شبكة المشكاة الإسلامية 
آخر تحديث: 30.جمادي الثاني.1433 الموافق: 2012-05-21م

سيد الشهداء  ::  ثلاثيات نبوية (121) ثلاثة لا يقبل الله منهم صرفا ولا عدلا  ::  نساء خالدات (102) الربيع بنت معوذ 1  ::  أحذية الصحابة أطهر من عمائم المجوس  ::  ثلاثيات نبوية (120) ثلاث اخاف على أمتي  ::  نساء خالدات (101) أمامة بنت أبي العاص 5  ::  ثلاثيات نبوية (119) ثلاث وصايا لمعاذ  ::  نساء خالدات (100) أمامة بنت أبي العاص 4  ::  ثلاثيات نبوية (118) ثلاثة مصارف  ::  نساء خالدات (99) أمامة بنت أبي العاص 3  ::  

الإستشارات الفتاوى الأخبار الصفحة الرئيسية

تابعوا المشكاة على تويتر

محاضرات وخطب  -فضيلة محمد سيد حاج رحمه الله

بيان هيئة علماء السودان حول أحداث سوريا

البث المباشر لقناة طيبة الفضائية

البث المباشر لقناة إفريقيا الفضائية

البث المباشر لقناة إفريقيا سواحيلي

 

الرئيسية المقالات

 

 

 

Bookmark and Share

أيها الصائم.. أتدرك معنى: (إني صائم)؟!

 

د.محمد عمر دولة
باحث إسلامي

2004-11-09

أيها الصائم.. أتدرك معنى: (إني صائم)؟!
[1] مقدِّمة:

أخي الصائم.. لا يخفى عليك أنَّ الصومَ إمساكٌ للبطن والفرج عن الشهوات؛كما عَبَّرَ عنه القرافيُّ رحمه الله بأنه "الإمساكُ عن شَهْوَتَي الفم والفرج أو ما يقوم مقامهما؛ مُخالفةً للهوى في طاعةِ المولى".

وصرَّح الصنعانيُّ رحمه الله بأنه "يتبع ذلك الإمساكُ عن اللَّغوِ والرَّفَث وغيرهما من الكلامِ المحرَّمِ والمكروهِ؛ لوُرُودِ الأحاديثِ بالنَّهْيِ عنها في الصَّومِ زيادةً على غيره". وهذا لعمري خيرُ دليلٍ على وعيِ علمائنا السابقين بالمعاني التربويّة لفقه الصيام!

[2] حقيقة الصوم:

فليس الصومُ إذن مجرَّدَ ذلك التصوُّرِ المتبادِرِ إلى أذهانِنا مُفعَماً بالإحساس بفَقْدِ الطعامِ والشَّرابِ؛ فيتوجَّهُ من أجل ذلك بالـمُلاحَظةِ تِلْقاءَ مشاعرِ الجوعِ والعطش أكثرَ من اهتمامِه برؤيةِ مَشاهِدِ الجهل والسفاهة والطيش! ومن هنا يجيء تعبيرُنا عن الصِّيامِ بـمجرَّد (الكفِّ عن شَهْوَتَيِ البطنِ والفَرْجِ)؛ دليلاً على ضآلةِ التصوُّرِ الذِّهنِي وضحالةِ الوعْيِ النفسي لفقه (الصِّيام)؛ حيث صِرْنا نستشعر في تعريفِنا للصيام معانِيَ الإمساك عن الطعام والشرابِ والشهوة! بمعزلٍ عن استحضارِ معاني الإمساك عن السفاهة واللَّغوِ والخُصُومة!

ورحم الله القرطبي؛ فقد ذكر أحَدَ وَجْهَيِ التفسير لقولِ اللهِ عزَّ وجلَّ حاكياً عن مريم عليها السلام: (إنِّي نذرتُ للرحمنِ صوماً) أنه "كانت سُنَّةُ الصِّيامِ عندهم: الإمساك عن الأكل والكلام"، ثم ختم رحمه الله بقولِهِ: "ومن سنَّتِنا نحن في الصِّيامِ الإمساكُ عن الكلام القبيح".

