استوقفني ملصق عجيب وأنا أمشي في إحد دروب الخرطوم.. ملصق للحركة الشعبية..الشريك العجيب وفي حكومة الغرائب.. يحمل الملصق صورتين متجاورتين؛ على اليمين منه صورة للزعيم الصريع جون قرنق..وعلى الشمال منه صورة للزعيم الحالي سلفاكير ميارديت!!..تحت الصورة الأولى مكتوب (لا للحرب)!!..وتحت الثانية مكتوب (نعم للسودان الجديد)!!.
والحرب مستعرة في أبيي بين المسيرية والحركة الشعبية، ورغم الصمت والتكتم الرسمي فالكل يعلم..وإنها الشرارة الأولى للانفجار الجديد!!..وهي حرب تتسارع جولاتها نحو الاتساع، وزيادة الخرق على الراتق..فالفرسان تأبى سروج خيولهم أن تتنازل عن أرض وطئتها أقدامهم منذ أكثر من أربعة قرون..
وسياسيو الحركة الشعبية يدفعون عساكرهم وعتادهم الأمريكي إلى مستنقع الدماء في أبيي، ليثبتوا بسياسة فرض الأمر الواقع تبعية أبيي للجنوب، بعد أن فشل البروتوكول الأخرق، ولجنة خبرائه الأجنبية في إيجاد حل ينهبون به أرضاً ليست لهم.
سياسة فرض الأمر الواقع تلك هي التي أملت لهم أن يمزِّقوا البروتوكول بأنفسهم بإعلانهم أبيي مقاطعة تابعة للجنوب، وتنصيب إداورد لينو حاكماً عليها، في فوضى سياسية لم يسبق لها مثيل!!..
ولكن المسيرية أيضاً يعرفون كيف يعالجون الأمر بسياسة مثلها، فأعلنوها ولاية بوزراء ومعتمدين، ونصبوا عليها الأنصاري والياً، ثم دفعوا به إلى الخرطوم ليقول لحكومتها - تلك يلتزم شقها الأيمن الصمت المميت، بينما يرمي شقها الأيسر بعساكره لحربهم في أبيي- إن ولايته على أبيي باقية ما بقي جندي من الشعبية شمال حدود 1956م.
المسيرية يرفعون سلاحهم وصهيل خيلهم، ويرفعون معه وثائق الحق التاريخي.. ويرفضون الانحناء إلا على صهوات الخيل حين تندفع بهم صوب الغبار.. وغبارهم يحمل معه معسكرات الحركة ومنجزراتهم، ثم يقسمون أن لا يخرجوا من حومته إلا أن حين تخرج الحركة من حدود 1956م.
بالأمس سقط منهم عشرات القتلى في (آبك) جنوب (الميرم)..ولكنهم لم يتعفّروا بالتراب وحدهم، بل أسقطوا عشرات مثلهم من جنود الحركة النظاميين..
وداخل أمعاء الحركة الشعبية يتعارك تياران؛ تيار أبناء قرنق، وتيار سلفاكير..وتتحدث الأخبار عن اجتماعات سرية يعقدها التيار الأول للاطاحة بالأخير، والهيمنة على الأوضاع داخل الحركة..
وإذا أعدنا قراءة الملصق المذكور في فاتحة الحديث، وجدنا أن أبناء قرنق وضعتهم الصورة في خانة الحرب..وسلفاكير أصحابه وضعتهم الصورة في خانة السودان الجديد..فأي الفريقين هو الفاعل..وإذا أحسنت القراءة وجدت أن أبناء قرنق هم الذين أدخلوا عوداً كبيراً في جرح أبيي، ثم اتَّكأوا عليه بثقلهم، ليحدثوا الأزمة الشهيرة بين الشريكين، حين جمدت الحركة وزراءها في حكومة الوحدة الوطنية..
وستجد أن أبناء قرنق ما زالوا يتكئون على عودهم..فباقان أموم هو أكبر أبناء قرنق..وإدوارد لينو حاكم المقاطعة المعلنة من قبل الحركة في أبيي، هو كذلك أحد أولئك الأبناء..إذن فمن يسعِّر الحرب هناك؟!..
بل من الذي أدخل أبيي ابتداء في دائرة التمرد والحرب الجهنمية غير هؤلاء؟!..من الذي أخرج دينكا نقوك عن حياتهم المسالمة مع المسيرية طيلية قرون متطاولة.. سلاماً لم يعرفوه مع أهلهم..حتى أن حكيمهم (دينق مجوك) فضل ضم أبيي إلى جنوب كردفان – التابعة للشمال- عن ضمها للجنوب!!.
ولكن الذي يستعصي على القراءة حقاً هو ماذا يصنع الشق الأيمن من الحكومة حيال الأزمة..هل يترك المسيرية وحدهم يواجهون مصيرهم وهم يدافعون عن جزء من أرضه يريد أن يسلبه شقه المشاكس!!..لماذا يكتفي بالنظر والتأمل في بحار الدماء تجري في أبيي؟!..
فيا هؤلاء ..ماذا أنتم صانعون!!..