|
| مضمار رمضان والرجل الثالث |
لك أن تشبه رمضان بمضمار ينبغي أن يتنافس المتنافسون لاجتيازه في أسرع وقت ممكن، وإذا علمت أن المسابقة والمحاسبة فردية، فتأمل لو جاء رجل مقبل بدأ يشتد في السعي منذ أن أوشك على مجاوزة مضمار شعبان، فلمّا وصل أول مضمار رمضان بلغه وهو يسعى سعياً حثيثاً فلمّا انتصف المضمار بلغ سعيه مداه واستمر على ذلك إلى أن جاوز المضمار... فهذا رجل، جاء بعده آخر فما بدأ السعي إلاّ لمّا قيل له أنت اليوم قد دخلت مضمار رمضان، فأطلق ساقيه للريح مخلوع القلب خوف الفوت وبدأ يشتد إلاّ أن بلغ السعي مداه في ثلثه الأخير.. ثم اجتاز، وثالث طفق يتلفت يمنة ويسرة، وهو وسطَ مضمار شعبان حتى بلغ مضمار رمضان، فلمّا قيل له بلغت المضمار تلكع قليلاً وتأمل المضمار وما حف به من التحف ثم طفق يقوم ببعض تمارين الإحماء، ثم أخذ نفساً عميقاً وانطلق، وما أن انطلق حتى قيل له: حسبك توقف فقد انقضت المدة المحددة!
إذا تأملت حال الثلاثة فأيهم في بدائه العقول سوف يكسب المضمار؟ أعتقد أن الجواب واضح، والمهم ألا تكون أخي الكريم الرجلَ الثالث!
وإذا أردت أن لاتكون هو فاعلم أن ما يدعو للتلفت والتلكؤ في رمضان وقبل رمضان كثير غير الشئون الحياتية العادية، وأقتصر في هذا المقام على ذكر شيئين:
الأول: التوسع في مباحات الطعام والشراب، وبعض الناس ربما فوّت وقت الاختيار لصلاة المغرب بسبب هذا التوسع، أما من يثقلون على أنفسهم حتى لا يكاد أحدهم يجد للتراويح لذة.. بل لا تكاد أنت أن تجد لها لذة بسبب تجشئه بجوارك فهم عدد ليس بالقليل بين صفوف المصلين، ومع ذلك فهؤلاء خير ممن أقعدهم الطعام عن الصلاة، والعارف من هؤلاء بتقصيره، خير من ذاك الذي إذا كلمته ربما تقمص شخصية الإمام مالك رحمه الله، وقال لك متفيهقاً: وما لو! التراويح مش نافلة برضو؟! إنت عاوز تطلع بمذهب خامس ولا آيه؟!.. آهـٍ ... ثم آهـ.. (لو كان عرضاً قريباً وسفراً قاصداً لاتبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة) [التوبة: 42]!، (إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله إلاّ قليلاً) [النساء: 142]، هكذا كان بعض المنافقين القدامى: لو كان أمراً يسيراً لاتبعوك فيه، أما بعض المنافقين الجدد فلا يسير ولا عسير! كانوا بالأمس يقومون إلى الصلاة وهم كسالى، أما اليوم فلا يقومون بل يثبطون! ولايزهد في السنة التي ندب الله إليها من اتقدت في صدره جذوة الإيمان، وضعيف الإيمان من يعتذر عن التقصير فيما ندبه الله إليه، لا من يبكت من كرر على مسامعه دعوة سيده الذي إنما خلقه لعبادته. وهؤلاء مع تثاقلهم عن الطاعة تجدهم في أمور الدنيا نشاطاً سراعاً، كما قال صلى الله عليه وسلم عن بعض أسلافهم في حديث الصحيحين: "والذي نفسي بيده لو يعلم أحدهم أنه يجد عرقاً سميناً –يعني: عظماً فيه لحم- أو مرماتين -تثنية مرماة وهي ظلف الشاة- حسنتين لشهد العشاء"، فإياك أخا الإسلام أن تقدم الكوارع أو الأظلاف على الصلاة!! أو أن تكون من الذين: يجيئون المناكر في نشاطٍ = ويأتون الصلاة وهم كسالى! لو كانت حفلة لسهر الليلة في حركة دائبة، أما الصلاة فما أثقلها! (وإنها لكبيرة إلاّ على الخاشعين) وليس الخاشعون هم أصحاب العضلات المفتولة والقلوب الضعيفة الرقيقة الخوارة! لكن الخشوع وصف للقلب تنسحب آثاره على الجوارح كيفما كان البدن!
وأما الشيء الآخر الذي يدعو كثيراً من الناس إلى التلكع في مضمار رمضان، فهو ما صنعه الإعلام، من برامج، ومسلسلات، ومسابقات خارج المضمار.. مضمار رمضان! وياللغبينة يوم يَخْرُج عَدَّاؤونَا –أصحاب القدرات والطاقات- في المسابقة الكبرى عن المضمار ليسابقوا خارجه! والعجيبة أن الجماهير يتفرجون ولا يبالون! فعمرك الله كيف ينبغي للدولة التي ابتعثتهم ليمثلوها أن تصنع بهم!
