|
| ولكن غزة لا بواكي لها |
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله الأمين، وبعد فإنَّ غزةَ تشهد هذه الأيام عدوانا صهيونيا حاقدا يزيد من حصارها ومعاناتها.
ولم يكتف اليهود الغاصبون المحتلون حتى قاموا باغتيال أكثر من ثلاثين فلسطينيا، على مرأى العالم ومسمعه، في حين شُغِلَ العربُ باستقبال حامي الصهاينة والاحتفال بزيارته التي لم تَجُرَّ على العرب إلا مزيدا من العدوان والضعف والهوان ولم يستفد منها إلا اليهود في تصعيد هجماتهم على غزة واستنزاف الدم الفلسطيني بعد الغطاء الدولي الآثم الذي نالوه في مهزلة أنابوليس بمشاركة العرب. والله المستعان.
وقد وصلت المحنة في قطاع غزة إلى إقفال جميع المعابر التي تحمل المؤن والأطعمة. وتلك جريمة إنسانية يمنعها القانون الدولي الذي لا يُطبَّق إلا على دارفور وأخواتها، وأما جرائم اليهود وحلفائهم من النصارى الصهاينة في فلسطين فلا يهتم بها أحد.
ومن العجائب التي يحار فيها العقلاء مسارعة العرب إلى استرضاء القوى الغاشمة وصم الآذان وتغشية العيون عن مصائب فلسطين؛ ففي محنة حُجاج غزة على سبيل المثال ظل الحجاج عالقين عند معبر رفح أياماً، بينما سارعت الرئاسة المصرية إلى الاستجابة لطلب الرئيس الفرنسي ساركوزي في زيارته لمصر للضغط على سوريا في القضية اللبنانية في الوقت الذي يستغيث فيه عجائز غزة وشيوخهم ونساؤهم وأطفالهم لفتح معبر رفح؛ حتى توفيت بعض كبار السن من الحجاج! فاظطروا حينئذ إلى الاستجابة.
فينبغي أن نَعِيَ جيداً أنَّ قضيةَ المعابر أكَّدت بوضوح في مناسبات عدةٍ مُشاركةَ بعضِ العرب في حِصارِ غزة.
وظلم ذوي القربى أشد مضاضة على المرء من وقع الحسام المهنَّدِ!
وهانحن نشهد هذه الأيام محنة قَفْلِ جميعِ مَعابِرِ قطاعِ غزة وقطعِ اليهود الكهرباء عنها في ظل صمت عربيٍّ وإسلاميٍّ مريب! ولا حول ولا قوة إلا بالله!
ومن يرضى من الدول العربية والإسلامية ومن الرؤساء العربِ أن تقطَعَ عنه الكهرباء؟! وأن يُحاصرَ حصاراً خانقاً ويُمنَعَ من وُصولِ الأغذية والأدوية إليه؟!
تذكرتُ في هذه المحنةِ الفلسطينية الخانقةِ والحصارِ الظالمِ على غزةَ والصمت الآثم واستجابة العرب لبوش ومشروع الشرعية اليهودية في أنابوليس وتأخُّرهم عن نجدة إخوانهم في فلسطين الذين لا يُحارَبُون ولا يُحاصَرُون إلا بسبب تمسُّكِهم بحقِّ مُقاومة المحتلين الغاصبين! تذكرتُ قصة حمزة رضي الله عنه واستشهاده في أُحُد.
فقد روى أحمد في مواضع من مسنده عن زَيْد بْنُ الْحُبَابِ حَدَّثَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ حَدَّثَنِي نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا رَجَعَ مِنْ أُحُدٍ فَجَعَلَتْ نِسَاءُ الْأَنْصَارِ يَبْكِينَ عَلَى مَنْ قُتِلَ مِنْ أَزْوَاجِهِنَّ قَالَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَكِنْ حَمْزَةُ لَا بَوَاكِيَ لَهُ قَالَ ثُمَّ نَامَ فَاسْتَنْبَهَ وَهُنَّ يَبْكِينَ قَالَ فَهُنَّ الْيَوْمَ إِذًا يَبْكِينَ يَنْدُبْنَ بِحَمْزَةَ).
وروى ابن ماجه عن هارون بن سعيد المصري حدثنا عبد الله بن وهب أنبأنا أسامة بن زيد عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بنساء عبد الأشهل يبكين هلكاهن يوم أحد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لكن حمزة لا بواكي له فجاء نساء الأنصار يبكين حمزة فاستيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ويحهن ما انقلبن بعد! مروهن فلينقلبن ولا يبكين على هالك بعد اليوم.
ورواه الطبري في تاريخ الرسل والملوك وابن أبي شيبة في مصنفه، وعبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن عكرمة قال: لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحد سمع لاهل المدينة نحيبا وبكاء فقال: ما هذا؟ قيل: الانصار تبكي على قتلاهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لكن حمزة لا بواكي له، فبلغ ذلك الانصار، فجمعوا نساء هم وأدخلوهم دار حمزه يبكين عليه، فسمعهن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما هذا؟ فقيل: إن الانصار حين سمعوك تقول: لكن حمزة لا بواكي له، جمعوا نساءهم يبكين عليه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للانصار خيرا، ونهاهم عن النياحة.
وذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء، وفي تاريخ الإسلام. وقال ابن كثير رحمه الله: وقد أسنده الامام أحمد فقال: حدثنا زيد بن الحباب حدثني أسامة بن زيد، حدثني نافع، عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رجع من أحد فجعل نساء الانصار يبكين على من قتل من أزواجهن قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ولكن حمزة لا بواكي له " قال: ثم نام فاستنبه وهن يبكين قال: (فهن اليوم إذا يبكين يندبن حمزة) وهذا على شرط مسلم.
ثم صارت هذا المقالة النبوية المعبِّرة مثلا يُضرَبُ للتأسُّفِ على الإخوان، كما جاء في المستقصى في أمثال العرب أن هذا القول (لكن حمزة لا بواكى له) "يضرب في تحزن الرجل إذا رأى قوماً في حال حسنة وله حميمكن ٌ يُضْطَهَد". وجاء في مجمع الأمثال: "يُضرَب عند فَقْدِ من يهتَم بشأنك.
لقد سئمنا من تنديدِ العربِ بكل جرائم الإرهاب؛ ترضيةً لأعداء هذه الأمة، ومللنا من صمتِهم عن جرائم اليهود التي يقومون بواجب الرد عليها ولا يلقون لها بالا! فنقول (لكنَّ غَزةَ لا بواكِيَ لها) كما قال الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم: (لكنَّ حمزة لا بواكِيَ له)! والنصر مع الصبر، ونقول لإخواننا المجاهدين في فلسطين:
(اسْتَعِينُوا بِاللّهِ وَاصْبِرُواْ إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ).
(والعاقبة للمتقين) (والله غالبٌ على أمرِه ولكنَّ أكثرَ الناس لا يعلمون). (وسيعلَمُ الذين ظلموا أيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُون).