الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وبعد:
لقد امتن الله على عباده بنعمٍ عظيمة، ومننٍ جليلة، فبعد أن خلق ورزق، هدى إلى صراط مستقيم وجعلنا من أتباع سيد المرسلين فالحمد لله رب العالمين. ثم أتبعها عز وجل بمنحة أخرى فجعل لنا مواسم للخيرات وفعل الصالحات, وعوضنا عن عمرنا القصير بليلة هي خير من عبادة ألف شهر, من حُرم خيرها فقد حرم، وتلاها بنعمة أخرى إذ أبقانا حتى أدركنا هذا الشهر ونحن في عافية وصحة وكمال عقل وقوة وتذكر نية وعَقْدها على فعل الخيرات. فله الحمد ملء السماوات وملء الأرض وملء ما شاء ربنا من شيء بعد أهل الثناء والمجد.
فهل واجب العبد تجاه هذه الآلاء العظيمة والمنن الكريمة إلا الشكر, والشكر كما يكون بالقلب واللسان يكون بعمل الصالحات كما قال عز وجل (اعملوا آل داود شكراً), والله يثيب على هذا الشكر بالزيادة لقوله : (ولئن شكرتم لأزيدنكم).
إنّ من دخل في الشهر بنية امتثال قول الله عز وجل: (كتب عليكم الصيام) حريٌ به أن يتحقق له (لعلكم تتقون). إنّ الصيام إذا وقع كاملاً فإنه لا يعدله شيء كما أوصى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أحد أصحابه (عليك بالصوم فإنه لا عدل له). قال ابن حجر رحمه الله: "الصوم كفارة وزيادة ثواب على الكفارة, ويكون المراد بالصيام الذي هذا شأنه ما وقع خالصاً سالماً من الرياء والشوائب والله أعلم"[فتح الباري ص 111].
إنّ الله عز وجل عليمٌ بخلقه (ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير), حكيم في خلقه وإيجاده وفي أحكامه وتشريعه (إنّ الله عليم حكيم), ثم إنه رحيمٌ ودودٌ؛ ومن مقتضى رحمته وحكمته وعلمه جاء فرض الصيام متوافقاً مع مقدرة العبد الذي أخبر عنه خالقه عز وجل أنه لا يكلفه إلا ما يطيق بل يطيق أكثر مما كلفه به ولكنها رحمته التي وسعت كل شيء قال عز وجل: (لا يكلف الله نفساً إلا وسعها), ومع ذلك هوّن عليه الصوم فقال: (أياماً معدودات) وخفف عليه المشقة فقال: (ومن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر), وأخبر أنه كتبه على من قبلنا فصاموه (كما كتب على الذين من قبلكم).
على العبد أن يعلم أنّه إن أحسن فلنفسه وإن أساء فلا يضر إلا نفسه (من عمل صالحاً فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربك بظلام للعبيد), فهو عز وجل غنى عنا وعن عبادتنا (والله الغني وأنتم الفقراء) ((يا عبادي لو أنّ أوّلكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجلٍ واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً)) [حديث قدسي رواه مسلم].
التقوى هي مقصود الصيام الأعظم كما أخبرنا مولانا (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون), فالتقوى هي وصية الله للأولين والآخرين (ولقد وصينا الذين من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله) ووصية رسول الله صلى الله عليه وسلم (اتق الله حيث ما كنت), وهي سبب لحصول جميع الخيرات من رزق و خير وتكفير للسئيات وإعظام للأجر واكتساب علم نافع, وهل تُنال ولاية الله إلا بتقواه فقد أخبر عن أوليائه أنهم (الذين آمنوا وكانوا يتقون) (إن أولياؤه إلا المتقون). وبها يفوز العبد بالجنة فقد قال الله عن الجنة أنها: (اعدت للمتقين), وكما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكثر ما يدخل الناس الجنة بقوله: (تقوى الله وحسن الخلق), وهل أمنية الإنسان ومنتهى أمله إلا الفوز بالجنة والنجاة من النار؛ لذا كان أكثر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار). وبالجملة إن حصلت التقوى فقد حصل كل خير عاجل وآجل, واندفع كل شر في الدنيا والآخرة.
