُوَيْرَة يرثي أخاه مالكاً:

وقالوا: أتبكي كلَّ قبرٍ رأيتَه

لقبرٍ ثَوَى بين اللِّوى فالدّكادكِ؟

فقلتُ لهم إنّ الأسى يبعث البُكَا

ذَرُوني فهذا كلُّه قَبرُ مالكِ!




مواد ذات صلة

 

التلاوات
الصوتيات
الأناشيد
المقالات
الملفات
البحوث والدراسات
المرئيات
الحوارات والتحقيقات
نافذة الأشبال

ملف مصور

 

 

 

 

باشتراكك في القائمة البريدية ستصلك رسالة أسبوعية تحتوي على جديد الموقع


بريد المشكاة

المنظمة

جوال المشكاة

  |   عن الموقع   |   اتصل بنا   |   مؤتمرات   |   مواقع صديقة   |  

جميع الحقوق محفوظة لشبكة المشكاة الإسلامية | 2001 - 2009

Developed By Meshkat Team