قرأت في الأخبار ما نصه: "انتقدت الحكومة السودانية أمس ما أقدمت عليه الحكومة التشادية بترحيل الخاطفين الفرنسيين إلى فرنسا بعد صدور حكم قضائي بالسجن بحقهم.
قال وزير العدل السوداني محمد علي المرضي: إن العجلة التي بدت في مطالبة فرنسا بترحيل المدانيين إليها تدل على أن العملية برمتها متفق عليها...".
والحق أن الأحداث لم تزل تتوالي لتثبت حيناً بعد حين أن في الأمة عملاء خونة أرخص ما عندهم بنو جلدتهم وثوابت أمتهم وقيمها ولا أقول وقيمهم لأني لا أدري هل لهم قيم حقاً؟!
والحق كذلك أن هوان أهل الإسلام في هذا العصر واستضعافهم له مظاهر شتى، منها ظاهرة التسابق في العمالة المشار إليها.
وإذا كان الأمر كذلك فلا عجب من صنيع الحكومة التشادية. وهل تتوقع منها يا رجل! أن تسجن الفرنسيين تلك المدة الطويلة مع إجراء حكم الأعمال الشاقة عليهم؟!
حنانيك هل أطاقت بعضَ هذا الحكومةُ السودانية في قضية البريطانية التي كان جرمها لا يقل شناعة عن جرم هؤلاء وهي امرأة واحدة حكم عليها -على شناعة جرمها- بعقوبة مخففة أصلاً؟
فهل رأيت المفارقة؟ وبدا لك كيلنا بمكيالين؟ ومع ذلك لا أقول ما قاله القائل:
إباؤُك والإذعان شرٌّ كلاهما × على أن بعض الشر أهون من بعض!
فإن المفارقة بين الإذعان في قضية البريطانية، والإباء في قضية الفرنسيين وازدواج المكاييل الذي لمسناه في كلمة السيد وزير العدل وانتقاد الحكومة السودانية للحكومة التشادية لا أراه مذموماً مطلقاً فمن حق الأمة أن تذم وتندد بما فعلته الحكومة التشادية، كما أن من حقها أن تندد وتذم ما فعلته الحكومة السودانية في قضية البريطانية.
وجميل أن نرى وزير العدل أو الحكومة تنكر منكراً غير أن أجمل منه أن تُقبِل على نفسها وتستكمل فضائلها، وحقيق بها أن ترحب بمن يدعوها لهذا، وعندها تُعذر إن وهنت أو ضعفت فزلت يوم استضعفت وقلَّ الناصر لكنها اعترفت بذنبها، وإلاّ فقد قال الله تعالى: (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ)، فحذاري حذاري من التفريق بين القضيتين باسم العقل والمصلحة فكل يدعيها والمعول على الشريعة.