وقد نصَّ العلماءُ على ذلك في تفسيرِ قول الله عزَّ وجَلَّ: (يا أيها الذين آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكم عن دِينِهِ فسوفَ يأتي اللهُ بِقَومٍ يُحِبُّهم ويُحِبُّونه أذِلَّةٍ على المؤمِنِين أعِزَّةٍ على الكافِرِين)[1] قال القرطبي: "أي يرأفُون بالمؤمِنِين ويَرْحَمُونَهم ويَلِينُون لهم... ويُغْلِظُون على الكافِرِين ويُعادًونَهم، قال ابنُ عباس: هم للمؤمِنين كالوالدِ للولدِ والسيِّدِ للعَبد، وهم في الغِلظةِ على الكفارِ كالسبعِ على فَرِيسَتِهِ، قال الله تعالى: (أشِدَّاءُ على الكفارِ رُحَماءُ بينهم)".[2]
فتلك هي البواعِثُ الإيمانيةُ والأُسُسُ العَقَدِيَّة التي تُميِّزُ علاقةَ المؤمنين فيما بينَهم عن علاقتِهم بَغَيرِهم؛ "فهي الشِّدةُ للهِ والرحمةُ لله، وهي الحَميّةُ للعقيدةِ والسماحةُ للعقيدة؛ فليس لهم في أنفُسِهم شيءٌ، ولا لأنفُسِهم فيهم شيءٌ! وهم يُقِيمُون عَواطِفَهم ومَشاعِرَهم كما يُقِيمُون سُلُوكَهم ورَوابِطَهم على أساسِ عَقيدَتِهم وَحْدَها: يَشْتَدُّون على أعدائهم فيها، ويَلِينُون لإخْوتِهم فيها؛ قد تَجَرَّدُوا مِن الأنانيَّةِ ومِن الهوى ومِن الانفِعالِ لِغَيرِ الله!"[3]
ويزيدُ الأمرَ وُضُوحاً النصُّ في هذا السِّياق على أنّ هذه العلاقةَ الحميمةَ بين المؤمنين تُعجِب الزُّرَّاعَ وتَغِيظُ الكفارَ، وذلك يذكِّر بقولِ الله تعالى: (وإذا خَلَوْا عَضُّوا عليكم الأنامِلَ من الغَيظِ قلْ مُوتُوا بِغَيظِكم)،[4] وقولِهِ جلَّ جلالُهُ: (قاتِلُوهمْ يُعذِّبْهم الله بأيديكم ويُخزِهم ويُنْصُرْكمْ عليهم ويَشْفِ صُدُورَ قومٍ مؤمنينَ ويُذْهِبْ غيظَ قلوبِهم).[5] "يَشْفِها مِن غَيظِها المكظوم؛ بانتصارِ الحقِّ كاملاً وهزيمةِ الباطل وتشريدِ المبطِلِين".[6] وقال السعدي: "هذا يدلُّ على مَحبةِ الله لعبادِه المؤمِنِين واعتِنائه بأحْوالِهم؛ حتى إنه جَعلَ مِن جملةِ المقاصدِ الشرعيةِ شِفاءَ ما في صُدُورِهم وذهاب غيظِهم".[7] وقال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: (وإذا خَلَوْا عضُّوا عليكم الأناملَ مِن الغيظِ): "وذلك أشَدُّ الغَيظِ والحنق، قال الله تعالى: (قلْ مُوتُوا بِغَيْظِكم) أي مهما كنتم تحسُدون عليه المؤمنين ويَغِيظُكم ذلك منهم؛ فاعْلَمُوا أنَّ اللهَ مُتِمُّ نعمتَهُ على عبادِهِ المؤمنين ومُكْمِلٌ دِينَهُ ومُعْلٍ كلمتَهُ ومُظْهِرٌ دِينَه؛ فمُوتوا أنتمْ بغيظِكم".[8]
ولك أنْ تتصوَّرَ ما يُمْكِنُ أن يؤولَ إليه الغضَبُ عند غِيابِ الوَلاءِ للمُسلمين مِن الفسادِ العريض! فإنَّ الغضبانَ "أول شيءٍ يقبحُ منه باطنُه، وتَغيُّرُ ظاهرِه؛ ثَمرةُ تغيُّرِ باطنِه".[9] حتى كانت أعظمُ نَكبةٍ في تاريخِ المسلمين؛ بِسَبِبِ غَضْبةٍ غَضِبَها رجلٌ أخذَتْه الحمِيَّةُ وغَلبَتْهُ العَصَبِيةُ؛ فانقلَبَ وَلاؤه لأعداءِ الإسلام. فقد حدَّثَنا ثِقاتُ المؤرِّخين عن خيانةِ الوزيرِ الرافضي ابنُ العلقمي للأمة؛ حتى مَهَّدَ للتتارِ دُخُولَ العراق؛ فعاثُوا فيها فَساداً وقتلوا مليونَ مسلم وثمانمائة ألف مسلم.[10] قال الذهبي: "ثارَتْ فِتنةٌ مَهُولةٌ ببغداد بين أهلِ السنةِ والرافضة؛ فغَضِب لها وتنَمَّرَ[11] ابنُ العَلقَمِي الوزير، وجسَّرَ التتار على العراقِ؛ لِيَشْتَفِيَ مِن السُّنة".[12] فانظرْ إلى آثارِ الغَضبِ في قلبِ هذا الوزيرِ الحاقد؛ كيف جَنَتْ على الأمةِ بأسْرِها! ثم "مات؛ غُبْناً وغَمّاً؛ لا رَحِمَه الله".[13] والشواهِدُ على هذا كثيرةٌ في القديم والحديث.
----------
[1] المائدة 54.
[2] الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 6/220.
[3] في ظلال القرآن 26/3332.
[4] آل عمران 119.
[5] التوبة 14-15.
[6] في ظلال القرآن لسيد قطب 10/1612.
[7] تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان للسعدي ص 331.مؤسسة الرسالة. ط1. 1421 هـ.
[8] تفسير القرآن العظيم 1/520.
[9] شرح الزرقاني للموطأ 4/325.
[10] حتى قال العلامة ابن الأثير رحمه الله: "لقد بقيتُ عدةَ سنين مُعرِضاً عن ذكرِ هذه الحادثة؛ استعظاماً لها كارهاً لذكرِها؛ فأنا أُقدِّم رجلاً وأؤخِّر أخرى؛ فمن الذي يسهل عليه أن يكتب نعي الإسلام والمسلمين؟ ومن الذي يهون عليه ذكر ذلك؟ فيا ليت أُمي لم تلدني! ويا ليتني متُّ قبل حدوثِها وكنتُ نسياً منسياً"! الكامل في التاريخ 12/358. دار صادر بيروت، ط2، 1402 هـ في أحداث سنة 617 هـ.
[11] تَنَمَّر: أي تَنَكَّرَ وأوعَد. المعجم الوسيط لمجمع اللغة العربية بالقاهرة ص 994.
[12] دُوَل الإسلام للحافظ الذهبي 2/159.
[13] دول الإسلام 2/159، والعِبَر في خبر مَن عَبَر 3/277.