لا أذيع سرا إن قلتُ إنّ المجلس الأعلى للدعوة الإسلامية –التابع لوزارة الإرشاد والأوقاف - يلملم هذه الأيام أطرافه لتنظيم ندوة علمية متخصصة في قضايا الدعوة الإسلامية ومشكلاتها في السودان، وسيشارك في الندوة ثلة من العلماء والمفكرين والقيادات الدعوية البارزة من داخل السودان وخارجه.
وأحسب أن المجلس الأعلى قد أحسن صنعا باستهلاله لبرامجه في العام الجديد بهذه الندوة التي اختار لها موضوعا في غاية الأهمية، فكلنا يعلم ما للدعوة الإسلامية من دور رائد وأثرعظيم في حياة المجتمع وصلاحه، وكلنا يعلم أيضا ما يحيط بمسيرة الدعوة الإسلامية من كيد وتربص يوجب على كل مهموم بحاضر الإسلام ومستقبله أن يبذل وسعه من أجل النهوض بدعوة الإسلام فكرا وتمكينا.
وهذه الندوات والمؤتمرات التي تقيمها الجهات المختصة لها دور مشكور في خدمة هذه الغاية، غير أن نجاحها متوقف على ما تقدمه من رؤى وأفكار وحلول لمشكلات واقعية تعين على تسديد المسيرة.
وإذا قُدّر لي أن أساهم في هذه الندوة المرتقبة برأي أو فكرة فإنني أدعو علماءنا المشاركين فيها أن يبحثوا في جلساتهم الموفقة إن شاء الله قضية تمثل عندي حجر الزاوية في عمل الدعوة، وهي قضية المرجعية الدعوية، ولا أعني بالمرجعية هنا الواجهات الدعوية المتعددة-رسمية كانت أو شعبية- ولا أعني الهيئات والجامعات والمجامع الإسلامية، ولكنني أعني بها ما يتفق الناس على أنه مرجعية لهم، يسمعون لقولها، ويعظمون ما يصدر عنها.
وعالمنا الإسلامي فيه بفضل الله مرجعيات محترمة في عدد من البلاد تثملها أحيانا الحركات الإسلامية، وتمثلها أحيانا شخصيات علمية مرموقة، وتمثلها في بعض الأحيان مجالس وهيئات لها صفة رسمية وقبول عام. أما نحن في السودان فقد عملنا منذ زمن على إقصاء المرجعيات العلمية أو الشرعية (إن صح التعبير) وتهميش دورها بحجة الاجتهاد الشعبي، وبحجة أنه لا كهنوت في الإسلام، وتزامن هذا الإقصاء مع ضعف واضح لعطاء الحركات الإسلامية التي كانت تسد فيما مضى فراغا.
وأظن أنه قد حان الوقت الذي يوجب على العلماء والدعاة في هذا البلد أن يتواثقوا على مرجعية يكون لها في واقع الناس أثر مبارك، يوحد رؤاهم، ويعصمهم من مضلات الفتن، وهذا لا يتحقق إلا بمراعاة شروط أذكر منها ثلاثة:
- الكفاءة العلمية التي تجعل الأفراد والجماهير جميعا مطمئنين إلى أنّ من يوجههم أو يفتيهم في عامة أمرهم وخاصته أهل لذلك.
- الحضور المستمر، ومواكبة الأحداث والنوازل، ومعالجتها بالرأي الواضح في الوقت المناسب بالوجه المناسب. أما الاكتفاء ببيانات محدودة في المناسبات العامة، والإطلال على الناس في مواسم العبادات، فهذا لا يجدي شيئا، ولن يخدم قضية، ومن العجيب أن ترى أصحاب الأفكار المنحرفة والمشاريع المأجورة يشكلون حضورا كثيفا في كل حدث، ولا تمل أقلامهم وألسنتهم من تناول ما يهم الناس بالتصريحات والمقالات والكتب والنشرات بينما يتوارى الصوت الإسلامي أو يكاد.
- الاستقلالية في الرأي والموقف وأعني بها أن لا تصدر هذه المرجعيات عن نظرة حزبية ضيقة، ولا عن هيمنة لنظام حاكم تسعى لرضاه. وما رأيت شيئا أضر على الجهات التي تطرح نفسها بديلا لما هو قائم، أو مرجعية لما هو آت إلا هذا التحيز المضر، وجدير بعلماء الأمة ومرجعياتها أن يتحرروا من هذه القبضة ليعبروا عن تطلعات الأمة ويأخذوا بيدها إلى سواء الصراط.