أصبح من المعتاد في الخرطوم أن تجد نفسك معلّقاً على شارع – أو بين السماء والماء على كبري - لساعة أو ساعتين، بسبب تعثر حركة المرور، بل توقفها تماماً.. ثم تتراشق حولك التكهنات عن سبب الاكتظاظ المروري؛ من زاعم (حادث حركة) إلى قائل ( حملة رخص ومخالفات) إلى مدعي ( أعمال صيانة)..إلخ!!.. ولكنك تكتشف بعد ذلك أن الطريق قد تم احتلاله بواسطة مسرحي الجيش، أو المعاشيين!!.
في ظرف أشهر وجيزة تكررت احتلالات منسوبي القوات المسلحة للشوراع والطرقات، وإقامة المتاريس عليها، مطالبة بحقوقهم التي لم توفِ بها الدولة!!.. وأمس الأول هُددت السيارات بالحصب بالحجارة وتحطيم الزجاج إذا ما حاولت اختراق الحظر..فتحولت الشوارع إلى قطارات متوقفة!!..
وهكذا تضيع كثير من ساعات العمل، وتضيع معها الأموال، إما من الموظفين (بسبب الخصم على التأخير)..أو من الدولة بسبب ضياع ساعات الإنتاج!!..
لماذا تعمل الدولة على أن تركز في الذهن الشعبي أن أبسط الحقوق لا يمكن أن تنال إلا بالقوّة؟!..ولا تؤخذ إلا غلابا، وإرهابا؟!..فهذا المعاشي أو المسرَّح البسيط أدى واجبه كاملاً في أحلك الظروف، وبالتالي فهو يستحق أن ينال حقه باحترام وافر، وبغير جهد وعناء كبد..وهو عندما يتصرف على هذا النحو لانتزاع حقه، فإنه يطبق ما يعرفه في الظروف الاضطرارية، وبعد أن استيأس من الحسنى!!..هل هذا ما تريد أن ترسخه الدولة!!.
يبدو أن عالم ما بعد (نيفاشا) بدأ يرسم خطوطه على صفحات الجميع، أفراداً أو مجموعات، ويوم يسود هذا العالم فعلى السودان السلام..
وعالم ما بعد نيفاشا يجعل الناس يبصرون ببساطة أن متمردي الحركة الشعبية (بعضهم فاقد للمؤهل والأهلية) قد نالوا حقوقهم، بل وصنعوا لأنفسهم بسلاحهم حقوقاً ليست لهم، بل لم يكونوا يحلمون بها أصلاً!!..ويجعلهم ذلك العالم يرون أن بعض من اقتنع بطريقتهم نيل الحقوق وسلبها، قد مشى على نفس الطريق في دارفور والشرق، فنال مثل ما نال ذلك وما زال يحتلب ثدي الدولة التي لا تدر لبنها إلا بتلك الطريقة!!..
ثم يرون أن الضعيف يضحى به من أجل أعين الغالب!!..وأن المسيرية إذا لم يحافظوا على مناطقهم ويذودوا عن حوضهم بسلاحهم، فإنه سوف يهدم بيد جنود الجيش الشعبي الغاصب، وتحت سمع وبصر الدولة، دون أن ترفع صوتاً أو تحتج!!..وقل مثل ذلك على كل مشكلاتنا..(النيل الأبيض) (المناصير) (أمري)...إلخ.
تلك قضية يمضي التعاطي السياسي مع الأزمات في السودان إلى ترسيخها كنظام عام، ليس على المستوى السياسي فحسب، بل على المستوى الاجتماعي والإداري والتجاري..فلولا تهرب التجار المستمر من الضريبة الباهظة، وإيثارهم إعلان الإفلاس والسجن على الاستجابة لتلك الإتوات (التركية) لما فكر ديوان الضرائب في إسقاط (التقدير الإيجازي) وفتح صفحة جديدة باسم (التقدير الذاتي)!!..
وفي كل مرة تتكرر مأساة المسرحين والمعاشيين ولا يتلقون إلا الوعود بحل المشكلة..ولكنهم في كل مرة يقرؤون الرسالة المطبوعة على الجدران والشوراع وأبواب المؤسسات..(من عنده حق فلينتزعه)!.
فيا أيها الحاكمون:ما يحيط بالسودان من أزمات، ومن مكر الليل والنهار أكبر من تطيقه قوتكم البشرية، وأنتم بحاجة ماسة إلى عون الله عزَّ وجل، فأصلحوا الأمر بينكم وبين عباد الله، وارفعوا الظلم عن الناس، وردّوا الحقوق إلى أصحابها، وأغلقوا الباب أمام الغبن بكافة أشكاله حتى تُلجئوا ظهوركم سند و تأووا إلى ركن شديد.