|
| الغَيْرَةً على حُرُماتِ الله عزَّ وجَلَّ |
إنَّ العبدَ المخلِصَ يفرِّقُ بين حقِّهِ وحقِّ ربِّه، فيغضب لحقِّ ربِّهِ ويتسامحُ في حقِّ نفسِهِ، كما قالت أمُّنا عائشة رضي الله عنها: (ما ضربَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم شيئاً قط بيده، ولا امرأةً ولا خادماً إلا أن يجاهد في سبيل الله، وما نِيلَ منه شيءٌ قط فينتقم من صاحبِهِ؛ إلا أن يُنتهَك شيءٌ من محارم الله تعالى فينتقم لله تعالى).[1]
وقال الحافظ ابنُ كثير في تفسير قولِ الله عز وجل: (وإذا ما غَضِبُوا هم يغفِرُون)[2] : "أي سَجِيَّتُهم تقتضي الصَّفحَ والعَفوَ عن الناسِ؛ ليس سَجِيَّتُهم الانتِقامَ مِن الناس. وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما انتقم لنفسه قط إلا أن تنتهك حرمات الله وفي حديث آخر (كان يقول لأحدنا عند المعتبة ماله تربت يمينه)[3]".[4]
وقد كثرتْ الأحاديثُ التي تؤكِّدُ غضبَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم لحدودِ الله إذا انتُهِكتْ. منها: ما ورد من النهي عن إطالةِ الصلاةِ المؤدِّية إلى تنفيرِ الناس والمشقة على الكبير والصغير وذي الحاجة، كما جاء في حديث أبي مسعود رضي الله عنه قال: (جاء رجلٌ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم فقال: إنِّي لأتأخَّر عن صلاةِ الصبح من أجل فلانٍ مما يُطِيل بنا؛ فما رأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم غضب في موعظةٍ قطُّ أشدَّ مما غضب يومئذٍ، فقال: يا أيها الناس إنَّ منكم منفِّرِين؛ فأيُّكم أمَّ الناسَ فلْيُوجِزْ؛ فإنَّ من ورائهِ الكبيرَ والصغيرَ وذا الحاجة).[5] وكذلك في النهيِ عن الشفاعةِ في حُدودِ الله، كما قال صلى الله عليه وسلم لأسامة بن زيد رضي الله عنهما: (أتَشفَعُ في حَدٍّ مِن حُدُودِ الله؟ إنما أهْلَك الذين مِن قَبلِكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريفُ تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيفُ أقاموا عليه الحد! وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقتْ لقطعتُ يدَها).[6]
وقد يكون الغضب؛ لأجلِ رؤيةِ ما يُسخِطُ الله عزَّ وجَلَّ، كما حدث عند رؤية صور التماثيل في قِرامٍ[7] لعائشة (فلما رآه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم هَتَكَهُ وتلوَّنَ وجهُهُ وقال: يا عائشةُ أشدُّ الناسِ عذاباً عند الله يومَ القيامة الذين يُضاهُون بخلقِ الله).[8] وكذلك عندما (رأى صلى الله عليه وسلم نُخامةً في القِبلة؛ فشقَّ ذلك عليه؛ حتى رُئِيَ في وَجهِهِ؛ فقام فحكَّه بيدِهِ فقال: إنَّ أحدَكم إذا قام في صلاتِهِ فإنه يُناجي ربَّهُ، وإنَّ ربَّهُ بينه وبين القِبلة؛ فلا يَبْزُقَنَّ أحَدُكم قِبَل القِبْلة، ولكنْ عن يسارِهِ أو تحت قَدَمِه).[9]
"فالإغْضاءُ عن الضعفِ البشري والعَطفِ عليه والسماحة معه؛ واجب الكبار الأقوياء تجاه الصغار الضعفاء، ورسول الله صلى الله عليه وسلم راع وهادٍ ومُعلِّمٌ ومُرَبٍّ؛ فهو أولى الناسِ بالسماحةِ واليُسر والإغضاء؛ وكذلك كان صلى الله عليه وسلم لم يغضب لنفسِه قط؛ فإذا كان في دينِ الله لم يقم لغضبِه شيءٌ... فالتعامُلُ مع النفوسِ البشريةِ؛ لِهِدايَتِها يقتضي سعةَ صَدرٍ وسماحةَ طَبع".[10]
----------
[1] أخرجه مسلم.
[2] الشورى 37.
[3] رواه البخاري في كتاب (الأدب) باب (لم يكن النبيr فاحشا ولا متفحشاً) 5/2243، حديث 5684 عن أنس بن مالكt قال (لم يكن النبيr سبابا ولا فحاشا ولا لعانا؛ كان يقول لأحدنا عند المعتبة: ما له ترب جبينه)! ورواه كذلك في باب (ما ينهى من السباب واللعن)، 5/2247، حديث 5699.
[4] تفسير القرآن العظيم 4/119.
[5] رواه البخاري ومسلم.
[6] متفق عليه.
[7] القِرام بكسر القاف: سِتْرٌ رقيق، وهتكَهُ: أفسد الصورةَ التي فيه. رياض الصالحين للنووي ص 284.
[8] رواه البخاري ومسلم.
[9] متفق عليه. وقال النووي: "الأمرُ بالبصاق عن يساره أو تحت قدمه هو فيما إذا في غير المسجد، فأما في المسجد فلا يبصق إلا في ثوبه" رياض الصالحين ص 285.
[10] في ظلال القرآن 9/1419.