فمما ينبغي معرفتُهُ من فقه (إنِّي صائم!) تربيةُ النفسِ على تحمُّل الأذى والتخلُّق بالحِلْمِ والأناة! وحَمْلِ النفسِ على الصَّبْرِ وكَظْمِ الغيظِ والعفو عن الناس! وما ألطفَ ما قرّره ابنُ القيِّم شارحاً قولَ شيخ الإسلام الهروي: "إنّ من حقائق التوبة طلبَ أعذارِ الخليقة" فقد ذكر أنّ مراده "إقامة أعذارِهم في إساءتِهم إليك، وجِنايتهم عليك، والنظر في ذلك إلى الأقدار، وأنَّ حركاتِهم بمنزلة حركاتِ الأشجار؛ فتعذرَهم بالقدر في حقِّك ـ لا في حق ربِّك فهذا حقٌّ ـ وهو من شأنِ ساداتِ العارفين، وخواصِّ أهلِ الله الكُمَّل: يفنى أحدُهم عن حقِّه ويستوفي حقَّ ربِّهِ، ينظر في التفريط في حقِّه وفي الجناية عليه إلى القدر... وهذه كانت حال نبيِّنا صلى الله عليه وسلم كما قالت عائشة رضي الله عنها : (ما ضربَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بيدِهِ خادماً ولا دابّةً ولا شيئاً قطُّ؛ إلا أن يُجاهِد في سبيل الله! ولا نِيلَ منه شيءٌ قطُّ؛ فينتقم من صاحبهِ إلا أن يُنتَهَك شيءٌ من محارمِ الله تعالى؛ فينتقمَ لله تعالى!)"

ورحم الله البخاريَّ فقد أفرد في كتاب الأدب تراجم بديعةً متتابعةً تَفِي بهذا الغرض: باب[(قول الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا اتقوا اللهَ وكونوا مع الصادقين) وما يُنهَى عن الكذب]، وباب[الهدي الصالح]، وباب[الصبر في الأذى وقول الله تعالى: (إنما يُوفَّى الصابرون أجرَهم بغير حساب)]، وباب[من لم يُواجِهِ الناسَ بالعِتاب!]

[3] صومُ الجوارِح:

أخي الصائم.. لا شكَّ أنَّ حفظَ الجوارحِ كلِّها من أعظمِ أغراضِ الصوم، وليس الشأنُ في الامتناع عن الطعام والشراب فحسب! فمن لم يحفظْ لسانَه وسمعَه وبصرَه؛ ما هي ثمرةُ صومِهِ؟ وما فائدةُ تَعَبِهِ ونَصَبِهِ؟! كما أخرج البخاريُّ في باب (مَنْ لم يدعْ قولَ الزورِ والعملَ به في الصوم)! مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : (مَن لم يدعْ قولَ الزورِ والعملَ به؛ فليس لله حاجةٌ في أنْ يَدَعَ طعامَه وشرابَه)!

ولله درُّ ابن رجب حيث قال: "قال بعضُ السلف: أهونُ الصومِ تركُ الشرابِ والطعامِ، وقال جابر: إذا صمتَ؛ فلْيصُمْ سمعُك وبصرُك ولسانُك عن الكذب والمحارم، ودعْ أذى الجارِ، ولْيكنْ عليك وقارٌ وسكينةٌ يومَ صومِك، ولا تجعلْ يومَ صومِك ويومَ فطرِك سواءً:

إذا لم يكـنْ في السمعِ مِنِّي تَصاوُنٌ ** وفي بصري غضٌّ وفي منطقي صمتُ!

فحظِّي إذن من صَومِيَ الجوعُ والظما ** فإنْ قلتُ: إنِّي صُمتُ يومي صُمتُ!

وقال النبي صلى الله عليه وسلم : (رُبَّ صائمٍ حظُّهُ من صِيامِهِ: الجوعُ والعطش، ورُبَّ قائمٍ ليس له من قيامِهِ إلا السهر) ... ولهذا المعنى ـ والله أعلم ـ ورد في القرآن بعد ذكر تحريم الطعام والشرابِ على الصائم بالنهار، ذكرُ تحريمِ أكلِ أموالِ الناسِ بالباطل؛ فإنّ تحريمَ هذا عامٌّ في كلِّ زمانٍ ومكانٍ؛ بخلاف الطعامِ والشرابِ؛ فكان إشارةً إلى أنَّ من امتثل أمرَ الله في اجتناب الطعام والشرابِ في نهارِ صومِهِ؛ فلْيمْتثِلْ أمرَه في اجتنابِ أكلِ أموالِ الناسِ بالباطل؛ فإنه محرَّمٌ بكل حالٍ لا يُباحُ في وقتٍ من الأوقات".

