(موسى سف السكر)..هكذا كتبها على طول عرض ورقة الطلاب (المهرجلين)، بينما احتلت قائمة أسماء المهرجلين النصف الباقي منها..موسى لم يزد على أن فعل ما يفعله كل الصبية – زملاؤه في الفصل- في بيوتهم!!..حتى (وليد) الذي يسميه أستاذ أحمد مديرالمدرسة بـ(وليد العاقل) في الحقيقة كان يعاقبه بهذه الكلمة عندما يعاقب بالسوط والضرب العنيف بقية الطلاب..
(حتى أنت يا وليد القلنا عاقل؟!)..كانت تلك الجملة كافية لئن تجعل وليد يتضاءل زيادة على ضآلة حجمه وقصر قامته، وينكس رأسه إلى الأرض في هزيمة روحية هائلة لطفل كريم دفن أجداده وآباؤه في ذرى جبل كرري، وعلى ضفة النهر عند قرية (الشكابة)..وتنكيس الرأس مرٌّ كطعم العلقم، لأنه يذكره طعم الهزيمة و (كتلة أم دبيكرات) التي تلقى روايتها عن جدته حتى تقمصته تماماً..
موسى ..كان أولاد (الكنبة الأخيرة)؛ أصحاب الشوارب واللحى النابتة يلقبونه بـ(موسى الشليق)..فقد كان هذا الشليق طرفاً في كل مشكلة، وسبباً في كل جلد جماعي يبتلى به طلاب الصف، مشاركاً في كل لعبة مهما كانت خطيرة..ومع ذلك كان جلده يلتصق بعظمه؛ حتى إن الظان ليظن إنه سينكسر إذا انحنى راكعاً في الصلاة..خاصة صلاة العشاء التي يلجأ إليها هرباً من المذاكرة الإجبارية التي حرمته من مسلسل (الزير سالم) ذلك التاريخي الأسطوري الرائع.
وكعادته كان موسى أول من تقدم لمعانة أستاذ العلوم حين طلب متطوعاً في تجربة التبخر والتكثف..ولكن الأستاذ أراد أن يجعل من أول تجربة عملية يوماً للاحتفال والسعادة لكل طلاب الصف الثالث الابتدائي، فطلب من كل طالب أن يحضر من بيته سكراً بمقدار خمس ملاعق، وكوب شاي.. وربما تستعجب من علاقة السكر بالتبخر والتكثف، وحاصل الأمر أن الأستاذ كان يرغب في استثمار الطاقة التي استهلكها الماء في الوصول إلى درجة التبخر، فاقترح إضافة قليل من حبيبات الشاي، مع 155 ملعقة سكر، ليشرب الطلاب شاياً لذيذاً لأول مرة في الفصل، بل في كل المرحلة الابتدائية.
وحكمة الله أن كل طلاب الفصل أحضروا الكبابي من النوع (السادة) الذي تسميه نساء الحلة (عثمان حسين)!!..
إسحق (الألفة) كان هو خازن السكر طوال إجراءات التجربة وحتى آخر قطرة تنزلق في جوف أرق طالبة في الفصل المختلطة.. وإسحق هذا كان وحده الذي يركب دراجة هوائية قادماً من بيتهم النائي في الكمبو المجاور للقرية الكبيرة التي فيها المدرسة..وإسحق أيضاً كان نابغة في الرياضيات، حتى أن إدارة المدرسة لم تتوان أن تنقله مع دفعته للسنة الرابعة رغم غيابه عن أكثر الامتحانات النهائية..بل نودي عليه في طابر النتائج برابع الصف..فالأول كالعادة هو إبراهيم (ود الفلاتة)، والثاني موسى (الشليق)، والثالث هو وليد (العاقل) الذي تضرب به أبلة إخلاص أستاذة العربي المثل في درس (الفاعل)؛ جاء وليد، نجح وليد..وإسحق كان الرابع..ولم يعترض أحد..حتى خامس الصف رغم معرفته أن إسحق كان غائباً في أكثر الامتحانات رضي بتلك النتيجة كقدر مقدور، وقضاء مكتوب، مثل نزول المطر..فأسحق صاحب شكيمة وشخصية وعيون تلتمع بشيء غريب هو مزيج من الذكاء والدهاء والدم..وكل تلك الأشياء جعلت الخامس يرضى بالنتيجة.
موسى هو الذي عرَّض جركانة الماء البارد للبخار المتصاعد ليشرح الأستاذ للطلاب علوق ذرات البخار بسطح الجركانة، ثم تحوُّل الذرات إلى قطرات..وحين توشحت الجركانة بالماء الدافيء، تكفَّل موسى الشليق بإضافة الشاي مع 152 ملعقة سكر إلى الماء..وثلاثة إلى فمه مباشرةً في غفلة من الأستاذ..
إسحق الألفة الذي كان يراقب التجربة، ويراقب موسى أيضاً..وبعد خروج الأستاذ بين الحصتين قسم إسحق الورقة المهرجلين إلى نصفين؛ نصفها لأسماء المهرجلين..والنصف الآخر كتب عليه بكامل طوله (موسى سف السكر)!!..
في اليوم التالي كان إسحق الألفة يمسك بيد موسى اليسرى، بينما تقاسمت أيدي أولاد (الكنبة الوراء) بقية أطرافه، وهوى السوط على صلبه..
كل القرية سمعت أن موسى (سف السكر)..سألته حاجة سكينة (ست اللبن)، وزينب (الداية)، و(بت جلال): صح سفيت السكر في المدرسة؟!..
وكل نسوان الحلة وطلاب المدرسة ظلوا يسألون موسى الشليق: (صحي سفيت السكر ؟!)..
وفي أول أيام الدراسة بعد العطلة الصيفية قال أحد طلاب الفصل: (والله يا أخوانا أنا سمعت أن إسحق وجد مشنوقاً في قطية في الدمازين)!!.. لم أعرف السبب..ولكني سمعت الناس يقولون إنه سرق إبل العرب!!..
بعدها لم تعد نسوان الحلة يسألن موسى الشليق إن كان قد سفَّ السكر أم لا!..