|
| أم معبد |
الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على رسولِ الله الأمين، الذي زاده الله بَسْطةً في كَمالِ العِلم وجَمالِ الجسم، وعلى آله وصحبِه أجمعين.
وبعد، فمِن الأحاديثِ الجامِعة لِصِفاتِ الجمالِ النبوي وَصفُ أمِّ معبَد للنبِيِّ صلى الله عليه وسلم حين مرَّ بخيمتِها عند الهجرة. قال ابنُ حجر رحمه الله: "أمُّ مَعبَد الخزاعية صاحبةُ القصةِ في الهجرةِ اسْمُها عاتكة بنتُ خالد. "
1 درجة الحديث:
وحديثُ أمِّ مَعْبَد وإنْ كان في كثيرٍ مِن أسانيدِه ضَعفٌ ولِينٌ، إلا أنه يرتقي بكثرةِ طُرُقِه إلى الحسنِ لغيره، كما قال ابنُ كثير رحمه الله: "وقِصَّتُها مَشهُورةٌ مَرويَّةٌ مِن طُرُقٍ يشُدُّ بعضُها بعضاً". وقال ابنُ حجر رحمه الله: "وفي حديثِ أمِّ مَعبَد المشهور: (وفي لِحيَتِه كثافة)". وقد اعتَمَدَه ابنُ القيم رحمه الله في (زاد المعاد من هدي خير المعاد.
2متنُ الحديث :
فقد وَصَفَتْ أمُّ مَعْبَدٍ الخزاعية رسولَ الله صلى الله عليه وسلم حين مرَّ بِخَيمَتِها مُهاجِراً فقالت: (ظاهِرُ الوَضَاءة، أبْلَجُ الوَجه، حَسَنُ الْخَلْق، لم تَعِبْه ثُجْلَة، ولم تُزْرِ به صَعْلَة، وَسِيمٌ قَسِيمٌ، في عينَيه دَعَجٌ، وفي أشفارِه وَطَف، وفي صَوتِه صَحَل، وفي عُنقِه سَطَع، أحْوَر، أكْحَل، أزَجُّ، أقْرَن، شديدُ سوادِ الشعر، إذا صمَتَ علاه الوَقار، وإنْ تكلَّم علاهُ البَهَاء، أجملُ الناسِ وأبْهاهم من بعيد، وأحسَنُه وأحلاهُ مِن قريب، حُلوُ المنطِقِ، فَصْلٌ لا نَزْرَ ولا هَذَر، كأنَّ مَنطِقَه خَرَزَاتُ نَظمٍ يَتَحدَّرْن، رَبْعَة، لا تقْتَحِمُه عينٌ من قِصَرٍ، ولا تشنؤه مِن طُولٍ، غُصْنٌ بين غُصْنَيْن، فهو أنْضَرُ الثلاثةِ منظراً، وأحْسَنُهم قَدْرًا، له رُفَقاءُ يَحُفُّون به، إذا قال استَمَعوا لقولِه، وإذا أمرَ تبادَرُوا إلى أمرِه، مَحْفُودٌ مَحْشُودٌ، لا عَابِسٌ ولا مُفْنِد).
فقد بدأتْ أُمُّ مَعبَدٍ بأوَّلِ ما يَشُدُّ العَين: وهو المظهَرُ العام:
3 جمالُ المظهر العام :
فقد وَصَفَتْ النبِيَّ صلى اله عليه وسلم بأنه (ظاهِرُ الوَضَاءة)، والوَضاءةُ: الْحُسْنُ: أي إنه باهِرُ الجمال، و(حَسَنُ الْخَلْق) أي جَميلُ المنظر، كما قال ابنُ حَجَر رحمه الله تعليقاً على حديثِ أنس رضي الله عنه: (ما مسِسْتُ خزَّةً ولا حريرةً أليَنَ مِن كفِّ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، ولا شَمِمتُ مِسْكةً ولا عَبِيرةً أطيبَ من ريحِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم: "فهو كلُّ الكمال، وجُلُّ الجلال، وجُملةُ الجمال، عليه أفضلُ الصلاة والسلام".