[4] صونُ اللِّسان عند الصِّيام:

فالمسلمُ الكَيِّسُ يعلمُ أنّ كلامَهُ معدودٌ عليه، وأنه (ما يلفظ من قولٍ إلا لديه رقيبٌ عتيد) فهو يخشى أن يجيء يومَ القيامة مع المُفْلِسِين (ووُضِعَ الكتابُ فترى المجرمين مُشفِقين ممّا فيه ويقولون يا ويلَتَنا ما لهذا الكتابِ لا يُغادِرُ صَغيرةً ولا كبيرةً إلا أحصاها)! ولذلك فالصائم يستحضِر نصيحةَ القحطاني:

جَمِّـلْ زمانَكَ بالسكوتِ فإنهُ ** زَيْنُ الحَلِيمِ وسُتْرَةُ الحيرانِ!

كُنْ حِلْسَ بيتِكَ إنْ سمعتَ بفتنةٍ ** وتَوَقَّ كـلَّ مُنافِقٍ فَتّان!

ولله درُّ أبي زكريّا النووي فقد تفنّن في (رياض الصالحين)؛ فأورد حديثَ الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه : (مِن حُسن إسلام المرء تركُهُ ما لا يعنيه) في (باب المراقبة) فأفاد وأجاد! وقال رحمه الله تعالى: "ينبغي لكلِّ مُكلَّفٍ أن يحفظَ لسانَه عن جميعِ الكلامِ إلا كلاماً ظهرتْ فيه المصلحة؛ ومتى استوى الكلامُ وتركُهُ في المصلحة فالسنة الإمساكُ عنه؛ لأنه قد ينجرُّ الكلامُ المُباحُ إلى حرامٍ أو مكروهٍ، وذلك كثيرٌ في العادة؛ والسلامة لا يعدلُها شيءٌ. وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلْيقلْ خيراً أو ليصمتْ) متفق عليه؛ وهذا صريحٌ في أنه لا ينبغي أن يتكلّم إلا إذا كان الكلامُ خيراً، وهو الذي ظهرتْ مصلحتُهُ؛ ومتى شكَّ في ظهورِ المصلحة فلا يتكلّم"!

وقد قيل لذي النون المصري: "من أصونُ الناسِ لنفسِهِ؟ قال: أملكُهم للسانِهِ". ورحم الله ابنَ الجوزي حيث قال: "رُبَّ كلمةٍ جَرى بها اللسان؛ هَلَكَ بها الإنسان!" فقد تمثَّل رحمه الله حديث الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع النبيَّ صلى الله عليه وسلم يقول: (إنَّ العبد ليتكلَّمُ بالكلمة لا يتبيَّنُ ما فيها؛ يزِلُّ بها إلى النار أبعدَ مما بين المشرق والمغرب)!

[5] الصَّومُ عن المشاتمة والرَّفَث:

أخي الصائم.. لقد جاءت السنةُ النبويّةُ صريحةً في النهيِ عن الجَهْلِ والرَّفَث والصَّخَب؛ كما أخرج البخاريُّ رحمه الله في كتاب (الصوم) باب (هلْ يقول: إنِّي صائمٌ إذا شُتِم؟) عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (قال الله: كلُّ عملِ ابنِ آدمَ له؛ إلا الصيام! فإنه لي؛ وأنا أجزي به، والصِّيامُ جُنَّةٌ؛ وإذا كان يومُ أحدِكم فلا يَرْفُثْ، ولا يَصْخَبْ؛ فإنْ سابَّه أحدٌ أو قاتله فلْيقلْ: إنِّي امرؤ صائم! والذي نفسُ محمدٍ بيده لخَلُوفُ فمِ الصائمِ أطيبُ عند الله من رِيحِ المسك. للصائم فَرْحتان يفرَحُهما: إذا أفطر فَرِحَ، وإذا لقيَ ربَّهُ فَرِح بصومِهِ). وأخرج البخاريُّ كذلك في باب (فضل الصوم): (فلا يرفثْ ولا يجهلْ؛ وإن امرؤ قاتله أو شاتمه فلْيقلْ: إنِّي صائمٌ ـ مرَّتَيْن ـ والذي نفسي بيده لَخَلُوفُ فمِ الصائمِ أطيبُ عند اللهِ من رِيحِ المِسْك؛ يتركُ طعامَه وشرابَه وشهوتَه من أجلي! الصيامُ لي؛ وأنا أجزي به، والحسنةُ بعشرِ أمثالِها)!

