|
| طريقة مثلى لاغتنام العشر الأول |
الدنيا بالنسبة للآخرة لا تعادل كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (ما الدنيا إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه في اليم فلينظر بماذا يرجع) رواه الترمذي فإذا كانت هذه الدنيا فكيف بأعمار أمة محمد صلى الله عليه وسلم التي أخبر عنها صلى الله عليه وسلم بقوله: (أعمار اأمتي ما بين ستين الى سبعين واقلهم من يجوز ذلك) رواه الترمذي.
فالعمر قصير والتقصير ـ في حق الله ـ كبير، واقتضت حكمة الله الرحيم بعباده عامة وبهذه الأمة خاصة أن يهبَّ لهم من الأعمال في أيام وليال قلائل ما يعادل أعوام كثيرة كما في ليلة القدر التي هي (خير من ألف شهر) وذلك كله محض فضل الله (ذو الفضل العظيم).
ومن أجلِّ تلك المواسم وأعظمها أيام العشر الأوّل من شهر ذي الحجة قال الله في شأنها (وليال عشر) قال ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره: "عن ابن عباس والليالي العشر المراد بها عشر ذي الحجة كما قاله ابن عباس وابن الزبير ومجاهد وغير واحد من السلف والخلف" وقد ثبت في صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: (ما من أيام العمل الصالح أحب إلى الله فيهن من هذه الأيام يعني عشر ذي الحجة قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجلا خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء).
كلنا ـ أو أغلبنا ـ يعلم فضل العمل الصالح في هذه الأيام ولله الحمد، ولكن ما إن تدخل هذه الأيام إلا وقد أخذتنا الغفلة ـ إلا ما رحم ربي ـ فهل من نظرة مختلفة لهذه الأيام الأعوام السابقة لعلنا نقف وقفات لاغتنام هذه الأوقات:
الوقفة الأولي:النية الصادقة لاغتنام هذه الأيام
أول مبدأ العمل عزيمة صادقة ونية خالصة لأنّ هذه النية هي التي يثاب عليها العبد بمجرد عقدها في القلب فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المشهور (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوي) متفق عليه، ولأنّ (من همّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة كاملة) ولأنّ (إذا مرض العبد أو سافر كتب ما كان يعمله صحيحا مقيما) كما أخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم، فلننوي فعل الخير فإن حال بيننا وبين ما نوينا حائل كانت لنا ـ بإذن الله حسنة كاملة ـ. وكما قال السلف "والعبد بخير ما نوى الخير".
الوقفة الثانية: الدعاء
كل خير بالعباد فمن الله وحده كما قال الله عز وجل ((وما بكم من نعمة فمن الله)) ومن أعظم نعم الله على عباده توفبقهم لفعل الطاعات، فما دام الأمر كذلك؛ والله وعد بإجابة من دعاه وهو لا يخلف الميعاد مع كرمه وغناه سبحانه فهل نتوجه إليه بسؤال الآخرة كما نطلب منه الدنيا؟ ويكن دعاؤنا (اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار) ولنعمل بوصية النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ رضي الله عنه أن يقول عقب كل صلاة (اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك) فكل عون من الله وكل توفيق منه سبحانه.
الوقفة الثالثة:التوبة
بداية دخول المشركين في الإسلام توبة وإقلاع من الشرك كما قال تعالى عنهم: ((أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم)), والتوبة سبيل للفلاح كما قال تعالى ((وتوبوا إلى الله لعلكم تفلحون) والمفلحون هم المقمي الصلاة والمنفقين والذين يفعلون الطاعات، وفي ترك المعاصي والمنكرات إعانة على فعل الطاعات و(من ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه) وفي قول المولى جلّ وعلا ـ عن التائبين ـ ((فأولئك يبدّل الله سيئاتهم حسنات)) ـ في أحد التفسيرين ـ كما قال الطبري رحمه الله تعالى: "بنقلهم عما يسخطه الله من الأعمال إلى ما يرضى".
فمن دخل الباب المفتوح فتح الله عليه من بركاته فينطلق في فعل الطاعات وهذا يشعر به كل مؤمن تائب من الذنوب حيث يشعر برغبة في فعل الطاعات وأنه يريد أن يلحق ذنوبة بعمل الصالحات.
الوقفة الرابعة:الإكثار من النوافل التي تجد نفسك فيها:
أجل ما يتقرب به بعد أداء الفرائض الإكثار من النوافل وكلُ قد فتح الله عليه من الأعمال الصالحة، فمن مكثر من تلاوة القرآن ومن مداوم على الصيام ومن يتصدّق ومن كثير السجود وكل يعرف نفسه فمن يشق عليه الصوم ـ رغم فضله ـ فليكثر من الذكر وهكذا. والسعيد من يضرب في كل بسهم، ويشارك في كل الطاعات فعسى أن يدعى من أبواب الجنة كلها.
ويدخل في فعل الطاعات تذكير الأهل والإخوان بفضل هذه الأيام.
الوقفة الخامسة: يوم عرفة ويوم النحر من العشر:
من أعظم هذه الأيام يوم عرفة والذي صيامه يكفر ذنوب سنتين ماضية ومستقلبة كما ثبت في صحيح مسلم، وكذلك تذكر أن يوم العيد داخل في هذه العشر فتذكر أنّ زيارتك إخوانك وجيرانك وأقاربك وتبسمك في وجوه إخوانك وتوسعتك على عيالك وذبحك وغيرها من أعمال البر أنك تتقرب بها إلى الله عز وجل ترجو رحمته وتخاف عذابه وتريد الوصول لمحبته.
الوقفة السادسة: تذكَّر!
أدعو نفسي وجميع إخواني الذين أنعم الله عليهم بنعمة الأمن والإطعام من الجوع والعافية في الأبدان والأهل أن يتذكروا إخواناً لهم قد أسرهم العدو وخرّب ديارهم وأذاقهم من العذاب أمره، ويتذكروا قول النبي صلى الله عليه وسلم: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى)رواه مسلم، وأن يرفعوا ـ على الأقل ـ أكفّ الضراعة أن يغيثم وأن يبدّل خوفهم أمناً، ونرفع أيدينا ـ مرة أخرى ـ أن يغفر لنا تقصيرنا في حق إخواننا فـ(المسلم أخو المسلم لا يخذله)!
وقفة أخيرة:
"العزم على عدم العودة إلى الذنب من شروط صحة التوبة" والعزم على فعل الطاعات من علامات صحة القلب وسلامته، فلنووي التغيير إلى الأفضل ونجعل هدفنا الأسمى (الفردوس العلى) ولنعمل على تحقيق هذا الهدف جاهدين بكل ما أويتنا من قوة مع استعانة بمن يعين.
أسال الله العظيم ربّ العرش العظيم أن يوفقنا لطاعته وأن يعيننا على اغتنام الأوقات في فعل الخيرات