|
| خبر عبد الجبار |
جمع مجلس المنزل أفراد العائلة في ساعة ودٍ ووئام..
الأب: هل جاء أحدٌ اليوم؟
حنان: نعم يا أبي جاء العم عبد الجبار.
الأب: ومن الذي ضَيَّفَه؟
حنان: أخي الصغير عمّار.
الأب: جيد...
الأم: بهذه المناسبة أين عمار؟
وما أن فرغت من تساؤلها حتى أقبل عمار؛ طفل لم يتعد السابعة يسير بثقة وكأن شيئاً لم يكن...
دخل عمارٌ المجلس مُسَلِّماً، وعندها هب كل من فيه وقد تلبست بهم حالة غريبة.. فمن قائل:
- ما هذا!
- من الذي صنع بك هذا.
- ماذا حدث لك!
- ...
لم يفهم عمّار وجهاً لتلك الدهشة وذلك الصياح!
قطب تقطيب المغضب الضجر، ولسان حائله يقول: ما وراؤكم؟
الأب: ما الذي جرحك، ومن حلق رأسك بهذه الطريقة.
وهنا بدأ عمار يتفهم الأمر...
إممم... قال وقد علته ابتسامة هادئة، بعد أن أغلق عينيه مغتبطاً ورفع أصبعه مبيناً:
لم يَعْتَدِ عليَّ أحد يا أبي، أنا الذي حلقت رأسي بهذه الطريقة، ألا أبدو جميلاً ...؟
الأب بسوط المستشيط غضباً: مـ...ماذا!
وهنا فتح عمار عينه ليحبس أنفاسه متوجساً فقد بدا له تمعر وجه أبيه جلياً، وخيّل إليه أنه يرى الدخان يخرج من أنفه جراء النفس المحموم...
استجمع الطفل شجاعته وتدارك الأمر فقال مردفاً موضحاً القضية: أردت أن أكون مثل (عمّو) عبد الجبار، فقد صنع ذلك هو أيضاً!
سكت الأب هنيهة وبدأ يتحول غضبه إلى أسف ثم عجب فضحك!
لقد حبا الله العم عبد الجبار بعض الصفات التي جعلته محبباً لدى بعض الأطفال وكان منهم (عمار)!
فحاول طفلنا أن يتقمص شخصية العم عبد الجبار والتي كان مما يميزها صلع غطى معظم مَفرِقه.. لم يكن عمار ليفهم أنه أمر لا يد للعم عبد الجبار فيه!
فما كان منه بعد لقاء العم عبد الجبار إلاّ أن دخل الحمام على حين غفلة من الأم، ومعه آلة الحلاقة محاولاً أن يصنع صلعة جميلة كتلك التي صنعها العم عبد الجبار!
أخي القارئ الكريم أجدني مضطراً للتأكيد على أن ما ذكرته هنا (حاصل) قصة واقعية... ليس أسها ضرباً من الخيال، بل هكذا صنع صغيرنا تقليداً لجارنا العزيز؛ حلق رأسه لتكون له صلعة كصلعته!
وغرضي من سرد الخبر التنبيه إلى قضيتين ينبغي أن نلتفت إليهما في تعاملنا مع الأبناء، أما الأولى: فهي العناية بدقة ملاحظتهم، وسعة خيالهم، فلا تحسب النظرة والهمسة والحركة تعزب عنهم، ويلغط كثير من المربين والآباء يوم يظن أن ابنه لاينتبه لما يقال. نعم قد لا يعلق الابن في ساعتها، وقد يواصل لعبه وكأن شيئاً لم يكن، لكنّ هذا لا يعني أن ما صنع غائب عن مخيلته.
وأذكر بهذه المناسبة أني وجدت ابنة بعض الفضلاء ولها من العمر نحو سنتين تردد وتقول:
الخدر خدر عنيزةٍ!
فعلتني وصاحبي الدهشة إذ البيت من ماجن شعر امرئ القيس في معلتقه يقول:
ويومٍ دخلتُ الخدرَ خدرَ عنيزةٍ فقالت: لك الويلات إنك مرجلي
الأبيات!
وعندها قال أبوها مبيناً: كانت البنت بجواري وكنت أحفظ في المعلقة وأردد بعض أبياتها، فسمِعَت ذلك وعلق بذاكرتها.
وذاكرة الإنسان على خلاف الذواكر الحاسوبية لايتأتى مسحها فانتبه!
وعوداً إلى خبر عمار والعم عبد الجبار، فالقضية الثانية التي ينبغي التفطن إليها هي دأب الأطفال على تقليد من يعجبون بهم في كل صغير وكبير، وهذا ما يحتم علينا أن نكون قدوات صالحة لهم، فكل ابن ينظر إلى ذويه، وكل فتاة بأبيها معجبة، ويتأكد هذا في السنين الأولى، التي تتشكل فيها مفاهيم أساسية لديه.
فاحرص أيها الأب على أن تكون قدوة صالحة، وإياك إياك أن تربط ابنك بمرب أو قدوة لديها خلل بَيِّنٌ في جانب قد يكون مؤثراً كالأخلاق والسلوك، حتى لايصنع ابنك ما صنعه عمار فتُجرح أخلاقه جرحاً يصعب التئامه.
حفظ الله لي ولك الذرية وجعلنا وإياهم مباركين.