قال ابنُ عبد البر: "أما قولُهُ: (فإن امرؤ قاتله أو شاتمه فلْيقلْ: إنِّي صائم) ففيه قولان: أحدهما: أنه يقول للذي يريد مُشاتَمَتَه أو مُقاتلَتَه: إنّي صائمٌ؛ وصومي يمنعني من مُجاوبتِك؛ لأنِّي أصُون صَومِي عن الخنا والزورِ من القول؛ بهذا أُمِرْتُ ولولا ذلك لانتصرتُ لنفسي بمثل ما قلتَ لي سواء ونحو ذلك. والمعنى حينئذٍ على هذا التأويل في الحديث: أنَّ الصائم نُهِيَ عن مُقاتلَتِهِ بلسانِهِ ومُشاتَمَتِهِ وصونه صومَهُ عن ذلك... والقولُ الثاني: أنَّ الصائم يقول لنفسِهِ في نفسِهِ: إنِّي صائمٌ يا نفسي؛ فلا سبيلَ إلى شِفاءِ غيظِكِ بالمشاتَمَة؛ ولا يُظهِر قولَهُ: إنِّي صائم لما فيه من الرِّياء وإطلاع الناس على عملِهِ؛ لأنَّ الصومَ من العمل الذي لا يظهر؛ ولذلك يجزي الله الصائم أجرَهُ بغير حسابٍ".

وانظرْ إلى عظمة التعبيرِ القرآني عن خطرِ اللسانِ في الإفسادِ بين الإخوان في قولِ الله عز وجل: (وقُلْ لِعِبادي يقولُوا التي أحسن إنَّ الشيطانَ ينزغ بينَهم إنَّ الشيطانَ كان للإنسانِ عدوًّا مبيناً). فإنَّ كلمةً واحدةً جارحةً كفيلةٌ بأن تُفسِد الوُد وتغرس الحقد بين المسلمِ وأخيهِ، وتكون بمثابة السُم الناقع الذي لا دواءَ له؛ فإنَّ الشيطانَ "يتلمَّسُ سقطاتِ فَمِه وعَثراتِ لِسانِه؛ فيُغْرِي بها العداوةَ والبغضاءَ بين المرءِ وأخيه. والكلمةُ الطيبةُ تسدُّ عليه الثغرات، وتقطع عليه الطريق، وتحفظ حَرَمَ الأخُوَّةِ آمِناً مِن نَزغاتِه ونَفثاتِه". قال ابن كثير رحمه الله: "يأمر تبارك وتعالى عبدَه ورسولَه صلى الله عليه وسلم أن يأمر عبادَ الله المؤمنين أن يقولوا في مخاطبتِهم ومحاورتِهم الكلامَ الأحسنَ والكلمة الطيبة؛ فإنهم إن لم يفعلوا ذلك نزغَ الشيطانُ بينَهم، وأخرجَ الكلامَ إلى الفِعال، وأوقعَ الشرَّ والمخاصمةَ والمقاتلة". وقال القرطبي رحمه الله: (إنَّ الشيطانَ ينزغ بينَهم) "أي بالفسادِ وإلقاءِ العداوةِ والإغواء".

فتأمَّلْ يا رَعاكَ اللهُ كيف رَبَطَ القرآنُ الكريمُ بين الكلمةِ الخشنةِ القاسيةِ وبين نَزْغِ الشيطانِ وإفسادِه ما بين قُلُوبِ المُسلِمين؛ لِتَرَى أثرَ اللسانِ في تمكينِ الشيطانِ من الإفسادِ بين أهلِ الإيمان؛ "فالشيطانُ ينزغ بين الإخوةِ بالكلمة الخشنة تفلت، وبالردِّ السيِّءِ يتلوها؛ فإذا جوُّ الوُدِّ والمحبةِ والوِفاقِ مَشُوبٌ بالخلافِ ثم بالجَفْوةِ ثم بالعِداءِ. والكلمةُ الطيبة تأسُو جِراحَ القلوب، تُنَدِّي جفافَها وتجمعها على الوُدِّ الكريم". وللهِ درُّ الشيخ ابن عاشور حيث قال: "هذا تأديبٌ عظيمٌ في مراقبة اللسان وما يصدر منه، وفي الحديث الصحيح عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم أمره بأعمالٍ تُدخِلُه الجنةَ، ثم قال له: (ألا أُخبرك بملاكِ ذلك كلِّه؟ قلتُ: بلى يا رسولَ الله؛ فأخذ بلسانِه وقال: كُفَّ عليك هذا. قال: قلت: يا رسولَ الله وإنا لمؤاخَذُون بما نتكلم به؟ فقال: ثكلَتْك أمُّك؛ وهل يكبُّ الناسَ على وجوهِهم إلا حصائدُ ألسنتِهم؟)والمقصدُ الأهمُّ من هذا التأديب تأديبُ الأمةِ في معاملةِ بعضِهم بعضاً بحسنِ المعاملةِ وإلانةِ القولِ؛ لأنَّ القولَ يَنِمُّ عن المقاصد".

[6] الإمساكُ عن الغيبة:

وقد ترجم الترمذي لهذا الحديث باب (ما جاء في التشديد في الغيبة للصائم)، قال ابنُ حجر: "وقد وافق الترمذيَّ بقيّةُ أصحابِ السنن؛ فترجموا بالغيبة وذكروا هذا الحديث؛ وكأنهم فهموا من ذكر (قول الزور والعمل به) الأمر بحفظ النطق".

وما أحسنَ صنيعَ إبراهيم بن أدهم؛ فقد دُعِيَ إلى دعوةٍ، فلما جلسوا أخذوا في الغِيبة؛ فقال: عندنا يؤكَلُ اللحمُ بعد الخبز، وأنتم ابتدأتم بأكل اللحم! أشار إلى قوله تعالى: (أيُحِبُّ أحدُكم أن يأكلَ لحمَ أخِيهِ ميتاً فكرهتموه) ".

[7] ترك الزور والكذب والجهل:

قال ابنُ عبد البر رحمه الله في شرح حديث الموطأ (الصيامُ جُنّةٌ؛ فإذا كان أحدُكم صائماً فلا يرفث ولا يجهلْ): "فإنّ الرفث هنا الكلامُ القبيحُ والتشاتُم والخنا والتلاعُن ونحو ذلك من قبيح الكلام الذي هو من سلاح اللئام؛ ومنه اللَّغو كلُّه والباطل والزُّور".

وهذا الدرس من دروس الصومِ يُربِّي في النفسِ الصدقَ وإيثارَ الحقِّ على حُظوظِ النفس, ويجعل المسلم سيِّداً على نفسِهِ مالِكاً لزمامِ لسانِه، كما قال كعب بن مالك رضي الله عنه في حديث تبوك: (فطفقتُ أتذكَّرُ الكذبَ وأقول: بماذا أخرجُ من سخطه غدا؟... فلما قيل لي: إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أظلَّ قادماً زاح عنّي الباطلُ وعرفتُ أني لن أخرجَ منه أبداً بشيءٍ فيه كذبٌ فأجمعتُ صدقَهُ... فجئتُ أمشي حتى جلستُ بين يديه فقال لي: ما خلّفك؟ ألم تكنْ قد ابتعتَ ظَهْرَك؟ فقلتُ: بلى إني والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أن سأخرج من سَخَطه بعُذر؛ ولقد أُعْطِيتُ جدلاً, ولكني والله لقد علمتُ لئن حدثتُك اليومَ حديثَ صِدْقٍ تَجِدُ عَلَيَّ فيه إني لأرجو فيه عفوَ الله! لا والله ما كان لي مِن عُذرٍ! والله ما كنتُ قَطُّ أقوى ولا أيسرَ منّي حين تخلّفتُ عنك!) وقال في آخر الحديث: (يا رسول الله إنّ الله إنما نجّاني بالصدق؛ وإنّ من توبتي أن لا أحدّث إلا صدقاً ما بقيتُ... فواللهِ ما أنعم الله عليّ من نعمةٍ بعد أن هداني للإسلام أعظمَ في نفسي مِن صِدْقِي رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أن لا أكون كذبته؛ فأهلك كما هلك الذين كذبوا!).