قال السعدي رحمه الله تعالى في تفسيره: "فإنّ الصيام من أكبر أسباب التقوى, لأن فيه امتثال أمر الله, واجتناب نهيه. فمما اشتمل عليه من التقوى, أنّ الصائم يترك ماحرم الله عليه من الأكل والشرب والجماع ونحوها, التي تميل إليها نفسه, متقرباً بذلك إلى الله, راجياً بتركها ثوابه, فهذا من التقوى. ومنها أن الصائم يدرب نفسه على مراقبة الله تعالى, فيترك ما تهوى نفسه, مع قدرته عليه,لعلمه باطلاع الله عليه, ومنها: أن الصيام يضيق مجاري الشيطان, فإنه يجري من ابن آدم مجرى الدم, فبالصيام يضعف نفوذه, وتقل منه المعاصي, ومنها: أن الصائم في الغالب تكثر طاعته, والطاعات من خصال التقوى,ومنها أن الغني إذا ذاق ألم الجوع أوجب له ذلك مواساة الفقراء المعدمين, وهذا من خصال التقوى" [تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان ص95]
فكيف تحصل التقوى؟ إنّ أول سبيل لتحقيق التقوى هو الإيمان بالله عز وجل و ملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والإيمان بالقدر خيره وشره. ثم أداء الفرائض فإنها أحب ما يتقرب به إلى الله عز وجل كما أخبر سبحانه في الحديث القدسي (وماتقرب إليّ عبدي بأحب ما افترضه عليه...) والصلاة هي أعظم الفرائض وأجلها بعد الشهادتين فمن (حافظ عليها بركوعها وخشوعها وصلاها لوقتها كان له عهد عند الله أن يدخله الجنة). ومن ضيعها أو صلاها في غير وقتها لم يكن له عند الله عهد, بل توعده بقوله: (ويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون) فكيف بمن تركها بالكلية. ثم يتزود بالنوافل ليحبه مولاه. فإن كان هذا شأن التقوى فهل من مشمر لهذه التقوى.
على العبد أن يعلم أنه لا تحول له عن معصية الله والثبات على طاعة الله إلا معونة الله وهي معنى قول العبد لا حول ولا قوة إلا بالله. فمنه التوفيق والسداد, فأول ما يُستقبل به هذا الشهر الكريم:
[1] دعاء الله عز وجل أن يبلغنا رمضان وأن يعيننا على اغتنامه.
[2] استشعار عظمة أجر الصيام وأنّ الله تعالى تولى جزاءه بنفسه فأعظم به من مجزئ.
[3] تذكر أنه أيام معدودات ما إن تبدأ حتى تنقضي.
[4] الاستمرار في الطاعة من أول الشهر حتى ينقضي, فإنّ بعض الناس يبدأ الشهر بجد ثم ما يلبث أن يكسل, وعلى العبد تجديد النية والعزم على فعل الخيرات.
[5] أن يتذكر النتيجة يوم تعرض الصحائف فماذا يتمنى أن تكون فيها؟
وعلى العبد أن لا ينسى إخواناً له باتوا على الجوع, وأخرين مشردين من أوطانهم, وآخرين يقتّلون ويذبحون وتنتهك أعراضهم؛ وليتخيل أنه مكانهم كيف يكون حاله، فإن المؤمنين كالجسد الواحد كما أخبر نبينا صلى الله عليه وسلم, يجب عليه أن لا ينساهم من دعاء صادق ـ من القلب ـ يعبر عن الإخوة الإيمانية, ثم يتذكرهم بماله ونفسه ـ إن استطاع ـ فإن لم يتذكرهم حال انكسار قلبك فمتى؟
أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يعز الإسلام والمسلمين, وأن يعيد علينا رمضان ونحن في رفعة وعز, وأن يعننا على الصيام والقيام واغتام الأوقات في فعل الخيرات.