|
| بلادة تحت مسمى الغيرة |
جلست إليها والحزن البادي على ملامحها تتفطر له القلوب، دموعها الحارة تكاد تغرق ملامح وجهها، آهاتها لا تكاد تتبين معها حروفها وعباراتها، تحدثت حتى بح صوتي كي أخفف عنها، وفي دواخلي يتردد الصوت [رب مشاعرٍ لا يكبح جماحها سلطان عقلٍ أو حكمة مهما طغى وعلا وارتفع ] مهما قلنا وتحدثنا وفسرنا وناقشنا وحاورنا وتفلسفنا فقد يداهمنا كالصاعقة شعور بالألم المرير والحزن العظيم يكاد يفقدنا صوابنا ، وربما العاقل الحكيم حينها من يطلق لدموعه العنان وإن استرسل أكثر فضفض وأباح إن كان هذا البوح لصديق أو للورقة والقلم ، أما أدوار أعظم من هذه في الجلد والصبر وتقبل المصائب فربما تكون أندر من العنقاء !
صاحبة الحكاية قد منّ الله عليها وفتح لها من خزائن عطائه وجوده وكرمه والله يعلم حيث يضع رسالته ـ وليت يعلم هذا من تأكله نار الحسد رغم تسميه بمسمى أهل التدين ـ عرف اسمها مصحوباً بجهودها ومقروناً بنشاطها , عرف هذا الاسم طريقه إلى أوساط الدعاة كيف لا والعمل الدعوي النسوي على مذهب أهل السنة والجماعة عندنا في السودان يعاني ندرةً وشحاً..
صاحبتنا أهّلها نشاطها وجهدها وكدحها من أجل التميز في الدعوة أهلها وأجلسها على المقاعد الإدارية داخل أوساط بنات جنسها ،وتدرجت في هذه المقاعد حتى جاء يوم ترأست فيه إحدى مؤسسات الدعوة النسوية هذه ، كان من الطبيعي .. بل هو الواقع والموجود أن يرأس صاحبتنا في نشاطها هذا رجالات أخيار من الدعاة ، تُرى هل هذه أبجدية وبدهية يجب أن تخضع للتفكير والتحليل ؟ أريد إجابة فربما أكون واهمة ؟
ربما تكون قارئنا الكريم : قد علمت بمشكلة صاحبتنا ؟ أو تكاد أن تكون قد وقفت على أطراف الأمر ،وإن لم تكن الذاكرة قد أسعفتك أو قريحتك قد جادت عليك .. فأوضح لك أن ما عنيته هو انسحاب مشاعر سلبية مثل الغيرة العمياء على مجتمعات عمل مثل الدعوة ، غيرة زوجات الدعاة من مثيلاتهن من بنات جنسهن ممن تميزن في الدعوة والتي هي الهم الأكبر للدعاة ،وحتى لا يتسرع متسرع ،فيذكرني ـ ولست بناسية ـ بغيرة سيدة نساء أهل الجنة عائشة رضي الله عنها ، أقول: الغيرة في أصلها فطرة وطبيعة في المرأة ،لكن هل هذا كل شيء ؟ هل كلما تصرفت واحدة منا تصرفاً أحمقاً أخرقاً أرعناً نردد ( طبيعي ..طبيعي ، أليست إمرأة) ؟
القبيح ما قبحه الشرع والحسن ما حسنه الشرع ،وليس مجرد الفطرة التي لم يهذبها الدين أو تؤدبها الشريعة ،
بداية أحب أن أوضح ما يدور في ذهني عن المسألة من أصلها:سمعت يوماً ما من أحد مشايخي أن الأصل في دعوة مجتمع النساء تبليغه بواسطة النساء أيضاً كما هو الحال في مجتمع الدعوة في الرجال، وجاء من رد على شيخي قائلاً : بأن الأصل أن النساء في الدعوة توابع للرجال ودليله على ذلك أن الله لم يبعث نبياً من جنس النساء .
ربما حتى هذه اللحظة لم أحسم أنا شخصياً أمري حيال القضية أعلاه ، وإن كنت أرى أن تبليغ الرجال للنساء كل ما قد يحتجنه في الدعوة هو أمر من المشقة بمكان وربما في ذات الوقت يفتح أبواب فتنة يصطلي بها البعض ويكتوي بنيرانها تماماً مثل ما حدث مع صاحبتنا المذكورة سابقاً.
وفي المقابل وجود مجتمعات نسوية دعوية أو خلافه منفصلة تماماً عن الرجال قد لا يكون أمراً واقعياً ممكن الوجود والتحقيق والسبب في رأيي أن العمل خارج المنزل هو في الأصل للرجال وإلحاق النساء بمثل هذا النوع من العمل إن تجاوز حد التطوع فلن يبلغ بحالٍ من الأحوال حد الرسمية والمؤسسية التي هي للرجال،
لأجل كل ما ذكرت ولأجل أمر ثالث غاية في الأهمية وهو موقع الدعوة وجماعاتها في بلد مثل السودان ؛ لأجل كل ذلك كان مُبرراً وبشفافية شديدة جداً أوجه التعاون ما بين الرجال والنساء في مجتمعات الدعوة سواءً على المستوى الرسمي أو الطوعي ـ إن صح هذا التقابل في الألفاظ ـ وليس عنا ببعيد قوله تعالى : (و المؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر) ..ولا شك أن الشرط في هذا التعاون الالتزام بالضوابط الشرعية في علاقة الرجل بالمرأة ،وربما الخلل في هذه الضوابط هو ما يفتح أبواب جهنم قبل الفكرة في أصلها ،ومع ذلك أذكر بهذه الأبجدية والبدهية المعروفة جداً لمن لا زال ولا يزال يرى أن أي نوع من أنواع التعامل بين الرجال والنساء هو حرام بالكلية ولا يرونه إلا باب شر وفتنة ، وما أرى إلا أن النار هي في النفوس التي لم يهذبها الدين والفتنة هي في العقول التي لم يؤدبها الشرع،
ثم من بعد ذلك أسرد هذه التأملات لعل الله أن يجعل فيها الفائدة لي ولبنات جنسي ولإخواني من
الرجال:
الثقة في النفس باعتدال وتوازن ودون تفريط أو إفراط تكبح كثيراً من جماح الغيرة .
مجرد استحسان الرجل لنشاط (فلانة) من الداعيات أو إعجابه بعمل هذه الداعية وعلينا الانتباه إعجابه بعملها وليس بشخصها ،مجرد الاستحسان للنشاط أو الإعجاب بالعمل يجب ـ ورغماً عن غيرة النساء البلهاء ـ يجب أن لا يشكل مصدر قلق ناهيك عن اختلاق المشكلات بسببه.
من التواضع أن تعرف المرأة مواضع النقص فيها ، ومن الخلق الرفيع السامي أن تعترف بوجود من لا يعتريها ـ من بنات جنسها ـ مثل نقصها هذا.
نقص الزوجة وسداد هذا النقص عند أخرى غيرها لا تعني هذه الصورة أن المتبقي فقط هو المأذون لإكتمال مراسم الزواج الميمون،
ليس من إمرأة كاملة ، ومن تميزت في الدعوة فلا ينخدع الرجال ومن ورائهن النساء بأنها حسنة الدنيا التي حكى عنها علماؤنا ومشايخنا.
على الزوجة أن تكون عاقلة حصيفة إذا ما رأت من زوجها تطلعاً نحو غيرها ولو في شكل إعجاب وثناء ،.. فحينها عليها أن تجتهد لكي تحقق في نفسها هي ما يبحث عنه زوجها في الخارج والزوجة الناجحة هي التي تكون لزوجها كما يريد هو لا كما تريد هي فإن خسرته فلا تلوم غيرها في التفريط فيه .
القناعة كنز لا يفنى ومهما تفانت المرأة في إسعاد زوجها لكن ظل هو يطلق بصره يميناً وشمالاً ( ويخوض بقلبه في بحار يلاقي بعد لجتها الضياعا !! ) من كان هذا شأنه وديدنه فلن تكفيه نساء العالمين .
