شبكة المشكاة الإسلامية 
آخر تحديث: 16.ربيع الاول.1433 الموافق: 2012-02-09م

ثلاثيات نبوية (59) ثلاث تبذل فيهن الأموال  ::  الدين القيم (119) الله هو المعبود الحق  ::  نساء خالدات (35) صفية بنت حيي 2  ::  دفاعا عن الحجاب  ::  ثلاثيات نبوية (58) ثلاثة حدث النبي بقصتهم  ::  الدين القيم (118) عيد الفطر  ::  نساء خالدات (34) صفية بنت حيي 1  ::  المدارس الغربية في البلاد الشرقية  ::  ثلاثيات نبوية (57) لا ينظر الله إليهم 2  ::  الدين القيم (117) لعنة الجاهلية  ::  

الإستشارات الفتاوى الأخبار الصفحة الرئيسية

ما حكم الاحتفال بالمولد النبوي؟

تابعوا المشكاة على تويتر

محاضرات وخطب  -فضيلة محمد سيد حاج رحمه الله

بيان هيئة علماء السودان حول أحداث سوريا

البث المباشر لقناة طيبة الفضائية

البث المباشر لقناة إفريقيا الفضائية

البث المباشر لقناة إفريقيا سواحيلي

 

الرئيسية المقالات

 

 

 

Bookmark and Share

مَراتِعُ الأشواق في مَرابع العُشاق (1 /3)

 

د.محمد عمر دولة
باحث إسلامي

2005-11-28

(1)

مراتع العشاق
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.

وبعد، فما أسعدَ أن يشعرَ الإنسانُ أنه ذاهبٌ إلى بيتِ الله الحرام، وزائرٌ للكعبة المشرَّفة، ومُقبلٌ على مكة المكرمة

عجيبةٌ هي الخواطر.. وعديدةٌ هي المشاعر التي تنتابك.. وأنت تستعدُّ لدخولِ مكة وزيارة بيتِ الله الحرام؛ فتتذكر قولَ الله عز وجل: (إنَّ أولَ بيتٍ وُضِعَ للناسِ للذي بِبَكةَ مُبارَكاً وهُدى للعالَمين فيه آياتٌ بَيِّناتٌ مقامُ إبراهيم ومَن دخَلَه كان آمناً).[1]

تتبادرُ إلى ذهنِك ذكرياتُ الحنيفية السمحاء وروائعُ التاريخ البعيد وروائحُ الحضارة العطرة.. من لدن إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام.. وخطاب الله عز وجل لهما (أنْ طَهِّرا بيتي للطائفين والعاكِفِين والرُّكَّع السُّجُود)[2].. وعملهما الدؤوب لرفعِ قواعد البيت العتيق (وإذ يرفع إبراهيمُ القواعدَ من البيت وإسماعيل)[3].. ويخطر ببالِك دعاؤهما الخاشعُ المنيب: (ربَّنا تقبَّلْ منا إنك أنت السميعُ العليم ربَّنا واجعلْنا مُسلِمَيْن لك ومِن ذُريَّتِنا أُمةً مُسلمةً لك وأرِنا مَناسِكَنا وتُبْ علينا إنك أنتَ التوابُ الرحيم).[4]

شعُورٌ من الفرحِ والسعادة والانشراح يغمر القلب.. في انتظار الطائرة.. التي تبلِّغك منازلَ الأحبة ومهبطَ الرسالة؛ فتتذكر قولَ الشاعر:

أسعُ البلادَ إذا أتيتك زائراً وإذا هجرتك ضاقَ عني مقعدي

لقد آن لك.. أن تزورَ البلدَ المبارك.. الذي عاش فيه أصحابُ النبي صلى الله عليه وسلم .. وترى ذكرياتِ الصالحين من السابقين الأولين:

قومٌ إذا اشتجرَ القنا جعلوا القلوبَ لها مَسالكْ

اللابِسِين قلوبَهم فوقَ الدروعِ لِدَفعِ ذلكْ

ها هي الطائرة.. تبدو لناظِرَيْك.. وهي تستعد للإقلاعِ؛ فتتذكر قول (عمر أبو ريشة) رحمه الله:

وَثَبَتْ تستقربُ النجمَ مجالا وتهادتْ تسحبُ الذيلَ اختيالاً

فتتبسم من حالِ الشاعرِ الذي كان مقعدُه في تلك الطائرة إلى جانب فتاة (إسبانية).. قالت له مُعَرِّفةً بنفسِها:

أنا من أندلسٍ جنةِ الدنــــــــــيا سُهولا وجبالا

وجُدودي ألْمَحُ الدهرَ على ذِكْــرِهِمُ يطوي جناحَيْهِ جلالا

بُورِكَت صحراؤهم كم زخَرت بالمروءات يمينا وشمالا

ثم فاجأتْه بسؤالِها:

هؤلاء الصِّيدُ قومي فانتسِبْ إن تَجِدْ أكرمَ من قومي رجالا

فأطرقَ المسكين.. وتذكَّرَ حالَ المسلمين.. وما هم فيه اليوم من الضعفِ والعجز والتشرذم؛ بخلافِ جُدُودِ هذه الفتاةِ الذين تفتخر بهم.. فبكى وما اسْطاعَ أن يُخبرَها بشيءٍ مما آلَ إليه الأمرُ من بعدِ أجدادِها؛ بل تجاهل سؤالَها:

أطرقَ القلبُ وغامَت أعْيُني برؤاها وتجاهلتُ السؤالا

سُبحانَ الله.. ما ألطفَ هذه اللحظات.. حيث تغمرك مشاعر عامرةٌ.. وأنت تستعد لركوبِ الطائرةِ التي تنقلك إلى البلد الحرام، ويتبادر إلى ذهنِك وقلبِك قولُ أبي تمام:

لو يقدرون مَشَوا على وَجناتِهم وخُدودِهم فضلا عن الأقدام

أبشِرْ أيها المحب.. فعما قليلٍ.. ترى البركةَ المتنَزلة.. في مهبطِ الرسالة وموطنِ الرحمة:

وما انتفاعُ أخي الدنيا بناظِرِه إذا استوتْ عنده الأنوارُ والظُّلَمُ

أيها الرجل السعيد؛ أتدري أين أنت ذاهب؟

اليومَ تقصد جنةَ الدنيا: (مكة المكرمة)؛ فترى البلدَ الأمين، وتزور خيرَ بقاعِ الأرض، وأفضلَ بلادِ الله، وأحبَّ مكانٍ إلى الملك الدَّيَّان.

أبشِرْ بِخَيرِ يومٍ مرَّ عليك.. منذ وَلَدَتْك أمُّك.. فأنت اليومَ في ضيافةِ (أم القرى) وزهرةِ المدائن وعروسِ البُلدان، وأطهرِ مكانٍ وأشْرفِه وأقدَسِه

فترفَّقْ.. واحْمد الله.. وقلْ كما قال أبو ذؤيب الهذلي:

جَمالَكَ أيها القلبُ القريحْ

ستلقى مَن تحبُّ فتسترِيحْ[5]

-------------------- (2) ---------------------

حين تُقلِعُ الطائرةَ.. يطير قلبُك من بينِ جوانِحِك؛ فلا تدري له مُستقَرا.. وتقول في زحمة الأشواق: ليت لي جناحَيْن أطيرُ بهما إلى (مرابع العشاق):

أسِرْبَ القَطا هل من يُعِيرُ جناحَه لعلِّي إلى من قد هَوِيتُ أطيرُ

وأيُّ قطاةٍ لم تُعِرْكَ جناحَها تعيش بذُلٍّ والجناحُ كسيرُ

الله أكبر.. ما أحلى القُدُومَ على مكة المكرمة.. وما أسعدَك أيها المحرومُ؛ بزيارةِ البلدِ الأمين.

