|
| أختي وقصة الشاب الأنيق |
عندما كنت طفلاً كانت إحدى شقيقاتي مجتهدة في دروسها .. متميزة بين زميلاتها .. وكنت أرافقها إلى المكتبة العامة لتراجع دروسها .. أصحبها في الطريق .. أما في المكتبة فأظل ألهو في ساحتها وأنظر إلى الغادين والرائحين .. ومن بينهم شاب كان يأتي مبكراً وفي خلال ساعة واحدة كان يكتب ويستخلص كل ما يريد ثم يخرج في اهتمام بالغ وانضباط ظاهر .. كان يبدو عليه الاهتمام : في مشيته وملبسه ومظهره وكل شيء.
لم يخْـفَ علَيّ أن شقيقتي كانت تراقب خطواته اللافتة ، ومظهره الجذّاب ، وتتابع حركاته المتميزة. ذلك أني كنت أنظر إليها بين الحين والحين .. فكلما نظرت إليها رأيتها في مراقبة لحركاته المتميزة.. لم يخْفَ ذلك عليّ رغم صغر سني إذ كنت في العاشرة من عمري ، وهي أيضاً صغيرة لم تتجاوز الخامسة عشرة .. فأخذتني غيرة عليها شديدة ، ولكنني بحكم صغري وشعوري بالطفولة وكبر الناس من حولي وقفت موقف المُشاهِد.
مرّت الأيام وما زلت ألاحظ النظرات التي تشي بإعجاب أختي بذلك الشاب .. وأنا أحاول أن أجد مدخلاً للحديث معها فلا أعرف من أين أبدأ فجعلت أنتظر الفرصة .. ومرت الأيام وأنا ألحظها تراقب خطواته اللافتة ومظهره الجذاب وحركاته المتميزة.
وذات يوم وقفت لأشرب .. ووقف الشاب بجانبي .. ومازحني مزاحاً عابراً فأسعفني ذكائي لاستغلال الفرصة ، فقلت لأختي : إن هذا الشاب قد قال لي : أراك تشبه تلك الفتاة ، فهل أنتما شقيقان ؟ فجعلت تسألني في اهتمام غير معهود منها : وماذا قلت له وماذا قال لك بعد ذلك ؟ .. فاستطعت من هذا المدخل – وبعد صعوبة بالغة – أن أقول لها: كم أرجو أن تشتغلي بدراستك وألا تفرّقي همومك في مثل هذه الأشياء الصغيرة والاهتمامات الجانبية.
هذا كل ما أذكره من أيام الصغر ..
ومرّت السنون وتزوّجَتْ أختي برجل من الأهل .. وهي ما تزال تذكر ذلك الشاب ولا تستطيع نسيانه أبداً .. لدرجة أنها لم تستطع أن تستمتع مع زوجها بالحب والتعاطف ، وعاشت معه حياة شقاء ، لأنها كانت تشعر دائماً بتعلقها بذلك الشاب.. ولما ازدادت حالتها سوءاً اعترفت لي ذات يوم بأن سبب شقائها هو تعلقها بذلك الشاب الذي اختفى من حياتها ولم تدرك له أثراً .
ثم أسعفني ذكائي .. فلم أعنّفها على ذلك بل استرسلت معها في الحديث حتى اعترفت بأنها كانت تعيش على وهمٍ بأنه تعلّق بها بناءً على سؤاله لي عن علاقتي بها .. ثم أنها كانت تلاحظ منه نظرات إليها وكان ربما يسلم عليها عند دخوله أو خروجه.
وقالت لي : حقيقة ليتني أطعتك واشتغلت بدراستي ، وكان من أعجب ما أسعفني به ذكائي أني قلت لها : لقد فرّطتِ فيه وكان ينبغي أن تهتمي بنظرته إليك . فقالت : نعم .. لقد ألقيت إليه ذات يوم رسالة فيها كلمات إعجاب ، فردّ عليّ بوريقة فيها كلمات سريعة عابرة ظننتها دليل الإعجاب وإشارة التعلق.
وكانت تذكر لي بين الفينة والفينة أن الفتيات ضعيفات وأن معظم من تعرفهنّ يقعن في حبائل هذا الفخّ .. ويا ليتهنّ يعرفن قصة ضياعي حتى يسلكن طريق سعادتهنّ .. ولكن الواحدة ترى أن سعادتها في تعلقها بالشاب الذي يعجبها ولا تعرف الحقيقة إلاّ بعد فوات الأوان.
إنني أحترمها جداً ، وأحبها أكثر من أخواتها ، لقد تميزت شقيقتي هذه من بين أخواتها بالاهتمام بي وإحسان معاملتي ، كانت توصيني بأناقتي ، ودراستي، وهي التي شجعتني على الدراسات العليا، إنها دون بقية الأسرة هي التي أخبرتني عن فائدة العكوف بالمكتبات .. وأصبحت تشجعني على ذلك : تعدّ لي الإفطار ، وتغسل ملابسي ، وتوصيني بالصبر على الجلوس ثلاث ساعات في المكتبة على الأقل.
استفدتُ كثيراً من نصائحها ومن اعتنائها بي ، فأصبحت أواظب على المذاكرة بالمكتبة وأهتمّ بأناقتي وبوقتي .. وأصبحت منظماً جداً بفضل اهتمامها .. وإذا بي ألاحظ في المكتبة فتاة في سن الخامسة عشرة ..أراها تراقب خطواتي اللافتة ومظهري الجذاب وحركاتي المتميزة !!