وتوسَّطَتْ أمُّ معبَد هذين الوَصفَيْن الكريمين لِحُسنِ الْمَظهَر: (ظاهِرُ الوَضَاءة)، و(حَسَنُ الْخَلْق) بذِكرِ جَمالِ وجهِه الشريف، فقالت: إنه (أبْلَجُ الوَجه) صلى الله عليه وسلم؛ وذلك لأنَّ الوجهَ مَجْمَعُ المحاسِن. كيف وقد اجتمَعَ في وجهِه الشريفِ إشراقُ الجمالِ وأنوارُ النُبُوَّة!
4 جَمالُ الوجه :
فقد ذكرَتْ أنه صلى الله عليه وسلم (أبْلَجُ الوَجه)، وهو وَصْفٌ لإشراقِ الوجه: قال ابنُ منظور رحمه الله: "الأبْلَجُ: الأبيَضُ الحسَنُ الواسِعُ الوجهِ... وفي حديث أُمِّ معبد في صفةِ النبِِيِّ (أبلج الوجه) أي: مُسْفِرُه مُشْرِقُه، ولم تُرِدْ بلجَ الحاجِب؛ لأنها تَصِفُه بالقَرن؛ والأبلجُ الذي قد وَضَحَ ما بين حاجِبَيه؛ فلم يقتَرِنا". فصلَّى الله وسلَّمَ وباركَ على صاحِبِ الوَجْهِ المبارَكِ وهو الموصُوفُ صلى الله عليه وسلم بقولِ الشاعر:
وأبيضُ يُستَسْقَى الغَمامُ بِوَجْهِهِ ثِمالُ اليَتامى عِصمةٌ للأرامِلِ!
ورضي الله عن ابنِ عمر رضي الله عنهما؛ فقد روى البخاريُّ رحمه الله في كتاب (الاستسقاء) أنه قال: "رُبَّما ذكرتُ قولَ الشاعر وأنا أنظرُ إلى وجهِ النبِيِّ صلى الله عليه وسلم يستسقي؛ فما ينزلُ حتى يَجِيشَ كلُّ مِيزابٍ:
وأبيضُ يُسْتسقَى الغَمامُ بوجهِهِ ثِمال اليتامى عِصْمة للأراملِ!"
وزادت كذلك أنه (وَسِيمٌ قَسِيمٌ) أي: حَسنٌ جَمِيلٌ يَملأ العَينَيْن ويَملِك الناظِرَيْن صلى الله عليه وسلم. قال ابنُ الأثير رحمه الله: "وفي حديثِ أُمِّ مَعْبَد: (قَسِيمٌ وَسِيمٌ) القَسامةُ: الْحُسْنُ، ورجلٌ مُقسِم الوجه: أي جميل كله؛ كأنَّ كلَّ موضعٍ منه أخذَ قِسماً من الجمال، ويقال لحر الوجه: قِسْمةٌ بكسرِ السين، وجمعها قسمات".
ثم أخَذَتْ أمُّ مَعْبَدٍ بِذَوقِها الرفيعِ في تَفصِيلِ هذا المظهَرِ الوَسِيمِ القَسِيم، على ترتِيبٍ جَمالِيٍّ بَدِيعٍ يتدرَّجُ مِن الأوصافِ العامةِ إلى الأوصافِ الخاصة.
5 تناسُبُ الأعضاء الشريفة:
فوَصَفَتْ سيِّدُ وَلدِ آدم صلى الله عليه وسلم بأنه (لم تَعِبْه ثُجْلَة، ولم تُزْرِ به صُعْلَة)، والثُّجْلة ضَخامةُ البطن، والصُّعلة صِغَرُ الرأس، والمرادُ من ذلك الاعتِدال؛ فذكرَتْ أنه وَسَطٌ مُعتَدِلٌ في جَسَدِه الشريفِ بين النحافةِ والبَدانةِ في جِسْمِه ورأسِه، قال ابنُ الأثير رحمه الله: "في حديثِ أمِّ مَعْبَد: (ولم تُزْرِ به ثُجْلة): أي ضِخَمُ بَطنٍ، ورجلٌ أثجَلُ، ويُروَى بالنون والحاء: أي نُحُولٌ ودِقةٌ". وزادَتْ في وَصْفِ الرأسِ الشريفِ بأنه (شَدِيدُ سَوادِ الشَّعر) أي إنَّ شَعرَه ناصِعٌ شديدُ السَّواد. وهو ما يُعبِّرُ عنه الشعرُ العربي في وَصفِ الشِّعرِ الأسودِ الجميلِ بأنه فاحِمٌ.