ما أجملَ أن تُطِلَّ من النافذة.. وترى الدنيا من تحتك.. وأنت تطيرُ في مَلكوتِ الله الواسع؛ فتذكر قولَ الله تعالى: (ولله مُلكُ السمواتِ والأرضِ) كيف لا وقد كنتَ قبل دقائق تسير على الأرض.. فأصبحتَ تطير في السماء فيفتح الله عليك فهماً لبعض معاني قوله عز وجل: (إنَّ في خلقِ السموات والأرضِ واختلافِ الليلِ والنهارِ لآياتٍ لأُولي الألباب الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جُنوبِهم ويتفكرون في خلقِ السموات والأرض ربَّنا ما خلقتَ هذا باطلا سُبحانك فقِنا عذابَ النار).[6]

سُبحان الله؛ ما أوسعَ مُلكَ الله أرضٌ واسِعةٌ.. ما بلغَ إنسانٌ كلَّ مكانٍ فيها.. وسماء أوسعُ مجالا وأبعدُ مدى

فتتذكر قولَ الله عزَّ وجل: (لِتَسْتَوُوا على ظُهورِه ثم تذكروا نعمةَ ربِّكم إذا استويتم عليه وتقولوا سُبحانَ الذي سخَّرَ لنا هذا وما كُنا له مُقرِنِين وإنا إلى ربِّنا لمُنقلِبُون).[7]

نعم.. أنت تعني اليومَ معنى التسخير؛ فلولا أنْ فَتحَ الله عزَّ وجلَّ أبوابَ العِلم.. وهَدَى الناسَ إلى ما يريحهم في سَفرِهم ما كانوا له مُقرِنِين

ويُذَكِّرك الله تعالى.. في سَفرِك هذا.. بالرحلةِ الكبرى التي لا رِحلةَ بعدَها.. والسفرِ الأخير الذي لا عودةَ بعدَه إلى الدنيا

تلك هي الحقيقة وإنْ غَفَلْنا عنها كثيراً؛ فلا بد لهذا اليوم من مجيء (وإنا إلى ربِّنا لَمُنقَلِبون) وهذا المعنَى الإيماني النابع من القرآن والسنة.. يَحضرُ بقوةٍ في قلبِ المسافِرِ وذهنِه.

ها هي الطائرة تتأهب للرحيل، وحادي الأرواح يُنادِيها للسفر.. إلى بلادِ الأفراح

فتردِّدُ في خُشوعٍ: (الله أكبر.. الله أكبر.. الله أكبر.. سُبحانَ الذي سَخَّرَ لنا هذا وما كُنا له مُقرِنِين، وإنَّا إلى ربِّنا لَمُنقَلِبُون. اللهم إنا نسألُك في سَفرِنا هذا البِرَّ والتقوى، ومن العملِ ما ترضى. اللهم هَوِّنْ علينا سَفرَنا هذا بُعْدَه. اللهم أنتَ الصاحبُ في السفر، والخليفة في الأهلِ؛ اللهم إنِّي أعوذُ بك من وَعثاءِ السفرِ، وكآبةِ المنظر، وسُوء المنقَلَب في المالِ والأهلِ).[8]

اليوم تعلم معنى (الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر).. تعلم أنَّ الله عزَّ وجلَّ أكبرُ من جميعِ هذا الوُجودِ بزمانِه ومكانِه.. وسائرِ مخلوقاتِه المسخَّرة بَراً وبحراً وجَواً...

(الله أكبر).. من هذه الحياة الدنيا.. التي تبدو الآن في حَجمِها الحقيقي.. فأنتَ اليومَ تَعلُوها بآلافِ الأميال.. وتطيرُ فوقَها بأعلى الدرجات؛ فكذلك المؤمنُ حين يَعِي معنَى (الحياة الدنيا) كما قال تعالى: (ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخْلَدَ إلى الأرضِ واتبعَ هواه)[9].. ويسرع لسانك حينئذ.. إلى تلاوة قول الله عز وجل: (من كان يريد الحياةَ الدنيا وزينتَها نُوَفِّ إليهم أعمالَهم فيها وهم فيها لا يُبخَسُون أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النارُ وحبط ما صنعوا فيها وباطلٌ ما كانوا يعملون)[10]

هذه بيوتُنا وعماراتُنا وقُصورُنا التي نتباهى ونتفاخرُ بها.. تبدو الآنَ من نافذةِ الطائرةِ.. كأنها مقبرةٌ كبيرةٌ وتلك وربِّي هي الحقيقة.. التي ستظهر بعد حين.

