في مطلع العام الماضي 2006م شهدت منطقة حسكنيتة بدارفور حدثا لعب أدوارا مهمة في مستقبل المنطقة، إذ قام القائد الميداني لحركة تحرير السودان مني أركو مناوي بعقد مؤتمر عام للحركة أقصى بموجبه رئيس الحركة السابق عبد الواحد محمد نور ونصّب نفسه رئيسا للحركة، ويشير بعض المراقبين أن المؤتمر تم بدعم أمريكي وليبي واضح للإطاحة بعبد الواحد محمد نور اليساري المتعنت تمهيدا لتوقيع اتفاق سلام مع الحكومة السودانية، وهو ماحدث بالفعل بعد حوالي أربعة شهور من مؤتمر حسكنيتة بأبوجا، إذ وقّع مناوي اتفاقا للسلام مع الحكومة السودانية دخل بموجبه القصر الجمهوري كبيرا لمساعدي رئيس الجمهورية ورئيسا للسلطة الانتقالية بدارفور. بينما تمنّع عبد الواحد محمد نور الذي لازال هائما في المنافي رافضا أي تفاوض مع الحكومة السودانية.
والأسبوع الماضي عادت منطقة حسكنيتة للأضواء مجددا إثر الهجوم العنيف الذي تعرّضت له قوات حفظ السلام الإفريقية في دارفور أدّت إلى سقوط عدد كبير من القتلى والجرحى والمفقودين، وحادث الهجوم على حسكنيتة بهذا العنف لايخلو من دلالات ومؤشرات.
منها أن قوات الاتحاد الإفريقي غير قادرة على حماية نفسها، فكيف تستطيع حفظ السلام في منطقة ملتهبة كدارفور، وكيف تستطيع حماية المدنيين في إقليم مترامي الأطراف يشهد نزاعا عنيفا وقبائله مقاتلة بطبعها وحركاته المسلحة تتلقى دعما عالميا عاليا؟
كذلك ترمي الحادثة إلى ضرب إسفين بين الحكومة السودانية وبعض الدول الإفريقية التي تشترك قواتها في حفظ السلام في دارفور، وكانت الحكومة السودانية ـ ولازالت ـ تعوّل على القوات الإفريقية لحفظ السلام هربا من القوات الدولية، وحتى عندما وافقت الحكومة السودانية على القوات الهجين؛ اشترطت أن تكون معظمها من الدول الإفريقية، فتأتي الحادثة لتخلق حاجزا كثيفا من الشك وعدم الثقة بين الحكومة السودانية والقوات الإفريقية.
وثمة دلالة صغيرة لكنها مهمة، وهي أن بعض الحركات المسلحة في دارفور قد تم تجاوزها ولم تتم دعوتها لمؤتمر طرابلس الذي سيُعقد في الأيام القادمة في العاصمة الليبية، وقد نفذت هذه العملية للتنويه بوجودها وأنها تستطيع عرقلة مقررات المؤتمر ما لم يتم دعوتها وإشراكها.
أما الدلالة الأكبر لحادثة حسكنيتة فتتمثل في إخفاق قوات الاتحاد الإفريقي في حفظ السلام بدارفور، والمعنى المباشر لهذا الإخفاق هو دعوة القوات الأممية للقيام بهذه المهمة، وهي المحطة التالية بعد القوات الهجين التي وافقت عليها الحكومة السودانية.
إن أصابع التآمر واضحة في حادثة حسكنيتة الأخيرة، ولابد أن للدول الغربية الكبرى المتعطشة لاحتلال دارفور تحت غطاء الأمم المتحدة دور فيما حدث رغم بيانات الشجب والاستنكار التي انطلقت هنا وهناك وهي طبيعية في مثل هذه الحوادث.. ولعل الصورة تتضح قليلا إذا قرئت هذه الحادثة مقرونة بالتطورات الداخلية التي قد تشهدها الحركة الشعبية بعد اجتماع مكتبها السياسي بجوبا وما رشح من أخبار عن إعفاء بعض وزرائها وأمينها العام وتعيين نواب لرئيس الحركة والزيارات المتتابعة لقيادات الحركة الشعبية للولايات المتحدة.