استطاعت الإنقاذ إبان سنوات الحصار الأمريكي في الأعوام الماضية أن تتجه شرقا للتخفيف من وطأة الحصار، وتطوير علاقات قديمة مع هذا الجانب من العالم الذي لا يحمل أي عُقَد تجاه العلاقات مع السودان؛ فاتجهت إلى الصين؛ مستفيدة من رصيد العلاقات التي بدأت أيام الحكم المايوي، وتطورت خلال فترة الديمقراطية الثالثة عبر الجبهة الإسلامية القومية التي امتدت علاقاتها الخارجية لتشمل الحزب الشيوعي الصيني.
وجاء الوجود الصيني في السودان هذه المرة بقوة عبر سلعة حساسة جدا بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية؛ إذ نجحت الصين في استخراج النفط السوداني بكميات تجارية، وكانت الولايات المتحدة هي التي بدأت استخراج النفط السوداني أيام حكم الرئيس الأسبق جعفر نميري في بداية الثمانينات من القرن الماضي؛ فالوجود الصيني في السودان إذًا لم يمثّل حلول قوة عظمى أخرى مكان الولايات المتحدة في السودان فحسب؛ وإنما تجلّى في مجال شديد الحيوية بالنسبة للأمريكان؛ يقيمون من أجله الحروب؛ ويسقطون الأنظمة للاستحواذ عليه؛ وهو مجال النفط.
وفي إطار الضغط على الحكومة السودانية؛ لتعديل مواقفها، وعلى رأسها إعادة النظر في الوجود الصيني في البلاد ظلت الولايات المتحدة ترفع عصا العقوبات الاقتصادية ضد السودان، وتجددها سنويا؛ لمزيد من الإرهاب، والتطويع؛ والتي كان آخرها إبان زيارة النائب الأول لرئيس الجمهورية (الفريق سلفاكير ميارديت) للولايات المتحدة أواخر الشهر الماضي..إلا أن الولايات المتحدة؛ وحتى لا تضر حليفها الشريك في الحكومة السودانية (الحركة الشعبية) ألمحت إلى إمكانية رفع العقوبات عن الجنوب؛ والإبقاء عليها في الشمال!؛ مما دعا المتحدث الرسمي بوزارة الخارجية السودانية (السفير جمال محمد إبراهيم) إلى التصريح لصحيفة (الرأي العام) بأن بعض مسؤولي الإدارة الأمريكية تحدثوا عن اعتزام واشنطن رفع العقوبات عن الجنوب؛ وإبقائها في الشمال؛ وقطع برفض الحكومة السودانية لمثل هذا العرض، وهذا النوع من التعامل؛ باعتبار أن السودان دولة واحدة؛ ذات سيادة تدير؛ سياستها الخارجية عبر وزارة واحدة.
إلا أن الصين وهي تراقب تطورات العلاقات (الأمريكية-السودانية) بعد دخول الحركة الشعبية كشريك رئيس في الحكم لم تقف مكتوفة الأيدي؛ فقد وصل البلاد مساء 14/11 الماضي وفد صيني رفيع المستوى بقيادة الرفيق (لي تشانغ شونغ) عضو اللجنة الدائمة للمكتب السياسي في زيارة للبلاد برفقة أكثر من سبعين من المسؤولين الحزبيين والحكوميين الصينيين.
وفي ترحيبه بالوفد الصيني الزائر صرح د. نافع علي نافع مساعد رئيس الجمهورية ونائب رئيس المؤتمر الوطني للشؤون التنظيمية والسياسية بقوله: (نقدر جهود الصين في دعم التحرر والحب للشعوب، ونثمن دورها لدعم السودان في كافة المجالات، ومناصرة قضايا السودان في كافة المحافل الدولية والإقليمية).. وأضاف: (إن الصين تقوم بالتعاون مع الشعوب وليس لاستغلالها)؛ في إشارة واضحة للولايات المتحدة الأمريكية.
وفي المفاوضات بين المؤتمر الوطني والحزب الشيوعي الصيني جدد السودان إعطائه الأولوية والأفضلية للمؤسسات والشركات الصينية لنيل فرص الاستثمار في المجالات المختلفة؛ حاثا الجانب الصيني على حفز المزيد من الشركات، ورجال الأعمال الصينيين للعمل في السودان في ظل التدافع من قبل الدول المختلفة لنيل فرص العمل؛ استغلالاً للموارد الضخمة التي يزخر بها السودان.
