الأحداث السياسية لا تأتي من فراغ ولا تحدث اعتباطا، فلكل حدث سياسي جذوره وملابساته التي تحدد ملامحه وسماته؛ كما أن له بالضرورة غاياته وأهدافه التي يسعى الفاعلون الرئيسون تحقيقها.
والشهر الماضي يوليو 2008م حمل من الأحداث السياسية على المستويين الداخلي والخارجي الكثير. ولكن دعونا نركز على بعضها نُعمل فيها تحليلا وتفسيرا.
في أوائل يوليو 2008م شارك باقان أموم في ندوة بصحيفة (أجراس الحرية) وصف فيها الدولة التي يشغل فيها وزيرها الأول بالدولة الخاسرة؛ ولما كان هذا الفعل غريبا وشاذا؛ فقد أصدر رئيس الجمهورية قرارا برفع الحصانة عن باقان أموم والتحقيق معه، وهو أمر عادي وإجراء طبيعي، لكن المكتب السياسي للحركة الشعبية اجتمع في جوبا يوم الخميس العاشر من يوليو 2008م وقرر رفض رفع الحصانة عن أمينه العام باقان أموم وطالبه بعدم المثول أمام لجنة التحقيق. وكان قطاع الشمال بالحركة الشعبية قد استبق اجتماع المكتب السياسي للحركة وأصدر بيانا بنفس المعنى.
وفي منتصف الأسبوع الذي يليه، وبالضبط يوم الاثنين الرابع عشر من يوليو 2008م طلب مدعي المحكمة الجنائية الدولية أوكامبو من مجلس الأمن توقيف الرئيس البشير متهما أياه بارتكاب تطهير عرقي في دارفور.
وبقراءة الحدثين السياسيين الداخلي و الخارجي الذان تناغما وانسجما واشتركا في نفس الدور التخريبي في نزع هيبة الدولة والتشكيك في نزاهتها؛ هل يظن عاقل بعد ذلك ألا علاقة بين ما حدث داخل السودان من الحركة الشعبية، وما حدث على المستوى الدولي من أوكامبو؟ ويجدر بالذكر وزير الخارجية البريطاني قام بزيارة إلى السودان في نفس الفترة، لعلها لا تبعد كثيرا عن الحدثين الذين أشرنا إليهما، والأمر لا يحتاج إلى مزيد شروح وحواشِ، فالهدف هو إظهار الدولة في السودان بمظهر الدولة الفاسدة وتهيئة الأجواء و المسرح بعد ذلك لاستهداف رئيس الدولة نفسه، فلا أحد يدافع عن رئيس دولة إذا ثبت بشهادة وزيرها الأول خسارها وفسادها، فهل انتبهتم للدور الذي تقوم به الحركة الشعبية في السودان في هذا المنعطف التاريخي.
والعجائب لا تكاد تنقضي على الساحة السياسية في السودان، فبعد ادعاءات أوكامبو أصدر رئيس الجمهورية يوم الأربعاء السادس عشر من يوليو 2008م قرارا بتكوين لجنة عليا لإدارة الأزمة مع المحكمة الجنائية الدولية برئاسة الفريق سلفاكير ميارديت النائب الأول لرئيس الجمهورية ونائب رئيس الجمهورية مناوبا وعضوية سبعة آخرين.
ولكن المفاجأة أن المكتب السياسي للحركة الشعبية وبعد حوالي عشرة أيام من تكوين اللجنة؛ أعلن أن الفريق سلفاكير سيكون مرشح الحركة الشعبية لإنتخابات الرئاسة القادمة، ونتساءل عن سر توقيت الإعلان في هذه الظروف التي تمر بها البلاد، والانتخابات الرئاسية بقى لها حوالى عام كامل، فما سر هذه العجلة؟ والأمر لا يحتاج أيضا لكثير تفكير، فالحركة الشعبية تريد إرسال رسالة للعالم، وللولايات المتحدة على وجه الخصوص مفادها أن رئيس الجمهورية لو كان مطلوبا لدى المحكمة الجنائية الدولية؛ فإننا جاهزون برئيس آخر ليست ضده أي مطالبات دولية أو اتهامات مثل تلك التي أطلقها أوكامبو.
لأن الحركة الشعبية تريد الاصطياد في الماء العكر ـ ولأسباب أخرى كثيرة ـ فرئيسها ليس جديرا بأن يصوت له السودانيون في الانتخابات القادمة.