[8] الصومُ: سكوتٌ عن فضول الكلام:

أخي الصائم.. إنَّ السكوتَ عن فضول الكلام لازمٌ في كلِّ حين؛ لاسيما في هذا الشهر الكريم، ولله درُّ الفضيل بن عياض حيث قال: "من عدَّ كلامَهُ من عملِهِ؛ قلَّ كلامُهُ إلا فيما يعنيهِ"!

ورحم الله السعدي حيث قال في تفسير قوله تعالى: (ولما جاءهم رسولٌ من عند الله مصدِّقٌ لما معهم نبذ فريقٌ من الذين أُوتُوا الكتابَ كتابَ الله وراءَ ظهورِهم كأنهم لا يعلمون واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان): "لما كان من العوائد القدرّية والحكمة الإلهيّة أنّ مَنْ تَرَكَ ما ينفعُهُ ـ وأمكنه الانتفاعُ بِهِ فلمْ ينتفعْ ـ ابتُلِيَ بالانشغالِ بما يضرُّهُ: فمن ترك عبادةَ الرحمنِ ابتُليَ بعبادةِ الأوثان, ومَن ترك محبةَ الله وخوفَه ورجاءَه ابتُلِيَ بمحبةِ غيرِ اللهِ وخوفِهِ ورجائهِ, ومَن لم ينفقْ مالَهُ في طاعةِ الله أنفقه في طاعةِ الشيطان. ومَن ترك الذلَّ لربه ابتُلِيَ بالذلِّ للعبيد, ومن ترك الحقَّ ابتُلِيَ بالباطل! وكذلك هؤلاء اليهود لما نبذوا كتاب الله؛ اتبعوا ما تتلوا الشياطين وتختلق من السِّحر على ملك سليمان" .

[9] السكوت لا يُهدِر النصيحة:

فالصمتُ وإن كان "يجمع الهِمَّةَ ويُفرِغ الفِكر" ويقي العبدَ مواردَ الهلاك، كما قال بعضُهم: "تعلَّم الصمتَ كما تتعلّم الكلام؛ فإنْ كان الكلام يهديك فإنّ الصمتَ يقيك"! إلا أنه لا يعني بحالٍ ترك نصيحةَ المسلمين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما نبَّهَ على ذلك القشيري بقولِهِ: "الصمتُ سلامةٌ وهو الأصلُ، وعليه ندامةٌ؛ إذْ ورد عنه الزجر. فالواجبُ أن يُعتبَر فيه الشرعُ والأمرُ والنهي، والسكوتُ في وقتِهِ صفةُ الرجالِ، كما أنّ النطق في موضعِهِ من أشرفِ الخصال"!

[10] الصومُ إقبالٌ على ما ينفع وانصرافٌ عمّا يضرُّ:

ومن هنا عبَّر بعضُ الراسخين في العلم عن السكوت بمعنى أوسعَ من مجرَّد الصمت عن الكلام،كما قال القشيري: "السكوتُ على قسمين: سكوتٌ بالظاهر، وسكوتٌ بالقلب والضمائر! فالمتوكِّل يسكت قلبُهُ عن تقاضي الأرزاق..." "وصمتُ العوام بألسنتِهم، وصمتُ العارفين بقلوبِهم، وصمتُ المُحِبِّين من خواطرِ أسرارِهم"!

والعاقلُ يحرِصُ على ما ينفعه؛ فيضِنُّ بعُمُرِهِ أن يضيعَ في ابتغاءِ القشورِ واتباعِ توافه الأمور! ولله درّ ابن القيم حيث قال: "قد جمع النبيُّ صلى الله عليه وسلم الورعَ كلَّهُ في كلمةٍ واحدةٍ فقال: (مِن حُسْنِ إسلامِ المرءِ تَرْكُهُ ما لا يعنيه) فهذا يَعُمَُُّ التركَ لما لا يعني من الكلام والنظر والاستماع والبطش والمشي والفكر وسائر الحركات الظاهرة والباطنة؛ فهذه الكلمة كافيةٌ شافيةٌ في الورع. قال إبراهيم بن أدهم: الورعُ تركُ كلِّ شُبهةٍ، وتركُ ما لا يعنيكَ هو تركُ الفضلات!"