سُبحان الله.. كم تستشعرُ عظمةَ الله عزَّ وجلَّ.. وأنت تُحلِّقُ في الفضاءِ الرحبِ.. وتشقُّ عُبابَ السماء، وترى السحابَ من تحتك.. كأنه قِطَعٌ متراكمةٌ من الثلج.. وقد كنتَ قبلَ قليلٍ تراه عالياً في السماء فالحمد لله الذي سخَّرَ لنا هذا وما كنا له مقرنين

وقد كان ابنُ رُسته يتمنى في (الأعلاق النفيسة) هذه الأُمنية.. قبل أكثرَ من ألفِ عام، فيقول رحمه الله:

ألا ترى ذا الفَلَكَ الدائرا أبيتُ مِن هَمٍّ به ساهراً

أُفكِّرُ فيه وفي أمرِه وما أرى خَلقاً به خابرا

فليت شعري تُرى مرةً أُرَى فوقَ أبراجِها سائراً

أُرى مع طالِعِها طالعاً وتارةً مع غائرٍ غائرا

لأعلمَ جُملةَ تدبيرِه وأعرفَ المستورَ والظاهرا

اللهم فأعِنَّا بفضلِك؛ حتى نؤديَ حقَّ شُكرِك: بِراً وتقوى وعملاً صالحاً، ونسألك التيسير والحفظَ وتقريبَ البعيد (اللهم هَوِّنْ علينا سفرَنا هذا واطْوِ عنَّا بُعدَه)

(اللهم أنت الصاحبُ في السفر)؛ فلولا رحمتُك وفضلُك ولُطفُك؛ لما طِرْنا في الهواء ولا حلَّقنا في الفضاء؛ ولكنه جُودُك وكَرَمُك (إنَّ ربِّي لَطيفٌ لما يشاء إنه هو العليمُ الحكيم).[11]

فلك الحمدُ ولك الشُّكرُ؛ أن كنتَ (الصاحب في السفر) قال الباجي: "فيصحبُ المسافرَ في سَفَرِه: بأن يُسلِّمَه ويرزقَه ويُعِينَه ويُوفِّقَه ويَخلُفَه في أهلِه بأن يرزقَهم ويَعصِمَهم؛ فلا حُكمَ لأحدٍ في الأرضِ ولا في السماءِ غيرُه".[12]

ولك الحمدُ أنك (الخليفة في الأهل) بحِفظِك وسترِك وكلاءتِك؛ فالحمد لله الذي فطرَ الأرضَ والسماء، وحفظَ عبادَه في حَلِّهم وترحالِهم في أرضِه وبحرِه وسمائه.

فاللهم كما رحمتَنا بِصُحْبتِك في سَفرِنا.. وتفضَّلتَ علينا بِحِفظِ أهلِنا من ورائنا؛ مُنَّ علينا بتوفيقِك وحِفْظِك التام؛ (إنا نعوذُ بك من وَعْثاءِ السفر وكآبةِ المنظر وسُوءِ المنقَلَب في المالِ والأهلِ). قال السيوطي رحمه الله: "(وَعْثاء السفر) بالمثلَّثة: وهي شِدتُه وخُشُونتُه، (ومِن كآبة المنقلب): أي حُزنُه، وذلك أن يَنقَلِبَ الرجلُ وينصرفَ من سفرِه إلى أمرٍ يُحزِنُه ويكتئب منه، (ومن سُوءِ المنظر في المال والأهل) وهو كل ما يسوء النظر إليه وسماعه فيهم".[13]

اللهم كما حفظتَنا في رحلتِنا هذه؛ فاحفَظْنا وأهلَنا في كل سفرٍ من الوعثاء والتعب.. وفي كل منظرٍ من الكآبة.. وفي كل مُنقَلَبٍ من السوء في الأهلِ والمال.

اللهم إنا نسألك لنا ولوالدينا ولذُرِّياتنا ولِمَشايِخنا وللمسلمين حُسنَ الختام؛ فإنَّ أخطرَ سفرٍ وأشقَّه هو سفرُ الآخرة. و أكثرُ المناظرِ كآبةً.. وأسوءُ مُنقَلَبٍ هو مصيرُ العبد العاصي؛ فإنه يعود كما يعود العبد الآبق إلى سيده ذليلا حقيراً.

والآن.. أحمد الله على سلامةِ هذه الرحلة؛ فقد منَّ الله بوصولِ الطائرة سالِمةً؛ فلله الحمد والمنة.

اللهم إنا نسألك لنا ولوالِدينا وذُرياتنا ومشايخنا وللمسلمين السلامةَ في الدين والدنيا وحُسنَ المنقلَب.

والحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين. وإلى لقاءٍ.. في زمزم إن شاء الله.

في زمزم

----------------------(3) -----------------------

أيها الظامىء العطشان.. في هجير الأيام؛ أبشرْ.. فقد بلغتَ المنزل

اليوم تشرب من (زمزم).. عَلا بعد نَهَل

أبشرْ.. فأنت الآنَ مُقبلٌ.. على الماء المعين.. في البلدِ الأمين

ففي البلد الأمين.. تعرف الرِّيَّ بعد ظمأ السنين

وحينما تصل.. وتقف أمام (زمزم).. وترفع الكأسَ إلى فيك.. يبدو لك التاريخ العبق.. فيزيد الماء حلاوةً.. تجده في فمِك وقلبِك وعقلِك

هذه (زمزم) إسماعيل عليه السلام؛ التي فجَّرَها جبريل عليه السلام بجناحه.. فكان رحمةً من الله ورِيّاً لهاجر وإسماعيل عليهما السلام..

يا من تبحث عن قُرة العينَين.. وتريد بلوغَ المنزل.. أنت اليوم ضَيفٌ.. على البلد الطيب المبارك الذي يخرج نباته بإذن ربه.. في ظلال الحرم الشريف.

هذا هو الماء المبارك.. الذي غُسِلَ به صدرُ رسول الله صلى الله عليه وسلم كما روى أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (أتاه جبريل عليه السلام وهو يلعب مع الغلمان فأخذه فصرعه فشق عن قلبه فاستخرج القلب فاستخرج منه علقة فقال: هذا حظ الشيطان منك، ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم، ثم لأمه ثم أعاده في مكانه. وجاء الغلمان يسعون إلى أمه ـ يعني ظئره ـ فقالوا: إنَّ محمدا قد قتل فاستقبلوه وهو منتقع اللون، قال أنس: وقد كنت أرى أثر ذلك المخيط في صدره).[14]

وروى البخاري في كتاب (الصلاة) باب (كيف فُرِضَت الصلواتُ في الإسراء)[15] وفي باب (ما جاء في زمزم)[16] عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان أبو ذر يُحدِّثُ أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: (فرج عن سقف بيتي وأنا بمكة فنزل جبريل ففرج صدري، ثم غسله بماء زمزم، ثم جاء بطست من ذهب ممتلئ حكمة وإيمانا؛ فأفرغه في صدري ثم أطبقه ثم أخذ بيدي فعرج بي إلى السماء الدنيا).[17]

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يُحِبُّ السقاية من زمزم، كما روى ابن عباس رضي الله عنهما (أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم جاء إلى السقاية فاستسقى، فقال العباس: يا فَضلُ اذهبْ إلى أمك؛ فأْتِ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم بشرابٍ من عندها، فقال: اسقني، قال: يا رسولَ الله إنهم يجعلون أيديَهم فيه، قال: اسقِني؛ فشرب منه، ثم أتى زمزم وهم يسقون ويعملون فيها فقال: اعملوا فإنكم على عمل صالح، ثم قال: لولا أن تغلبوا لنزلت؛ حتى أضعَ الحبلَ على هذه: يعني عاتقه وأشار إلى عاتقه).[18]

وكان صلى الله عليه وسلم يعتني بسقاية الحجيج حتى كان يأذن صلى الله عليه وسلم في المبيت بمكة ليالي منى لمن يقوم بهذه الوظيفة المهمة، فقد استأذن العباس رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبيتَ بمكة ليالِيَ مِنَى لِيَسقيَ الحجيجَ، كما روى البخاري في باب (سقاية الحاج) عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: (استأذن العباسُ بن عبد المطلب رضي الله عنه رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أن يبيتَ بمكة ليالِيَ مِنَى من أجلِ سِقايته؛ فأذن له).[19]

هذه زمزمُ.. يا صاحبي.. فاشْرَبْ وتظلَّعْ.. فإنها (طَعامُ طُعْمٍ، وشِفاءُ سُقم).. وقد شرب منها أبو ذر رضي الله عنه في قصته العجيبة، حيث قال: (لقد لبثتُ ثلاثين بين ليلةٍ ويومٍ ما كان لي طعامُ إلا ماء زمزم فسمنتُ؛ حتى تكسَّرت عُكَنُ بطني، وما وَجدتُ على كبدي سَخْفةَ جُوع).[20]

اليوم ترى كثرة المزدحمين للشُّربِ.. من زمزم المبارك.. وتتذكر قولَ الشاعر:

لزمزم بئرٌ غدا ماؤها ببردِه يطفىء حرَّ الأدام

تزدحم الناسُ على شربِه والمنهل العذبُ كثيرُ الزحام

وقد كان العلماء يعرفون لماء زمزم قدرَه، ويُكثرون من الدعاء عند شربِه.. فبماذا سوف تدعو يا صاح؟ بالعلم النافع.. والعمل الصالح.. والتوفيق.. وحسن الختام

فقد ذكرَ السيوطي في (ذيل تذكرة الحفاظ) أنَّ الحافظ ابنَ حجر شرب ماءَ زمزم ودعا أن يُبلِّغَه درجة الحافظ الذهبي، وحكى السيوطي عن نفسه أنه شرب ماءَ زمزم ودعا الله أنْ يُبلِّغَه درجةَ الحافظ ابن حجر رحمة الله عليهم أجمعين.

وقد كان العلماء يتهادَون ماء زمزم فيما بينَهم، كما جاء في كتاب (مكة المكرمة في شذرات الذهب للغزاوي) أنَّ الحافظ نور الدين بن سلامة الشافعي المكي المولود بمكة سنة 746هـ والمتوفى بها سنة 838هـ أهدى إلى شمس الدين بن الجزري من ماء زمزم، وأرسل إليه معه هذه الأبيات:

ولقد نظرتُ فلم أجدْ يُهدَى لكم غير الدعاء المستجاب الصالحِ

أو جرعة من ماء زمزم قد سمتْ فضلا على مد الفرات السائحِ

هذا الذي وصلت له يدُ قدرتي والحقَّ قلتُ ولست فيه بمازِحِ

فأجابه الشيخ ابن الجزري بهذه الأبيات:

وصلَ المشرفُ من إمام مرتضى نور الشريعة ذي الكمال الواضِحِ

وذكرتَ أنك قد نظرتَ فلم تجدْ غير الدعاء المستجاب الصالحِ

أو جرعة من ماء زمزم حبذا ما قد وجدتَ ولستُ فيه بمازحِ

أما الدعاءُ فلستُ أرجو غيرَه ما كنتُ قطُّ إلى سواه بطامِحِ[21]

وقد بلغَ من كَلفِ العلماء وحبِّهم زمزم أنهم يجعلون ماءَها أرقَّ من ريق المها، كما قال محمد بن وهب بن مطيع:

تَهيمُ نفسي طرباً عندما أستملح البرقَ الحجازيا

ويستخف الوجدُ عقلي وقد لبستُ أثوابَ الحجا زِيا

يا هلْ أقضِّي حاجتي مِن مِنَى وأنْحَرُ البُزْلَ المهاريا

وأرتوي مِن زَمزمَ فهل لي أرَقُّ مِن رِيقِ المها ريا

ويحضرك.. شُعورٌ عجيبٌ.. وأنت ترى أُمةَ النبي صلى الله عليه وسلم باختلافِ ألوانِها وألسنتِها وشُعوبِها وقبائلها.. تتظلَّعُ مِن زمزم على مدار السنين.. فتتذكرُ قولَ السهيلي رحمه الله: "كانت زمزم سُقيا إسماعيل بن إبراهيم؛ فجَّرَها له رُوحُ القُدسِ بعَقِبِه، وفي ذلك إشارةٌ إلى أنها لعقب إسماعيل وراثةً: وهو محمد صلى الله عليه وسلم وأمته".[22]

