الحركة الشعبية لتحرير السودان تعاني آلام التسنين السياسي؛ فالحركة التي ظلت تخوض حرب عصابات ضد حكومات السودان المختلفة لمدة تزيد عن العشرين عاما، وجدت نفسها شريكا أساسيا في الحكم، تشارك بنصيب وافر في حكم السودان كله، وتنفرد بحكم الجنوب طوال الفترة الانتقالية الممتدة لست سنوات ـ 2005 ــ 2011م ـ وهذا النقلة الواسعة من العمل العسكري السهل بطبيعته قياسا إلى العمل السياسي الصعب بتعقيداته أفرزت هذه المشاكل التي تعاني منها الحركة الشعبية، فقد ظلت الحركة الشعبية زمانا طويلا تمارس دور الحكومة والمعارضة في آن معا، وظل وزراؤها وولاتها خميرة عكننة في الحكومة، كما ظلت تعاني من اختلافات كثيرة داخلها ومعظم الأزمات التي تفتعلها الحركة الشعبية انعكاس لما يدور في كواليس الحركة من مشاكل وصراعات.
والأزمة الأخيرة التي افتعلتها الحركة الشعبية بتجميد مشاركتها في الحكومة المركزية والتي استمرت منذ قبيل عيد الفطر الماضي إلى بعيد عيد الأضحى؛ تمثل واحدا من المؤشرات العديدة الدالة على أوجاع التحول من حركة تقود حرب عصابات إلى شريك مسئول في حكم بلد بحجم السودان. فماذا أرادت الحركة الشعبية من (حركتها) تلك بتجميد مشاركتها في الحكومة المركزية؟ وماذا حققت بالفعل؟؟
هناك مستويان يمكن النظر من خلالهما إلى أهداف الحركة الشعبية من قرار التجميد، ومن ثم النظر إلى ما تحقق فعلا على أرض الواقع؛ على المستوى الخارجي تريد الحركة الشعبية أن تحرج الشريك الآخر وتظهره بمظهر غير الجاد على تنفيذ اتفاقية نيفاشا، وتقوم بالتالي بتعريته والهجوم عليه وإشهاد شركاء الإيقاد وحلفاء الحركة الشعبية وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأمريكية على تجاوزات المؤتمر الوطني. أما على المستوى الداخلي فإن الحركة الشعبية أرادت حسم العديد من الصراعات بين التيارات داخلها، وأبرزهم تيار ما يُسمى بأولاد قرنق الذين هم في الحقيقة أولاد أمريكا وبين غيرهم من مناوئهم وخصومهم داخل الحركة.
على صعيد المستوى الخارجي، لم يستجب المؤتمر الوطني لما أسماه بالابتزاز السياسي، وقام المؤتمر الوطني بشن هجوم واسع على الحركة الشعبية شارك فيه كل من صقور وحمائم المؤتمر الوطني على السواء، فابتداءً من المؤتمر الذي عقده الدكتور نافع على نافع بعد قرار تجميد الحركة مباشرة، وإلى المؤتمر الذي عقده على عثمان محمد طه، اتفقت كلمة المؤتمر الوطني على رفض مثل هذا الأسلوب لحل المشاكل بين الشريكين. بل وقام المؤتمر الوطني بهجوم مضاد متهما الحركة بعدة خروقات لاتفاقية نيفاشا بالإضافة للسؤال عن أموال البترول التي تنالها الحركة وأين تذهب؟ وهكذا يمكن أن نقرر أن المستوى الخارجي قد فشلت فيه الحركة فشلا ذريعا نتيجة لصمود المؤتمر الوطني وقيامه بهجمة مرتدة.
أما على المستوى الداخلي، فإن أولاد أمريكا داخل الحركة يمكن أن يكونوا قد كسبوا الجولة، ووجهوا لخصومهم ضربات متتالية، ففي ثنايا الأزمة تمت الإطاحة خارج الحركة بكل من تيلارا دينق وزير الدولة برئاسة الجمهورية السابق، وإليو إيانق وزير الدولة بوزارة الداخلية السابق. كما تمت الإطاحة خارج التشكيلة الوزارية بلام أكول وزير الخارجية السابق، وتقدم أولاد أمريكا خطوة لينال باقان أموم منصب وزير رئاسة مجلس الوزراء، ودينق ألور منصب وزير الخارجية.
وهكذا عادت الحركة للمشاركة في الحكومة المركزية دون أن تتحقق المطالب التي أشارت إليها في قرار التجميد، مما يؤكد أن الأهداف الحقيقية لقرار التجميد هي ما أشرنا إليه سابقا.