من أعظم ما قد ألوم به الرجال اختياره لزوجة هو يعلم حتماً أنها لن تكفيه حاجاته وتطلعاته بحجة أن التعدد حق له ،. يوم أن أختارها كان يفكر فقط في أن تحصنه وتعفه فقط ( وبعد كده الله كريم !!!! وما أبعد كرم الله وجوده وسخائه عن تصرفات هذا النوع من الرجال والتي هي شاهد عيان وبيان على الأنانية وعبادة الذات .. بل على احتقار المرأة ) ، لك أن تعدد أيها الزوج لكن لا على حساب الأولى ومشاعرها ، وليس شرط التعدد هو القدرة على الإنفاق فليس أصل الزوج كونه ممولاً مالياً وإلا فبيوت آبائنا كنا نُدلل فيها بأكثر مما يفعله الأزواج لنا ، العدل هو الشرط الأساس في التعدد فإن كنت أيها الزوج تعجز أن تعدل مع واحدة فقط فأتق الله في شهواتك وأمسك عليك ضعفك وأنانيتك وحبك المفرط لراحتك أنت فقط.
وحتى لا يُظن بي سوءاً أقول أن عدم ارتقاء المرأة بنفسها وتطويرها لذاتها بحيث تواكب كل ما يتطلب منها من أدوراها المتجددة في الحياة تجاه زوجها وأبنائها، عدم تأهيلها لذاتها سيلقي بها ليس خارج بيت زوجها فقط بل خارج خارطة الحياة الجادة الكريمة.
من البلادة أن يثني الرجل على إمرأة في حضور زوجته، ومن الخيانة أن يكون هذا الثناء من خلفها ومن وراء ظهرها عبر الرسائل والجوالات والإيميلات.
نجاح الداعية الأول إنما هو داخل أسرته الصغيرة وفشله في قيادة سفينته هو شخصياً إلى بر الأمان إنما هو فشل ذريع لا يبرره له نجاحه الخارجي ولو كان باهراً عظيماً ( يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا ) بدأت الآية بالنفس ثم بمن تعول ثم قد يأتي من بعد ذلك الآخرين ..هذا هو الترتيب الصحيح.
عبارة مثل ( كنا كويسين لغاية ما دخلت فلانة حياتنا) عبارة ليست سليمة تماماً وابداً ( ما كنتو كويسين ولو كنت كده ما كان أول نذير خطر يكاد يهدم القلعة ويدك حصونها , يمكن كنتو كويسين في الظاهر وكل واحد بينو وبين نفسو قاعد يحلم بحياة بغير التي يعيشها الآن).
ما هي حدود عبارة مثل ( دخلت حياتنا؟) ( الدخلها منو؟ ) لو كانت جريئة ووقحة فترحمي على زوجك الذي يستهويه مثل هذا النوع من النساء ( ولو كان دخلها هو فشوفي راجلك مالو معاك !).
إذا كن بعض زوجات الداعيات تفعل بهن الغيرة مثل هذه الأفاعيل , فكيف لو عدّد الزوج فعلاً ؟ هل سينهار الزواج ؟ أم تراه كيد النساء وحربهن حتى لا يقع ما لا يردنه فإذا ما وقع قالت الواحدة لزوجها متوسلة مسترحمة باكية[ بس عليك الله التانية ما تنسيك الأولى !!].
أدعو لصاحبتي بالثبات وأن يجنبها الله كيد النساء وفتن الرجال وأن يعصمنا جميعاً من مزالق الهوى.
أخيراً هي دعوة :
دعوة لمراجعة قواعد بناء النفس من الداخل ومعرفة مواطن الهشاشة والضعف ،دعوة لأن لا تتخيل المرأة أن الزوج هو رب الكون ، دعوة لأحترام النفس ومن ثم احترام الآخرين ، دعوة للتعقل ، دعوة لحسن الظن ، دعوة للعدل والإنصاف وعدم الظلم ، دعوة للتريث قبل إطلاق الأحكام ،دعوة لإصلاح البيوت من الداخل ،دعوة لحماية البيوت من الخارج ، دعوة لحماية النفس من شرور النفس ،دعوة لإعانة إخوتنا على الشيطان وليس العكس ،.دعوة للتحلي بأخلاق الدين ،دعوة للاحتكام لصوت العقل ، دعوة لأن نفعل ما علينا ولا نرمي باللوم على الآخرين ، دعوة لتفضيل الآخرة وانتظار ما هو أبقى وأكمل وأخلد وأمثل ،دعوة لتدبر حقيقة الدنيا:
خُلقت على كدر وأنت تريدها صفواً من الأقذاء والأكدار
محال ثم محال!!