|
| جولة فرنسية على الحلبة الموريتانية |
"دعوة للمجتمع الدولي بتوقيف ومحاكمة الكولونيل علي ولد محمد فال الرئيس العام لجهاز الأمن القومي الموريتاني، بجرائم ضد الإنسانية، والذي يقيم –حينما كتبنا هذا النداء- في الغرفة رقم 536 الطابق الخامس الجهة الغربية من المبنى الرئيس لمستشفى الجيش التعليمي، 96، شارع باريس، سانت ماندى 94160".
هكذا استُهل البيان الذي وجهته بعض حركات المعارضة الموريتانية بالخارج في 18/6/1999م بباريس إثر زيارة الرئيس الموريتاني الحالي لفرنسا سابقاً.
وكان من الطبيعي أن لا يلقى البيان أصداء في فرنسا على الرغم من ذكره لبعض الممارسات الاستبدادية بالإضافة إلى التعذيب الذي تعرض له "بداي ولد ابنو" وهو الناطق باسم تجمع المعارضة الموريتانية في المنفى إثر التحقيقات الثانية في المفوضية المركزية بنواكشط. وكان ذلك بإشراف علي لد محمد فال –وفقاً للبيان- كما أشار البيان إلى أن من تولى التحقيق معه ابتداء هو الرئيس الحالي شخصياً.
ولك أن تتساءل لماذا تزعم أن ذلك كان من الطبيعي! على الرغم من اعتقال "علي ولد الداه" النقيب المتهم في نفس تلك الفترة أثناء أدائه لبعثة تدريب في فرنسا وذلك بعد أن رفعت عليه منظمات حقوق الإنسان دعوى استجابت لها المحاكم الفرنسية، بيد أن السلطات الموريتانية استطاعت في ظروف لا تزال غامضة، تهريب الضابط ولد الداه من فرنسا إلى موريتانيا، إلاّ أن ذلك لم يمنع من إصدار حكم غيابي من محكمة في جنوب فرنسا مؤخراً بالسجن 10 سنوات.
ولعل جواب هذا السؤال يبين أحد الأسباب التي قادت إلى هذا الانقلاب الأخير، وربما أشارت إلى شيء من توجهاته، بيد أن هناك عدة أسافين –في اعتقادي- دقت ففرقت جمع الحلفاء.
أما الجواب على ما سبق باختصار فلأن فرنسا كانت لها اليد الطولى في صنع نظام ولد الطايع ابتداء، وكانت أصابع الاتهام تشير إلى تعاونها تحديداً مع الرئيس السابق، والحالي! فلم يكن من الحكمة إثارة الشغب على رجالها أو من تعدهم كذلك.
ويظهر للمراقبين بجلاء تدخل فرنسا في صراع النفوذ على تلك المنطقة والتي كانت يوماً ما محتلة ترزح تحت الحكم الفرنسي قرابة الأربعة عقود. ولعله من الطبيعي أن لا تسلمها فرنسا –ذات الوزن المعتبر ولاسيما في تلك المنطقة الفرانكفونية- لأي من المعسكرين السويفيتي –سابقاً- أو الأمريكي لاحقاً.
فقد حدث الانقلاب على ولد هيدالة عام 1984م عندما أقنع الرئيس الفرنسي الراحل "فرانسوا ميتران"، محمد خونة ولد هيدالة بحضور مؤتمر القمة الفرنسية الإفريقية ببورندي، الأمر الذي سمح للعقيد معاوية ولد سيدي أحمد الطايع الموالي لفرنسا بالقيام بانقلاب أبيض والاستيلاء على الحكم وبمساعدة ثلاثة بقي منهم النقيب -إذ ذاك- علي ولد محمد فال.
لقد كان الرئيس الحالي "علي" أحد المشاركين في انقلاب عام 1984م على خوانة ولد هيدالة، وكان رابع أربعة سقط منهما اثنان في الأحداث الدموية بين السنغال وموريتانيا عام 1989 وبقي اثنان هما ولد أحمد الطايع وولد محمد فال.
