|
| افعل ما تشاء فأنت أوروبي |
قال حكماء العالم: ن الحضارة الأوربية التي تتشدق بحقوق الإنسان، تقيم ضجة في الدنيا كلها باسم حريته وكرامته، هي الحضارة الأسوأ نوعا في تاريخ الإنسان، فسجلاتها حافلة بكل ما يمكن أن يخطر على بال من انتهاكات وموبقات في حق الإنسان، وشواهد التاريخ تخبرنا بشر ما سمعت به أذن من إبادات للشعوب، ونهب للثروات، وإهلاك للحرث والنسل.
وهذا التاريخ الأسود لحضارة الرجل الأبيض، ما كان له أن يكون بكل هذه القتامة لولا أن النفسية التي صنعته، واليد التي صاغته كانت تنطلق من عقدة التفوق، والشعور بالسيادة المطلقة، فالرجل الأبيض منذ أذنت له إرادته أن ينطلق انطلاق الوحش الكاسر فَهمَ أنه سيد من حقه أن يسلب البشر أعز ما يملكون من المنح الإلهية، وأن يتعامل معهم بحسبانهم قطيعا من الماشية، يفعل فيها الجازر ما يشاء يسمنها إذا شاء، ويبيعها إذا شاء، ويذبحها إذا شاء، ولا تملك هذه القطعان البائسة إلا أن تنصاع راغمة لإرادته.
وإذا كان بعض الموهومين يظنون أن جرائم الحضارة الأوربية في حق البشرية صفحة تاريخية طواها الزمن، وتجاوزتها الأيام، ويجدر بها-أي البشرية- أن تنسى ما كان لتستقبل ما يكون، فإن صور المآسي ومناظر الدمار التي تحاصر المشهد الكوني لن تدع لهؤلاء الموهومين مجالا لمراهنات على مستقبل واعد يتجاوز فيه الموتورون الأوربيون عقدهم التي أملت عليهم كل هذا العدوان (فالذئب ذئب لا يلام لبطشه ...هو في طبيعته يغار ويغصب).
وإذا كانت الملفات السياسية بطبيعتها مثخنة بالجراح فإن الفجائع الإنسانية التي صفعنا بها الأوربيون تربو على كل فجيعة؛ ودونك فاجعتان تتفتت لهما الأكباد ويذوب القلب من كمد إن كان في القلب إيمان وإحساسُ، أما الفاجعة الأولى فأطفال ليبيا الذين طُعنوا بالإيدز ونقل لهم هذا المرض القاتل على يد عصابة من الأشرار الأوربيين، وأثبتت المحكمة الجريمة، وأصدرت بشأن المعتدين عقوبات وصلت حد الإعدام، ثم بضغط من المجتمع الأوربي (وافَقَ محلا قابلا للخياسة!) غادر المتهمون ليبيا ليستقبلهم أهلهم استقبال الفاتحين.
وأما الفاجعة الثانية فأطفال دارفور وتشاد الذين اختُطِفوا من بلادهم ونقلوا علي يد عصابات الإجرام الأوروبي إلى بلاد أخرى ليباعوا فيها أو ليتم تجنيدهم ضد أهلهم وأمتهم في دور قادم مرتقب، حوكم المتهمون وصدرت الأحكام بحقهم سجنا لمدة 8 سنوات، ودفع تعويضات مالية لأسر الضحايا!!، ثم كان ماذا ؟ طلبت فرنسا -التي كانت حاضرة بكل ثقلها - تسليم المتهمين لها ليغادروا تشاد ويستقر بهم المقام في باريس عاصمة الحرية والفن والجمال!
والسؤال الساذج الذي يتبادر للذهن ما الذي كان يمكن أن يحدث لو أن ثلة من الأطباء العرب أو المسلمين فعلوا بأطفال أمريكا أو أوروبا مثلما فعل أبناؤهم بأطفالنا في ليبيا ؟ وماذا كان يمكن أن يحدث لو أن مجموعة من عصابة تنتمي –بحكم ميلادها لعالم الإسلام- قامت باختطاف مجموعات من طلبة المدارس الابتدائية في أمريكا أو أوروبا ونقلتهم إلى أفغانستان أو غيرها من الأصقاع النائية؟
والإجابة على هذه الأسئلة الساذجة لا تحتاج إلى إعمال عقل فقد قدم لنا الغرب نماذج ناطقة في تعامله مع كل من تسول له نفسه المساس بأمن تلك الشعوب الراقية، لقد رأينا ما فعلته أمريكا وحلفاؤها بعد مسرحية 11 سبتمبر الهازلة من غزو مُبير دمر العراق حضارة وإنسانا، ودمر أفغانستان المنهكة التي حصدتها الحروب، وأحكم قبضته على العالم الإسلامي بقواعده وترساناته المنتشرة في كل مكان، ونهض الإعلام الغربي والساسة الغربيون بدور خبيث يعطي المبرر لكل عمل إجرامي يقوم به أوربيٌ أنّى كان، دون أن يملك حاكم واحد في هذه الرقعة الإسلامية حق القصاص منه، ويا لهوان الإنسان إذا هانت عليه نفسه.