|
| الصيام والزور |
رمضان نعمة من الله على عباده، وفرصة لتجديد التوبة والإيمان, وفرصة لفتح صفحة جديدة لفعل الخيرات.. ولكي يتم للعبد اغتنام هذه السانحة التي ربما لا تتكرر عليه يجب عليه أن يسعى جادا في تحصيل هدفه، ونيل مرامه، مستعينا بربه؛ حتى يكون صومه على أتم وجه، وأكمل حال.. وكما أنّ على الصائم التقرب إلى الله بعمل الصالحات فكذلك عليه أن يتقرب إليه باجتناب المنهيات.
إنّ مما يُلحق العبد بالإثم في كل وقت, وينقص أجر صيامه قول الزور الذي حذر منه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: (من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه).. (رواه البخاري).. لكن ما هو قول الزور؟!:
قال السعدي رحمه تعالى في تفسيره: (وقول الزور يشمل كل قول محرم)، وقال ابن حجر في الفتح: (الكذب، والغيبة، والنميمة), ومما سبق يتضح أنه يشمل كل قول منكر يصدر من اللسان؛ إذ أن القول يكون به, وهذا اللسان هو الذي حذرنا منه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم حين قال: (وهل يكب الناس على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم؟!)، وقال عليه أفضل الصلاة والسلام: (إن الرجل ليتفوه بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً تلقي به في النار أبعد مابين المشرق والمغرب).. وحفظه ضمان لدخول الجنة؛ قال صلى الله عليه وسلم: (من ضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه ضمنت له الجنة)، ولا يكاد يسلم من هذا اللسان إلا من رحم ربي!.. نسأل الله تعالى أن يعيننا على أنفسنا.
وإنما كان التعنيف على الصائم والله أعلم لأنه ترك المباح من أجل الله؛ فكيف يرتكب المحرمات؟!.. قال القاضي: (المقصود من الصوم كسر الشهوة، وتطويع النفس الأمارة؛ فإذا لم يحصل منه ذلك لم يبال بصومه، ولم ينظر إليه نظر عناية؛ فعدم الحاجة عبارة عن عدم الالتفات والقبول, وكيف يلتفت إليه والحال أنه ترك ما يباح في غير زمان الصوم من الأكل والشرب، وارتكب ما يحرم عليه في كل زمان).. (تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي).
فإذا كان على العبد أن يتجنب هذه الموبقات في كل أحواله فمن باب أولى أن يدع الصائم قول الزور؛ وذلك لأن المقصود من الصوم هو تحصيل التقوى, ومن أعظم أسباب حصول التقوى بعد فعل الخيرات ترك المنكرات, ومن هذه المنكرات قول الزور الذي اعتاد عليه كثير من الناس إلا من رحم ربي؛ فيكون ترك قول الزور والعمل به حال صيامه مدعاة أن يتركه في كل أيامه؛ وذلك أن الصيام يهذب النفس، ويروضها، ويصلحها من بين كثير من العبادات؛ ولعل ذلك والله أعلم من بعض حكم قوله صلى الله عليه وسلم لأبي أمامة الباهلي وهو عليه الصلاة والسلام يخبره عن أفضل الأعمال: (عليك بالصوم فإنه لا مثل له)، والصائم تكون نفسه منكسرة، قريبة من الله، بعيدة عن معصيته؛ فيردد في نفسه: صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ الصوم لا عدل له.
على الممتنع من الطعام والشراب والشهوة التي أباحها الله تعالى له حال صيامه أن يفعل ذلك لله تعالى؛ لأنه يعلم قوله تعالى في الحديث القدسي: (إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به.. يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي)؛ يجب على هذا الصائم أن ينظر في أمره، ويتدبر حاله؛ إذ كيف يتحمل كل هذه المشقة، ثم يقع في قول الزور؛ فينقص أجر صومه، إن لم يذهبه بالكلية.. وتأمل قول الله تعالي في الحديث القدسي: (يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي)، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (من لم يدع قول الزور والجهل والعمل به فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه) يتضح لك أن المقصود من الصيام أن تدع قول الزور والعمل به؛ وإنما ترك الطعام والشراب لسبب حصول ترك قول الزور وجميع المنكرات.. والله أعلم.
إن من اعتاد على الكذب والغيبة والنميمة والوقوع في أعراض الناس وغيرها من آفات اللسان يجب عليه أن يجاهد نفسه؛ ويعودها على إبدال ذلك بالذكر وتلاوة القرآن والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, وأن يجلس مع الصالحين الذين يعينونه على قول الحق والصدع به, وينهونه عن قول الزور والعمل به.
إن أيام هذا الشهر الكريم معدودات، ولياليه تمضي سراعا, وقد لا يعود علينا الشهر إلا ونحن مسافرون سفراً لا رجعة بعده أبداً؛ فلنسارع إخوتي قبل أن نقول: (يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله)، ونسأل الله أن يعيذنا من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا, ونعوذ به من منكرات الأعمال والأقوال, ونعوذ به أن نقول زوراً، أو أن نغشى فجوراً.