|
| نقد التراث |
قضية من القضايا التي ثارت وما زالت تثور في حاضرنا الفكري .. ويطرحها المنظرون بإلحاح شديد .. محاربون كثيرون قفزوا إلي ساحة النزال في هذه القضية بالذات بأهلية، وبغير أهلية في كثير من الأحيان !!..فانتشرت سحب الغبار حتي طالت كل رمز في سماء التراث .
ومصطلح تراث نفسه بدلالاته الحديثة، تسرب – كما يقول جمال سلطان – إلي حواراتنا الفكرية والحضارية في حقبة كانت تتميز بكثير من التبعية الثقافية والفكرية للنتاج الاستشراقي ، وتتميّز كذلك بحالة من الفوضي العامة في المناهج والمعايير والرؤي .. وعلي العموم فإن ميراث المعرفة لا يمكن التعامل معه مثل أى واحدة من نتاجات الفكر البشرى في المعرفة والأدب والفن الشعبي وغير الشعبي – كما هو الحال في دلالات كلمة تراث عند المعاصرين – فيتعرض للنقد والتكرير والحذف والإضافة في الكليات والجزئيات بغير تحفظ ، بل لابد من مراعاة أن في هذا التراث أصولاً معصومة تمد بسببٍٍٍٍٍٍٍ إلي السماء غير قابلة للتعقيب .. فالميراث النبوي ميراث معصوم ،وما اجتمعت عليه الأمة ميراث معصوم أيضاً .
ولكن المرء يصيبه العجب وهو يشاهد هذا الهجوم المحموم المستتر بدثارة نقد التراث .. إبتداءً من علي عبد الرازق ، الأزهري الذي صوب سهامه إلي مبدأ (الخلافة في الإسلام) وزعم أنها ليست ضرورة دينية ..!!..فطرب له العلمانيون وصفقوا .. ثم ثارت قضية الأقليات غير المسلمة في بلاد المسلمين ، فانتصب هؤلاء المحاربون ،وقذفوا خلف جدار النقد كل مااجتمع للأمة من أصول في أحكام أهل الذمة .. بل قام البعض ممن يحملون الألقاب الإسلامية لينادي بالصوت العالي (وطنيون لا ذمّيّون)..!!..
لقد طالت معاول الهدم مبادئ وأصول العلوم الإسلامية حينما برز إلي الساحة من يسمّون أنفسهم مجددين، ويزعمون لذواتهم حق الاجتهاد، فأنهكوا أصول الفقه .. وشغبوا علي الاعتقاد ، و رموا بقاذورات الفتاوي المحدثة علي الفقه – فمن قائل بجواز زواج المسلمة من الكتابي !!، ومن قائل بثبوت التوارث بين المسلم والكافر .. ومن قائل بإبطال الحدود في السرقة والزنا والردّة وشرب الخمر !! فلتنتشِ إذاً تلك الرجولة المدعاة !!.
أحد هؤلاء .. كاتب سوداني وصفوه بأنه يمثل حدّة الجديد في وقعه علي القديم، فتحت له صحيفة الأيام صفحاتها- في بداية الثمانينيات من القرن الماضي - وكذلك مجلة الجامعة ، ليمارس هذا النوع مما يسمي نقداً، بلا وازع من حياء أو دين .. فكتب ..:(هبوط إضطراري في بيت الله الحرام) .. (بلال يعرف الأحذية).. وهو يقذف أحجاره بلا نظام علي حجاب المرأة المسلمة .. وعلي عصمة النبوة .. وفي مقال بعنوان (مجتمع الكراهية ) .. أوجع علماء الأمة بلسان حاد ..:(علماء كسيارات الأجرة .. كبابا نويل الفقهي الذي يأتي محملاً الفتاوي المتخثرة في ليالي الجريمة والذبح ) ..!! وفي الوقت ذاته يمجد كل زنادقة العهد القديم ، وكفار العهد الجديد .. جهم بن صفوان .. الجعد بن درهم .. سبونيزا.
ومن العجيب و الغريب في وقت معاً، أن هؤلاء النقاد الذين يدعون إلي تكرير منابع التراث قبل إحيائها، هم أنفسهم الذين لا يدخرون وسعاً في نبش ماطمر تحت أديم الأرض من ميراث المبتدعة، من معتزلة وباطنية و زنادقة .. هم الذين يحفلون بإحياء تراث بن عربي و الحلاج،والتراث الفلسفي لابن سينا والفارابي وإخوان الصفا !.. وينصبونهم أعلاماً لحرية الفكر ومثالاً للعقل المستنير .. بينما ميراث العلماء الذين ارتضهم الأمة وتابعتهم عبر تاريخها ، هو ميراث مليء بالشوائب يحتاج إلي تكرير ونقد !!
فيا عجباً لأفراخ المستشرقين أما علموا أن هذا الصرح قد استعصي علي الهدم ؟! (فما اسطاعوا أن يظهروه ومااستطاعوا له نقبا ).
كناطح صخرة يوماً ليوهنها
فلم يضرها وأوها قرنه الوعل