(الشروق) فضائية سودانية جديدة، جاء على لسان مدير عام القناة محمود عبد الهادي أن الهدف منها: "المساهمة في نهضة السودان وترسيخ وحدته ونشر السلام في ربوعه وتعزيز استقراره ودعم بنائه".
وكم هو جميل هذا الهدف المنشود.
غير أن الأسى يزداد إذا علمت أن القوم قد ضلوا طريقه!
فالفاضل الذي تتحرك مشاعره فيتحرك جسده من أجل إنقاذ غريق ترثى له وتأسى إذا هو سقط في هاوية أثناء الطريق إلى اليمِّ الخِضَمِّ ما قد لا ترثى مثله لهالك آخر.
ويضيق صدرك كذلك إذا رأيت الرجل يسمع صراخ ابنه المشرف على الغرق ثم ترى أبوه يهرع إلي إنقاذه منزعجاً فيسلك طريقاً أنت تعلم أنه مسدود.
وتأمّلْ هدف القناة المعلن على لسان مديرها العام، وقارنه بقوله –كما جاء في تقرير لقناة الجزيرة الإخبارية-: إن القناة "لا تمثل حزباً سياسياً ولا فصيلاً عرقياً ولا مذهباً دينياً"، في محاولة منه لنفي تهمةِ – أو ما يراه تهمة- الانتماء إلى المؤتمر الوطني!
وأياً ما كان رأيه في الانتماء للمؤتمر أهو تهمة أم لا –هو وشأنه- لا يهمنا هذا كثيراً، وإنما الذي يعنيننا هنا قوله: "ولا مذهباً دينياً"!
فكل ما قد سبق قد يحسب تهمة، أما أن يكون للقائمين على القناة دينٌ يحترمون حدوده ويدافعون عن بنوده ويسعون إلى نشر تعاليمه فهذا هو الواجب، وهذا هو الذي قد يحقق هدفها المعلن المنشود.
وحسب القناة ذم ما جاء على لسان مديرها ههنا من مفهوم حاصله أنْ ليس للقناة دين.
ولو اجتهد أحد سيئي الأخلاق وحاول بكل ما أوتي من سوءٍ الإقذاعَ في شتم القناة ما جاء بأشد مما نعتها به مديرها!!
وقد حاولت أن ألتمس لعبارته عذراً لكن جاءتني الأنباء عن بعض ما يعرض في شاشة القناة، ولم أقنع بالخبر وقلت في نفسي ليس راء كمن سمع، فطفقت أبحث وأقلب حتى عثرت على بعض نتاجها فعلمت حقاً أن محموداً يعني ما يقول: ليس للقناة دين –على الأقل سماوي صحيح!
وإلاّ ففي أي دين يسوغ أن تعرض النساء يراقصن الرجال، وفي أي دين تعرض النساء وقد حسرن ما أمر الله بستره؟ متى كانت الدعوة للوحدة بكشف العورات!!
ولو كان محمود كغيره من أصحاب القنوات يصرح بأن هدفه الكسب المادي أو المتعة لعقلنا القضية ولم نعبأ به كثيراً! أما أن يقول إن الهدف منها: "المساهمة في نهضة السودان وترسيخ وحدته ونشر السلام في ربوعه وتعزيز استقراره ودعم بنائه" فإنه لعجب!
وهل تعزز وحدة السودان بعرض رقص العروس في الشمال والجنوب؟
هل بلغت بنا السذاجة هذا الدرك؟
وكيف للسودان أن ينهض بإشاعة ثقافات جاهلية وبعث تراث عرقي بالي؟ أبهذا تكون النهضة؟ إن صنيع هذه القناة يشبه إلى حد ما صنيع الحكومة المصرية في حرب عام 48 ميلادية فبينما كان اليهود يعملون في جد ونشاط وهم يتلون التلمود في خنادقهم استجداء لنصر الله، تكفلت الحكومة المصرية بخط بث في سيناء يصل إلى مواقع الجيش العربي حتى لا يحرم الجنود العرب من صوت كوكب الشرق، فانظر كيف كانت النكبة؟ ومع ذلك يصر هؤلاء على أن ينكبوننا!
وهب أن وحدة قامت على هذا النمط فهل يشرف بمثلها المسلمون؟
لا والله، فما حِرْصُنا على وحدة البلاد مرده إلى طمع في خيرات الجنوب، ولا حباً منا لتراثهم الأفريقي بل لا نؤمل أن يجمعنا مثل هذا ولا نرضى، ولكن طمعاً في أن ننعم جميعاً بدولة مستقرة قوية تحمل مشاعل الخير والهداية – لا الرقص والطرب- لكامل القارة الإفريقية.
فإذا لم يكن سبيل لتحقيق هذا فخير للجنوب أن ينفصل بسلام من أن ينضم للشمال بجامع التقاء الجاهليات العرقية.
مع أننا نقول إن الواجب الشرعي يحتم على الدولة وعلى الحادبين من أبناء الوطن عدم التفريط في شبر ينتمي إلى ديار الإسلام وأهله، فإن التفريط فيه جرم عظيم، منطو على جرائم أهونها خذلان إخوتنا المسلمين في جنوب البلاد.
وبعد فيا صاحب القناة راجع هدفك وحرر ما يكفل تحقيقه واعتَدَّ بهويتك الدينية واعْرِض برامجك عليها فذلك خير من التنكر والتلفيق بدعوى الإحسان والتوفيق.