|
| سنة الله في من آذى رسله(عليهم السلام) |
قال الله تعالى: (من آذى لي ولياً فقد آذنته بالحرب) كما في حديث أبي هريرة القدسي في الصحيح، وقد ذكر بعض أهل العلم أن هذا الأثر هو أشرف أحاديث الأولياء.
وقد عد علماؤنا -رحمهم الله- أصنافاً من الناس يشملهم جميعاً لفظ (الولي) في الحديث السابق، فعدوا علماء الشريعة وعدوا فقهاءها، بل عدوا حُفّاظ كتاب الله من جملتهم، ولاشك أن مرادهم من أولئك العالمين العاملين الداعين إلى هدى الله الذي آتهم.
قال الحطاب المالكي في شرحه لمختصر خليل مواهب الجليل: >>قال الإمامان الجليلان أبو حنيفة والشافعي رحمهما الله: إن لم يكن العلماء أولياء الله فليس لله ولي، وذكره في شرح المهذب بلفظ: إن لم يكن الفقهاء أولياء الله فليس لله ولي. وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: إن الله تعالى قال: "من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب".
وقال الإمام أبو القاسم بن عساكر رحمه الله: اعلم يا أخي وفقني الله وإياك لمرضاته وجعلنا ممن يخشاه ويتقيه حق تقاته أن لحوم العلماء مسمومة وعادة الله في هتك أستار منتقصيهم معلومة، وإن من أطلق لسانه في العلماء بالثلب ابتلاه الله قبل موته بموت القلب (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم) <<، وقد ذكر النووي في التبيان في آداب حملة القرآن هذا الأثر في النهي عن سبهم وأذاهم.
وقال ابن حجر الهيتمي في فتاواه معلقاً على هذا الحديث: "هذا في من عادى ولياً، فكيف بمن عادى أولياء كثيرين"!
فإذا كانت هذه عقوبة من نال من نحو من ذكرت ممن هم دون الأنبياء اتفاقاً فكيف بمن آذى النبي صلى الله عليه وسلم؟ ثم آذى بأذاه أتباعه من أهل العلم والفضل والزهد والعبادة؟ أ له بمحاربة الله طاقة!
إن في أخبار الهالكين من الأمم المكذبة المعاندة للرسل صلوات الله وسلامه عليهم بيان شيء من انتصار الله لهم وكل من قرأ القرآن وقف على شيء من أخبارهم، وفي سيرة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم شواهد عظام تؤكد هذا المعنى.
فمن ذلك حديث ابن مسعود في دعائه صلى الله عليه وسلم على أولئك النفر السبعة الذين أحدهم أبو جهل بن هشام وأصحابه حين طرحوا على ظهره عليه السلام سلى الجزور وألقته عنه ابنته فاطمة رضي الله عنها فلما انصرف قال: "اللهم عليك بقريش اللهم عليك بأبي جهل وشيبة بن ربيعة وعتبة بن ربيعة والوليد بن عتبة" ثم سمى بقية السبعة قال ابن مسعود فوالذي بعثه بالحق لقد رأيتهم صرعى في القليب قليب بدر الحديث وهو متفق عليه.
وقد ذكر بعض أهل السير في غزوة تبوك أنه مر بين أيديهم وهم يصلون غلام فدعا عليه صلى الله عليه وسلم فأقعد فلم يقم بعدها. وجاء من طرق أوردها البيهقي أن رجلا حاكى النبي صلى الله عليه وسلم في كلام واختلج بوجهه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كن كذلك فلم يزل يختلج ويرتعش مدة عمره حتى مات.
ومن ذلك أيضاً حديث أنس بن مالك قال كان رجل نصراني فأسلم وقرأ البقرة وآل عمران وكان يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم فعاد نصرانيا وكان يقول لا يدري محمد إلا ما كتبت له فأماته الله فدفنوه فأصبح وقد لفظته الأرض فقالوا هذا فعل محمد وأصحابه لما هرب منهم نبشوا عن صاحبنا فألقوه، فحفروا له فأعمقوا له في الأرض ما استطاعوا فأصبحوا وقد لفظته الأرض فعلموا أنه ليس من الناس فألقوه، وهذا حديث صحيح ثابت.
قال الإمام ابن تيمية معلقاً على الخبر: "وهذا أمر خارج عن العادة يدل كل أحد على أن هذه عقوبة لما قاله، وأنه كان كاذباً، إذ كان عامة الموتى لا يصيبهم مثل هذا، وأن هذا الجرم أعظم من مجرد الارتداد إذا كان عامة المرتدين لا يصيبهم مثل هذا، وأن الله منتقم لرسوله ممن طعن عليه وسبه، ومظهر لدينه وكَذِبُ الكاذب إذا لم يمكن الناس أن يقيموا عليه الحد.
ونظير هذا ما حدثناه أعداد من المسلمين العدول أهل الفقه والخبرة عما جربوه مرات متعددة في حصر الحصون والمدائن التي بالسواحل الشامية، لما حصر المسلمون فيها بني الأصفر في زماننا قالوا كنا نحن نحصر الحصن أو المدينة الشهر أو أكثر من الشهر وهو ممتنع علينا حتى نكاد نيأس منه، حتى إذا تعرض أهله لسب رسول الله والوقيعة في عرضه تعجلنا فتحة وتسير ولم يكد يتأخر إلاّ يوماً أو يومين أو نحو ذلك ثم يُفتح المكان عنوة، ويكون فيهم ملحمة عظيمة. قالوا حتى إن كنا لنتباشر بتعجيل الفتح إذا سمعناهم يقعون فيه، مع امتلاء القلوب غيظاً عليهم بما قالوا فيه. وهكذا حدثني بعض أصحابنا الثقات؛ أن المسلمين من أهل المغرب حالهم مع النصارى كذلك، ومن سنة الله أن يعذب أعداءه تارة بعذاب من عنده وتارة بأيدي عباده المؤمنين".
وفي ما نزل باليهود الذين آذوا الله ورسوله من الجلاء والعذاب مصداق ذلك (فاعتبروا يا أولي الأبصار)، ولا تأسوا يا أبناء الإسلام إن أفلت من عقوبته مجرم، فلستم أغير من الله على خليله صلى الله عليه وسلم، وإني لأرجو أن نرى مصداق ذلك ولو بعد حين، إلاّ أن يتدارك المجرم نفسه فيقر بجرمه ثم يتداركه بتوبة معلنة نصوح تمحو وزره كما حصل لابن أبي السرح وإحدى قينتي ابن خطل وأضرابهما، عفا الله عما سلف ومن عاد فينتقم الله منه، والله عزيز ذو انتقام.