فحَذارِ حَذارِ أخي الصائم في هذا الشهر الكريم.. مِن عِلمٍ لا ينفع ولا يُورِثُ قلباً يخشع، ولا عيناً تدمع! ولْيكنْ لِسانُ حالِنا ومَقالِنا: أُفٍّ لِعلمٍ يؤدِّي إلى الدَّغل والزَّغَل! ويُودِي بصاحِبِهِ في مَهاوي الفشَل! ولا خيرَ في مباحثَ لا تَحُثُّ على ذكرِ الله! بل تصُدُّ الناسَ عن سبيل الله! ونعوذ بالله أن نكون ممَّنْ (يتعلّمون ما يضرُّهم ولا ينفعهم)!

وقد عَدَّدَ ابنُ رجب طائفةً من هذا العلم الضارِّ الذي صُدَّ به عن العلوم النافعة فقال: "أصعب ذلك ما أُحْدِثَ من الكلام في أفعال الله تعالى من قضائه وقدره؛ فكذّب بذلك من كذّب, وزعم أنه نزّه الله بذلك عن الظلم! وأصعب من ذلك ما أُحدث من الكلام في ذات الله وصفاته مما سكت عنه النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعون لهم بإحسان, فقومٌ نفَوْا كثيراً مما ورد في الكتاب والسنة من ذلك؛ وزعموا أنهم فعلوه تنزيهاً له عما تقتضي العقول تنزيهه عنه. وزعموا أنّ لازمَ ذلك مستحيلٌ على الله عز وجل, وقومٌ لم يكتفُوا بإثباته حتى أثبتوا ـ بإثباتِهِ ـ ما يُظَنُّ أنه لازمٌ بالنسبة للمخلوقين؛ وهذه اللوازم ـ نفياً وإثباتاً ـ دَرَج صدرُ هذه الأمة على السكوت عنها! ومما أُحدِث في الأمة بعد عصر الصحابة والتابعين الكلام في الحلال والحرام بمجرّد الرأي, وردّ كثيرٍ مما وردت به السنة في ذلك لمخالفته للرأي والأقيسة العقلية. ومما حدث بعد ذلك في الكلام في الحقيقة بالذوق والكشف وزعم أنّ الحقيقة تنافي الشريعة وأنّ المعرفة وحدها لا تكفي مع المحبة وأنه لا حاجة إلى الأعمال وأنها حجابٌ أو أنّ الشريعة إنما يحتاج إليها العوام, وربما انضم إلى ذلك الكلام في الذات والصفات مما يعلم قطعا مخالفته للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة (والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم) "

وقد قال الذهبي رحمه الله في سياق ذكر التصوّفِ الفلسفيِّ والقولِ بوحدةِ الوُجودِ: "والله لأن يعيشَ المسلمُ جاهلاً خلفَ البقر لا يعرف من العلم شيئاً سِوى سُورةٍ من القرآن يصلِّي بها الصلواتِ ويؤمن بالله واليوم الآخر خيرٌ له بكثيرٍ من هذا العِرْفانِ وهذه الحقائقِ! ولو قرأ مائةَ كتابٍ أو عَمِلَ مائةَ خَلْوَة!"

فعليك أخي الصائم.. بواسطةِ العِقْدِ في هذا الباب! ألا وهو قولُ الخليفةِ الراشدِ عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى: "إنّ السابِقين عن عِلْمٍ وَقَفُوا, وبِبَصَرٍ قد كَفُّوا, وكانوا هم أقوى على البحثِ لو بحثوا!"

فإن استَحْضَرْتَ أخي الصائم.. هذه المعاني؛ أدْرَكْتَ معنى: (إنِّي صائم)!



 

التلاوات
الصوتيات
الأناشيد
المقالات
الملفات
البحوث والدراسات
المرئيات
الحوارات والتحقيقات
نافذة الأشبال

ملف مصور

 

 

 

 

باشتراكك في القائمة البريدية ستصلك رسالة أسبوعية تحتوي على جديد الموقع


بريد المشكاة

المنظمة

جوال المشكاة

  |   عن الموقع   |   اتصل بنا   |   مؤتمرات   |   مواقع صديقة   |  

جميع الحقوق محفوظة لشبكة المشكاة الإسلامية | 2001 - 2009

Developed By Meshkat Team