فاشربْ.. من زمزم وتظلَّعْ.. فهي غذاءٌ وشفاءٌ. قال حسين عبد الله باسلامة: "جاء في صحيح مسلم من حديث أبي ذر: (إنه طعامُ طُعم)، زاد أبو داود الطيالسي من الوجه الذي أخرجَه مسلم (وشفاء سُقم). قال القاضي أبو بكر بن العربي: وهذا موجودٌ فيه إلى يوم القيامة لمن صَحَّتْ نيتُه وسلمت طويَّتُه".[23]

ولا تنسَ الدعاءَ عند شُربِ زمزم؛ فإنها سُنةُ العلماء والصالحين، قال ابن القيم رحمه الله: "في سنن ابن ماجه: (من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ماءُ زمزمَ لما شُرِبَ له)، وقد ضَعَّفَ هذا الحديثَ طائفةٌ بعبد الله بن المؤمل راويه عن محمد بن المنكدر، وقد روينا عن عبد الله بن المبارك أنه لما حج أتى زمزم، فقال: اللهم إن أبا الموالي حدثنا عن محمد بن المنكدر عن جابر رضي الله عنه عن نبيِّك صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ماء زمزم لما شُرِبَ له)؛ فإني أشربه لظمأ يوم القيامة. وابن ابي الموالي ثقةٌ؛ فالحديثُ إذن حسن، وقد صححه بغضهم وجعلهم بعضهم موضوعاً؛ وكلا القولين فيه مجازفة. وقد جربتُ أنا وغيري من الاستشفاءِ بماء زمزم أموراً عجيبة، واستشفيتُ به من عدة أمراض؛ فبرئتُ بإذن الله".[24]

--------------------------------------------------

[1] البقرة 96-97.

[2] البقرة 125.

[3] البقرة 127.

[4] البقرة 127-128.

[5] لسان العرب 11/127. دار صادر بيروت. ط6. 1417 هـ. وذكر شطره القرطبي في الجامع 10/70.

[6] آل عمران 190-191.

[7] الزخرف 13-14.

[8] صحيح مسلم 2/978، باب (ما يقول إذا ركب إلى سفر الحج وغيره)، حديث 1342. وفيه: (وإذا رَجعَ قالَهنُّ، وزاد فيهن: آيِبُون تائبون عابِدُون لِرَبِّنا حامِدُون).

[9] الأعراف 176.

[10] هود 15-16.

[11] يوسف 100.

[12] شرح الزرقاني للموطأ 4/498.

[13] تنوير الحوالك للسيوطي 1/247.

[14] صحيح مسلم 1/147. حديث 162.

[15] حديث 342.

[16] حديث 1555.

[17] صحيح البخاري 1/135.

[18] صحيح البخاري 2/589، حديث 1554.

[19] صحيح البخاري 2/589، حديث 1553.

[20] صحيح مسلم 4/1920. قال النووي: "قوله: (حتى تكسرت عكن بطني) يعني: انثنت لكثرة السمن وانطوت. قوله (وما وجدت على كبدي سخفة جوع) هي بفتح السين المهملة وضمها وإسكان الخاء المعجمة: وهي رقة الجوع وضعفه وهزاله". شرح النووي على مسلم 16/28-29.

[21] مكة المكرمة في شذرات الذهب للغزاوي ص 206 لعبد العزيز صقر الغامدي. مطبوعات نادي مكة الثقافي، 1405هـ.

[22] تاريخ عمارة المسجد الحرام لسحن عبد الله باسلامة ص171، مطبعة الشرقية بجدة، ط3، 1400هـ.

[23] تاريخ عمارة المسجد الحرام ص186.

[24] نقله باسلامة عن زاد المعاد في تاريخ عمارة المسجد الحرام ص186.



 

التلاوات
الصوتيات
الأناشيد
المقالات
الملفات
البحوث والدراسات
المرئيات
الحوارات والتحقيقات
نافذة الأشبال

ملف مصور

 

 

 

 

باشتراكك في القائمة البريدية ستصلك رسالة أسبوعية تحتوي على جديد الموقع


بريد المشكاة

المنظمة

جوال المشكاة

  |   عن الموقع   |   اتصل بنا   |   مؤتمرات   |   مواقع صديقة   |  

جميع الحقوق محفوظة لشبكة المشكاة الإسلامية | 2001 - 2009

Developed By Meshkat Team