|
| قصة الضفدع والفأر والحدأة |
قال إيسوب الحكيم في:
في ساعة نحس أصبح الفأر صديقاً للضفدعة، التي ربطت قدمه بقدمها برباط وثيق دليلاً على المحبة، وسارا في أرض جافة يبحثان عن الطعام وما أن وصلا إلى حافة بركه الماء حتى قفزت الضفدعة فيها وغاصت إلى الأعماق..وبالطبع شدّت معها الفأر تعيس الحظ، الذي شرب من الماء حتى إمتلأت بطنه ثم غرق، غير أن جثّته طفت فوق سطح الماء، وإن كانت لا تزال مربوطة بقدم الضفدع برباط وثيق..
وأكتشفت الجثّة حدأة كانت تطير في الفضاء، في سرعة البرق اندفعت هبوطاً لتخطف جثّة الفأر بمخلبها ..أما الضفدعة التي عجزت عن تخليص نفسها من الرباط الوثيق، فقد طارت مع الجثة فأكلتها الحدأة هي الأخرى..!.
فتأمل أنت يا صاحبي في حال شريكين شدوا وثاقهما بحبال نيفاشا.. وملؤا الدنيا فرحاً بأن الحرب توقفت بعد أكثر من ثلاثة وعشرين عاماً احترق فيها الأخضر واليابس.. وأرهقونا بالسلام الذي جعلوا له عيداً وطبولاً..ولكنه الماء والحدأة كانتا في انتظار الفرحين.
تقرير مجموعة الأزمات الذي نشر مؤخراً..جاء بالعجب العجاب في حال رباط نيفاشا..وإن كان الأمر أوضح من كل تقارير مجموعات الدنيا!!..
يقرر التقرير أن المشاكل الجوهرية في اتفاق السلام في جنوب السودان ظلت باقية مع تصاعد خطورة التوتر في منطقة أبيي..
ولكن ما يكتشفه قارئ التقرير حقاً..هو أن تلك السطور واحدة من أدوات التي تستخدمها (الحدأة) الدولية من أجل إكمال بقية الفصول!!..
التقرير يكرس لحالة أزمة جديدة قبيل الانتخابات القادمة..أزمة تنسف كل من الضفدع والفأر..تجعل الأخير يموت من الغرق، والأول عجينة هضمية في معدة الحدأة الغربية!!..
فحين يلخص التقرير مهددات اتفاق السلام في همينة المؤتمر الوطني على الدولة والاقتصاد، وتهميش الرموز السياسية التي صنعت السلام، والسعي لتحويل الحركة الشعبية إلى شريك صغير قائم على أساس جنوبي..
ويذيل الكلام بالحديث عن انقسامات الحركة الشعبية الداخلية، وعن علي عثمان محمد طه صانع السلام الذي تم تهميشه!!..
فإنه يريد أن يقول للفأر إن الضفدع هو الذي يقود المركب إلى المنطقة التي لا تجيد فيها السباحة!!.. وعليه سيكون نصيبك التلاشي والغرق في مستنقع والتهميش، وستأكلك الانقسامات والتصدعات..وبإثارة قضية تهميش علي عثمان فإنه يعمد إن وضع المتفجرات في أحشاء الضفدع!.
ولكن التقرير لم يفصل في مهددات الاتفاقية التي تتمثل تعديات الجيش الشعبي على الاتفاقية بفرض هيمنته قسراً على المسيرية في أبيي، ولا عن العشرات الذين قتلوا بآلته الحربية، بعد أن أصر التمترس داخل الشمال..وباقتضاب شديد يشير إلى استمرار التوتر في أبيي..
ولكن التقرير لم يتحدث عن اعتداءات الجيش الشعبي المستمرة على المواطنين في أصقاع الجنوب، أو على القوات المشتركة التي أنشأتها الاتفاقية..لم يقل شيئاً استهداف قبيلة التبوسا..ولم يتحدث عن أكداس الأسلحة في دور الحركة الشعبية بالشمال، ولا عن محاولاتها لتفجير الشمال!!.
و ثم يبرر كل ذلك الحشد من الكوارث بأنه يحدث في غياب الضامنين الدولين المنشغلين بدارفور!! مع أن الضامنين الدوليين هم الذي صنعوا الأزمة في أبيي!!..كما صنعوا (أزمة الشريكين) التي يستشهد بها التقرير على صحة كلامه حول انفراد المؤتمر الوطني بالهيمنة على الدولة..كما صنعوا أزمة دارفور.
والمؤتمر الوطني لا يعفى من كونه أحد صانعي الأزمة، لأنه هو الذي جرَّ السودان كله إلى الانقسام بين الضفدع والفأر، ثم أدخل الشقين في ذلك الرباط المشؤوم الذي يصعب الفكاك منه إلا بالموت في أحشاء الحدأة الدولية!!.
وإن كانت الحركة الشعبية قد فتنت بالوهم الذي يحدثها عن حكمها السودان الجديد..فإنها يجب أن توقظ نفسها وتتذكر أن قائدها الذي ظل يشعل النار ويصنع الحلم لما يزيد عن عقدين من الزمان، قضى قبل أن يتذوق طعم الطبخة..بل كان هو أول من تذوقه الطاهي ليختبر جودة السبك.