|
| تصدير الحضارات على ظهور الدبابات (2/2) |
إن مبدأ جهاد الطلب لم يعد مرفوضاً اليوم من الناحية العملية بل أصبح واقعاً يفرض على البلدان الإسلامية من قبل دول تزعم تصدير الحرية والديمقراطية بطائرتها ودباباتها وصواريخها الذكية.
وليس في هذا الفهم ما يستنكر إذا علمنا أن كثيراً من الدول الغربية كان مبدأ تحولها إلى الديمقراطية عن طريق ثورات على النازية والبلشفية والماركسية وغيرها من الاتجاهات الاستبدادية أو الشمولية والتي انتصرت عليها بعد جراحات ودماء وأشلاء.
وفي اعتقادي أن من أسباب نجاح ذلك التحول القسري في كثير من الشعوب الأوربية والأمريكية تلك القناعة الداخلية للشعوب بأن النظم القمعية أو الاستبدادية الشمولية التي سيطرت عليها ليست صالحة، وأن البديل الديمقراطي الرأسمالي أصلح لهم، فظلت المدافعة ردحاً من الزمن ثم كتب البقاء للأصلح.
ولكن ما يجهله هؤلاء أثناء تصديرهم لتلك الثقافة عن طريق الدبابة إلى البلدان الإسلامية هو أن الإسلام دين لايعتنقه حقاً إلاّ من اعتقد أن نظامه هو الأصلح، ولذلك فلن يرتضي به بدلاً إلاّ من بدل دينه منهم.
والنتيجة الطبيعية لهذا أن تتكرر ظاهرة ظهور الإسلام في تلك الأرجاء ولو بعد حين من القهر والاستبداد سواء أتم ذلك باسم الاشتراكية أو الديمقراطية.
ولو أردنا أن نأخذ نموذجاً حياً فسوف نجد العراق أمثل نموذج، وقبل أن أدخل في بيانه أنبه القارئ الكريم إلى أن هذا الكلام مبني على أحسن أحوال مدعي تصدير الحضارة أو الحرية أو الثقافة على متن الدبابة، مفترضاً على سبيل التنـزل أنه لا مآرب أخرى للجنود ولا لمن أرسلهم غير بذل المهج والنفوس من أجل الحرية!
لقد دخلت القوات البريطانية محتلة العراق ما بين 1904- 1918، وقدم الجنرال (مود) عندما احتل جيشه بغداد يوم 11 مارس 1917 فخاطب العراقيين قائلاً عبارته المشهورة: "إننا جئناكم محررين لا فاتحين" وألقى وعوده وتباشيره بعصر الحرية والغد المشرق.
فإذا العراق ترزح تحت نير احتلال تبدو مطامعه يوماً بعد يوم ومع ذلك لايزال المحتل يجد له أنصاراً وأعواناً وأذناباً كما هي الحال اليوم، وعلى الطرف الآخر تتوالي أعمال المقاومة وتتصاعد حتى جاءت ثورة العشرينات فعزل الكولونيل (ولسن) الحاكم الملكي في العراق وعين بدلاً عنه (برسي كوكس) ليمثل الحكومة البريطانية في العراق ومهمته المعلنة تأسيس حكومة عربية في العراق وتنفيذ مطالب الثوار فوصل بغداد في يوم 11 أكتوبر 1920 فاستقبل في بغداد من قبل العملاء استقبالاً حافلاً حتى قال جميل صدقي الفيضي ابن الملا أحمد بابان زهاوي(1)، قصيدة ترحيبية حمل فيها على المقاومة حملة شعواء من جملة ما جاء فيها:
عُد للعراق وأصلح منه ما فسدا
وابثث به العدل وامنح أَهله الرغدا
الشعب فيه عليك اليوم معتمـدٌ
فيـما يَكون كَما قد كانَ معتمدا
حييت من قادم إِبَّانَ حـاجِتنا
إليـه نَرجو بـه للأمـة الرشدا
إنَّ العِـراق لمسعـودٌ برؤيـته
أبـاً لـه من بلاد العدل قد وردا
وبفضل هؤلاء الأذناب أو المغفلين –وأنت تراهم في كل عصر ومصر- الذين يفتون في عضد الأمة، يظن المحتل أن يده ملأى.
لقد تأسس ما سمي بالدولة العراقية عام 1921 تحت الوصاية البريطانية التي جاء الدستور والبرلمان وفق هواها بعد أن مهدت لإقامتهما كما هي الحال اليوم، فكان ماذا؟ حفظ لنا الأدب التاريخ فنقل قول معروف الرصافي معبراً عن حال الشعب ناقداً الحكومة الاسمية في أبيات أطول من هذه:
سأقول فيها ما أقول ولن أخف
من أن يقولوا شاعر مُتَطَرِّفُ
ويبدو أن القاعدة وجماعة الزرقاوي لم تعرفا في ذلك العصر أو لايجيء عليهما وزن الأبيات فاكتفى بأعظم التهم في زمانه التي تطلق على المناضلين المقاومين للاحتلال من المجاهدين ألا وهي التطرف! ثم أردف مبيناً:
هذي حكومتنا وكل شُموخها
كَذِب وكـل صنيعها متكلَّفُ
عَلَم ودسـتور ومجلـس أمة
كل عن المعنى الصحيح محرف
أسمـاء ليس لنا سوى ألفاظها
أمـا معانيها فليست تعـرف
مَن يقرأ الدستور يعـلمْ أنـه
وَفقاً لصـكّ الانتداب مصنَّف
من يأتِ مجلسـنا يُصَدِّق إنه
لمُـراد غيـر الناخبين مـؤلَّف
أفهكـذا تبقى الحكومة عندنا
كلماً تمـوَّه للورى وتُزخرَف
للإنجليـز مطامـع ببـلادكم
لا تنتهـي إلاّ بأن تتبلشـفُوا
أفتقنعون من الحكومـة باسمها
ويفوتكم في الأمر أن تتصرّفوا
أنتم عليها والأجانـب فوقكم
كلّ بسلطتـه عليكم مُشرِف
أيُعَـدّ فخـراً للوزير جلوسه
فَرِحاً على الكرسيّ وهو مُكتَّف
إن دام هـذا في البـلاد فإنه
بدوامـه لسيوفنا مُستـرعِف
لا بـُدّ من يوم يطول عليكم
فيه الحساب كما يطول المَوْقفُ
ولما قرر الانتداب البريطاني تخريج دفعة من الضباط العراقيين وتنصيبهم في مناصب قيادية وعسكرية كما يفعل الأمريكان في الوقت الراهن قال:
وكم عند الحكومة من رجالٍ
تراهم سادة وهـم العبـيدُ
كلاب للأجانب هُم و لكِنْ
على أبناء جِلدتهـم أسـودُ
وبمثل هذا النفس كانت المقاومة الصادقة تشتعل فكان من الطبيعي ألا يدوم الأمر للمتغلب فما مرت ثلاثة عقود حتى اجتاحت المقاومة عام 1958 أرجاء العراق قاطعة أذناب الاستعمار ليعلن انسحابه ذليلاً. وفي صورة أُراها شبيهة بصورة انهيار تمثال صدام توجهت الحشود الجمة إلى تمثال الجنرال (مود) لتجعله جذاذا تحت الأقدام.
وهكذا خرج المحتل من العراق نهائياً بعد زهاء ثلاثة عقود من تشكيله حكومته العربية، وكذلك أخرج من سائر أرجاء الأرض العربية، وهكذا سوف يخرج المحتل اليوم بعد ثلاثة عقود من تشكيله حكومته أو قبلها.
وهذه الصورة صورة متكررة عبر تاريخ المسلمين الأول فما أرض من تخومهم أو أراضيهم التي أحتلت في حروب صليبية أو غارات معادية إلاّ ورجعت إسلامية بمجرد رجوع الغازي أو خروجه منها وبطل سحر حضارته التي تبدت للناس إبان الاحتلال على حقيقتها. وكذلك الأمر في التاريخ الحديث ولعل أفغانستان الجريحة وما دار فيها بين أنصار الإسلام وأنصار الشيوعية شاهد قائم، وما سينتهي إليه أمرها مع دولة الاستكبار سوف يكون شاهداً للأجيال من بعدنا ومن يدري ربما يكون شاهد على هذا لنا، ومثل أفغانستان بلاد الشيشان.
ومع ذلك لم تستفد أمريكا من هذا التاريخ في احتلالها للعراق الواعد بتصدير الحرية والديمقراطية على ظهر الدبابة الأمريكية لأجل سلام ورخاء المنطقة. وليتها لم تستفد من التاريخ وحده بل إنها لم تستفد من دين ساستها البروتستانت الواعد في آخر الزمان بمعركة هرمجدون، ولا أظنهم يتوقعون نشوبها مع نظام ديمقراطي حر يرضونه في المنطقة!
فماذا بقي غير نهب الثروات باسم الديمقراطية، والتوطيد لدولة العدو الصهيوني وتقويض القوى النادة عن الطاعة الأمريكية باسم الحرية؟
ولعل ما غر أمريكا هو نجاحها في تصدير ثقافتها عبر السيف والبندقية والقنبلة النووية في بلدان قهرتها عسكرياً وتفوقت عليها حضارياً كما في حالها مع اليابان مثلاً، فما أن أُلقيت القنابل النووية، حتى أعلنت البلاد الصفراء الاستسلام والخنوع الكامل بغير مقاومة تذكر وإلى اليوم، وهنا ظنت أمريكا أن مقوم نصرها هو التفوق العسكري وما حسبت أن سر نجاحها هو في تفوقها الحضاري الذي كفل لها البقاء في اليابان بعد مغادرتها!
وكل هذا يظهر أن السيف في الماضي أو الدبابة فما فوقها اليوم آلات، مهمتها فسح المجال لولوج الحضارة وتنوير الناس بها، فإذا كانت تلك الحضارة بمفهومها الشامل الذي ينظر إلى الطبيعة وما ورائها لاتوازي في معتقداتها وتعاليمها وقيمها ومبادئها وأخلاقها ما كان عليه المُتَغَلَّب عليهم بحد السيف أو فوهة البندقية، فجدير بحضارة المُتَغَلِّب أن تزول متى رفع حد السيف أو كُسر، وهذا ما ينبغي لأهل الإسلام السعي في التعجيل به ماداموا يعتقدون بأنه لاصلاح للإنسانية في دنياهم وآخرتهم إلاّ بحضارة الإسلام ومنهجه.
وهذا ما يفسر إنكسار الدول والحكومات الإسلامية دون انكسار الشعوب التي تبقى مقاومتها للحضارة الدون باقية مادام دين الإسلام باق في بنيها وهذا كله إذا لم تكن للمتغلب الظاهر مآرب أخرى ظاهرة غير تصدير حضارته!
وإذا فهم ما سبق فإنه يسرنا أن تصدر إلينا حضارة غربية أو شرقية على ظهر دبابة أو متن مروحية شريطة أن تثبت أنها الأصلح والأنفع وهيهات هيهات. وعليه فإن مصيرها ولابد إلى الزوال والاضمحلال بمجرد اختلال موازين القوى ولو بعد أجيال.
كما لايسؤونا تصدير تلك الحضارة إلى من بها قوام حياتهم إن كان لابد من ترحيلها عبر ظهور المجنـزرات والآلات الحربية، ولاسيما إن كانت تلك الحضارة المنقولة أدعى للقبول من قِبَل تلك الشعوب وحينها يكون تحريرهم من الأنظمة الحائلة بينهم وبينها مهمة مقدسة نبيلة.
ولكننا لانرضى بحال أن يعتدي متكبر جبار على قوم لينهب خيراتهم، ويخضعهم لمصالحه وأهوائه، ونرى أن جرمه يتضاعف إذا فعله تحت شعار تصدير الحضارة أوالحرية.
إن أهل الإسلام يرفضون كل دعوى جوفاء بتصدير الحرية أو رغد الحياة من أناس يتفنن جندهم في ابتذال وإهانة من أرسلوا إليهم ومقدساتهم، فكيف ينقل الحرية أو يبعث الأمل من يعد الشذوذ والتعذيب والتدنيس للمقدسات من الحرية، أو -على الأقل- أثبتت وقائعه أن رسله لايفهمون معنى الحضارة ولا الحرية!
----------
(1) والذي يقول عن نفسه:"كنت أسمى في صباي المجنون لحركاتي غير المألوفة! وفي شبابي الطائش لنزعاتي إلى الطرب! وفي كهولتي الجريء لمقاومتي الاستبداد! وفي شيخوختي الزنديق لمجاهرتي بآرائي الفلسفية!"