ويبدو أن الأخير لم يرق له التحالف الجديد بين ولد الطايع وأمريكا بعد أن بدأت العلاقات تسوء مع فرنسا إثر اعتقال النقيب "علي ولد الداه" بتهمة تعذيب السجناء السياسيين، وقد أثار ذلك الاعتقال حنقاً وخوفاً في أوساط القيادة الموريتانية نظرا لإمكان امتداد يد القانون الفرنسي ذو النفوذ في موريتانيا إلى مناطق أبعد داخل الدائرة الحاكمة، فكان من المناسب كسر تلك اليد الممتدة، لهذا أصدرت السلطات الموريتانية أوامرها بطرد الخبراء العسكريين الفرنسيين من موريتانيا، ثم فرضت تأشيرات دخول على جميع الفرنسيين الذين يريدون المجيء إلى البلاد.
ثم بعد ذلك بنحو ثلاثة أشهر بدا البديل والعضد الجديد يظهر ففي أكتوبر/تشرين الأول 1999 أعلنت موريتانيا وإسرائيل عن إقامة علاقات دبلوماسية على مستوى السفراء، تحت رعاية أمريكية ظاهرة، فقد أشرفت وزيرة الخارجية الأميركية يومها "مادلين أولبرايت" على توقيع الاتفاق واعدة بأن ذلك "سيعود بثمرات طيبة على الشعب الموريتاني".
ولعله كانت لعلي ولد محمد فال رؤية أخرى في التعامل مع الأحداث الفرنسية وبقية ولاء لحلفه الأول، فلم ينسجم مع رؤية ولد الطايع بعلاقته الجديدة، كعامة الشعب الموريتاني، وسواء أكان هذا هو السبب، أو لأن الأخير له نفس تواقة لم تقنع بأن يكون منتهاها الأمن العام، فإن ما انتهجه يصب في إطار توجه فرنسي، مع عدم ركون إلى توجه ولد الطايع الأمريكي الإسرائيلي، إلاّ أن علي ولد محمد فال لم يكن يظهر ذلك وكان من الهدوء والحكمة بمكان.
ولهذا أظهر الرئيس المخلوع في أول تصريح له دهشته من شخصية الانقلابيين، وحق له أما أحدهما فرئيس الأمن العام، ومساعده في الانقلاب على ولد هيدالة، وأما الآخر وهو عبد العزيز ولد محمد فلم يمض على تسليمه له بنفسه وسام الكوماندور لإسهامه في فشل انقلاب عام 2003 والتحقيق مع مرتكبيه أكثر من سبعة أشهر!
ويرى بعض المراقبين بأن قبيلة أعلي ولد محمد فال "أولاد بو السباع"لم يكن لها ثقل كبير في موريتانيا بسبب وجود غالبية أفرادها في المغرب الأقصى والصحراء الغربية، الأمر الذي أدى إلى امتلاك قبيلة الرئيس "السماسيد" وبصورة خاصة أقرباؤه المباشرون لمقاليد المال والأعمال في البلاد. ولعل هذا إسفين آخر مهد لانفصال علي وقلبه للحكم راجعاً بذلك إلى التحالف الأول.
بالإضافة إلى حالة الشعب المنهوك المتذمر.
لهذا فقد سمع المتابعون للأخبار تنديدا أمريكا بإسقاط ولد الطايع غير الدستوري بعد نحو ربع قرن من الحكم إلاّ ثلاثة أعوام! بينما سكتت فرنسا ولم تبد نكيراً أو موقفاً يذكر رغم ارتباطها التاريخي والثقافي بتلك المنطقة. ولعل فرنسا تتولى قص شريط المبادرة بمباركة الانقلاب متى ما تثبتت من هوية القائمين عليه، وتأكدت من ثبات أقدامهم على أرض الواقع. وعندها يكون الرئيس علي ولد محمد فال قد نجح في تسديد ضربة تحت الحزام لواشنطن لتكسب باريس جولة في إطار صراعها لأجل البقاء بنفوذها في المنطقة.