وتم خلال الجلسة بين المؤتمر الوطني والحزب الشيوعي الصيني التوقيع على اتفاقين:
أحدهما قرض صيني للسودان دون فوائد بمبلغ أربعين مليون إيوان صيني..
والثاني: اتفاق منحت بموجبه الصين السودان عشرين مليون إيوان..
وأكدت اللجنة الاقتصادية التجارية المشتركة بين الجانبين أن التعاون السوداني الصيني يمثل أنموذجا للتعاون بين دول الجنوب والدول النامية عامة بعيدا عن الأجندة السياسية والتدخلات في الشؤون الداخلية.
وقد ظهرت خلال الأسبوع الماضي متزامنة مع زيارة الوفد الصيني إعلانات على صفحات الصحف السودانية للشركة الوطنية الصينية للبترول؛ تُبرز فيها أسهاماتها في المشاريع الخيرية التعليمية، ومجال البنيات الأساسية للمواطنين؛ مثل توفير المياه وغيرها؛ في إشارة إلى أن الوجود الصيني في السودان يستفيد منه الأهالي والشعب السوداني أيضا، لا الحكومة السودانية وحدها.. والإعلانات بمثابة حملة علاقات عامة؛ لجعل الوجود الصيني مطلبا شعبيا أيضا.
وشركات البترول الأمريكية استثمرت هذا المناخ من الشد والجذب في ظل وجود حليف مشارك رئيس في الحكومة السودانية؛ فأسرعت للحاق بمجال النفط في السودان؛ فقد استقبل الدكتور عوض الجاز وزير الطاقة والتعدين بمكتبه بالوزارة يوم 15/11؛ أي بعد يوم واحد من وصول الوفد الصيني وفدا من مستثمرين أمريكيين من شركة أركيدا برئاسة بيتر بوسورث نائب المدير التنفيذي للشركة، وبحث الاجتماع إمكانية استثمار الشركة بقطاع الطاقة بالسودان.
وعلى صعيد الضغط الأمريكي على الصين؛ لعزلها، وإبعادها عن الشأن السوداني طالبت 134 جمعية، وكنيسة مسيحية الرئيس جورج بوش بالضغط على الصين؛ لوقف الحماية التي تقدمها للسودان، والتوقف عن الاعتراض على العقوبات التي ترغب الجمعيات في تمريرها على الخرطوم في الخبر الذي نقلته (الرأي العام) الأربعاء 16/11 نقلا عن (الشرق الأوسط)..
ووجهت الجمعيات خطابا إلى بوش - الذي بدأ جولة آسيوية تشمل الصين - قالت فيه: إن الصين أكبر مستهلك للنفط السوداني، وواحدة من أكبر موردي الأسلحة للسودان، وأكبر حلفاء الخرطوم أمام مجلس الأمن؛ وبالتالي فإن الصين موقع مهم للضغط على الحكومة السودانية؛ لإيقاف المذابح في دارفور..
وذكر الخطاب أن الصين تحمي الحكومة السودانية عن طريق إضعاف قرارات الأمم المتحدة التي هي ضعيفة أصلا..
وحمل الخطاب توقيع الجمعية الايفانجليكية القومية، وجمعيات الكنائس العالمية الاتحادية، وعدد من الجمعيات اليهودية.
والساحة السودانية تشهد في هذه المرحلة صراعا بين قوتين عالميتين عظميين؛ كل منهما تساند أحد قطبي الحكم في السودان؛ فالولايات المتحدة تدعم الحركة الشعبية؛ وتسعى لتثبيت أقدامها في السودان عبرها، كما أن الصين تساند المؤتمر الوطني؛ وتتشبّث بمكتسباتها التي حققتها عن طريقه..
والحرب بين القوتين العظميين في السودان من المرجح ألا تأخذ الطابع العسكري، ولكنها ستتواصل بضراوة في المجالات الاقتصادية والدبلوماسية والإعلامية، وكل منهما تسعى لزحزحة الأخرى كليا أو جزئيا عن المجال السوداني.
ويبقى أن أهل السودان هم الذين ينبغي أن يحددوا مصالحهم وسياساتهم، لا القوى الخارجية.. فهل يفعلون؟!.