وتأمل البون الواسع بين المنشغلين بهذه الصوارف وبين حال الأجيال الأولى، قال ابن رجب في اللطائف: "كان الزهري إذا دخل رمضان قال: فإنما هو تلاوة القرآن وإطعام الطعام، قال ابن عبد الحكم: كان مالك إذا دخل رمضان يفر من قراءة الحديث ومجالسة أهل العلم، وأقبل على تلاوة القرآن من المصحف، قال عبد الرزاق: كان سفيان الثوري إذا دخل رمضان ترك جميع العبادة وأقبل على قراءة القرآن"، قلت وكان: وكان أبو عمر بن العلاء اللغوي وصاحب القراءات المشهور: إذا دخل شهر رمضان لا ينشد بيتاً حتى ينسلخ وإنما كان يقرأ القرآن.
فهؤلاء تركوا المباح والمندوب وأقبلوا على القرآن، لخصوصيته في شهر القرآن، فمالكٌ رحمه الله يغلق الموطأ ويطوي كتب الحديث! وأنت تترك المضمار لتتنقل بين الفضائيات! وترجو أن تنجو وتفوز! إن السفينة لا تجري على اليبس!
إن من ثمرة إقبال أولئك تسجيلهم أرقاماً قياسية، قال ابن رجب في لطائف المعارف: "كان بعض السلف يختم في قيام رمضان في كل ثلاث ليال، وبعضهم في كل سبع، منهم قتادة، وبعضهم في كل عشرة منهم أبو رجاء العطاردي، وكان السلف يتلون القرآن في شهر رمضان في الصلاة وغيرها، كان الأسود يقرأ في كل ليلتين في رمضان، وكان النخعي يفعل ذلك في العشر الأواخر منه خاصة، وفي بقية الشهر في ثلاث، وكان قتادة يختم في كل سبع دائماً، وفي رمضان في كل ثلاث، وفي العشر الأواخر كل ليلة، وكان للشافعي في رمضان ستون ختمة يقرؤها في غير الصلاة، و عن أبي حنيفة نحوه"، قلت: وكان علي الأزدي يختم القرآن في رمضان كل ليلة [انظر ترجمته في التهذيب]. وقال المثنى بن سعيد: أدركت هذا المسجد يعني مسجد بني ضبيعة وإمامهم يصلي بهم في رمضان يختم بهم في كل ثلاث رجل يقال له عمران بن عصام قال وصلى فيهم قتادة بعده فكان يختم في كل سبع [انظر ترجمته في تاريخ مدينة دمشق].
وقال محمد بن زهير: كان أبي يجمعنا في وقت ختمه القرآن في رمضان، في كل يوم ثلاث مرات، تسعين ختمة في شهر رمضان [انظر ترجمة زهير بن محمد في التهذيب].
وكان تلميذ الشافعي البويطي: يوسف بن يحيى القرشي، يختم القرآن في كل يوم مرة [ترجمته في التهذيب].
وقال مسبح بن سعيد: كان محمد بن إسماعيل البخاريُ إذا كان أول ليلة من شهر رمضان يجتمع إليه أصحابه فيصلي بهم ويقرأ في كل ركعة عشرين آية، وكذلك إلى أن يختم القرآن، وكان يقرأ في السحر ما بين النصف إلى الثلث من القرآن، فيختم عند السحر في كل ثلاث ليال، وكان يختم بالنهار كل يوم ختمة، وتكون ختمة عند الإفطار كل ليلة، ويقول: عند كل ختم دعوة مستجابة[ترجمته في تهذيب الكمال].
وكان هبة الله بن محفوظ بن الحسن بن محمد بن الحسين بن أحمد بن الحسين بن صصرى، القاضي الجليل أبو الغنائم الربعي التغلبي الدمشقي يختم القرآن في رمضان ثلاثين ختمة [ترجمته في تاريخ الإسلام].
وذكر الذهبي عن علي بن خطاب بن مقلد الفقيه المقرئ أبو الحسن الواسطي المحدثي الشافعي الضرير أنه كان يقرأ في رمضان تسعين ختمة.
قال ابن رجب: "إنما ورد النهي عن قراءة القرآن في أقل من ثلاث على المداومة على ذلك، فأما في الأوقات المفضلة؛ كشهر رمضان، خصوصاً الليالي التي يطلب فيها ليلة القدر، أو في الأماكن المفضلة، كمكة لمن دخلها من غير أهلها، فيستحب الإكثار فيها من تلاوة القرآن، اغتناما للزمان والمكان، وهو قول أحمد وإسحاق و غيرهما من الأئمة، وعليه يدل عمل غيرهم كما سبق ذكره"، على أن في المسألة قول آخر بكراهة تجاوز الثلاثة أيام، وأياً ما كان فلست -أخي الكريم- مطالباً بمنافسة من سميت لك! فألئك قوم قد سبقوا.. وكل ما أرجوه منك أن ترجع إلى أول المقال وأن تحرص على ألا تكون الرجل الثالث! والله يرعاك.