شبكة المشكاة الإسلامية 
آخر تحديث: 16.ربيع الاول.1433 الموافق: 2012-02-09م

ثلاثيات نبوية (59) ثلاث تبذل فيهن الأموال  ::  الدين القيم (119) الله هو المعبود الحق  ::  نساء خالدات (35) صفية بنت حيي 2  ::  دفاعا عن الحجاب  ::  ثلاثيات نبوية (58) ثلاثة حدث النبي بقصتهم  ::  الدين القيم (118) عيد الفطر  ::  نساء خالدات (34) صفية بنت حيي 1  ::  المدارس الغربية في البلاد الشرقية  ::  ثلاثيات نبوية (57) لا ينظر الله إليهم 2  ::  الدين القيم (117) لعنة الجاهلية  ::  

الإستشارات الفتاوى الأخبار الصفحة الرئيسية

ما حكم الاحتفال بالمولد النبوي؟

تابعوا المشكاة على تويتر

محاضرات وخطب  -فضيلة محمد سيد حاج رحمه الله

بيان هيئة علماء السودان حول أحداث سوريا

البث المباشر لقناة طيبة الفضائية

البث المباشر لقناة إفريقيا الفضائية

البث المباشر لقناة إفريقيا سواحيلي

 

الرئيسية المقالات

 

 

 

Bookmark and Share

ازدهار الحياة الاقتصادية

 

لبنى شرف
من الأردن

2008-12-06

الحياة الاقتصادية
إن النظام الاقتصادي في الإسلام قائم على تصور معين ، و هو أن الله هو الخالق والمالك لهذا الكون و ما فيه ، و هو الوهاب و الرزاق ، استخلف الإنسان في هذه الأرض ، و مكَّنه مما فيها من أرزاق و أقوات و قوى و طاقات ، و جعل له حرية التصرف فيها و لكن بشرط أن يكون وفق منهج الله و حسب شريعته ، فالأمر ليس فوضى ، و إنما هناك حدود و قيود واضحة ، فالله هو المشرِّع و له الحكم وحده ، و الإنسان مُستخلَف في الأرض و ليس مالكاً لما في يديه من أرزاق ! .

و بعبارة أخرى ، إن النظام الاقتصادي في الإسلام قائم على أساس الكسب المشروع و الإنفاق المشروع و أداء ما أمر الله بأدائه ، و تنمية المال بوسائل لا ينشأ عنها الأذى للآخرين ، فلا بد من الطهارة في النية و العمل ، و النظافة في الوسيلة و الغاية . فإذا قام التصور في النظام الاقتصادي على هذا الأساس ، ازدهرت الحياة الاقتصادية و شاع الرخاء ، و أما إذا قام على غير هذا الأساس المشروع ، انتكست الحياة الاقتصادية و عمت الأزمات . ذلك أن المفاهيم الاقتصادية التي تقوم على أساس الكسب المشروع و الإنفاق المشروع ينتج عنها أن يشيع التفكير بالمصالح العامة ، و أن يحسن الناس التعامل بمصادر الثروة ، و هذا فيه صالح الجميع ، و أما التصور الثاني القائم على الطرق غير المشروعة ، ففيه مصلحة أفراد معينين ، هم النهابين و المحتكرين و المرابين ، الذين يقتصرون في الإنفاق على شهواتهم الخاصة و لا تهمهم إلا مصالحهم الشخصية ، و لو كانت على حساب الآخرين و الإضرار بهم أو حتى سحقهم !! .

فمن البنود التي يقوم عليها النظام الاقتصادي في الإسلام تيسير و توفير فرص العمل و الرزق لكل قادر ، و حسن توزيع الثروة بين الأفراد على أساس الحق و العدل بين الجهد و الجزاء . فالأصل ان يكلف الجميع بالعمل ، كل حسب طاقته و استعداده و فيما يسره الله له ، فلا يكون أحد كلاً على الجماعة و هو قادر على العمل ، و لكن هناك حالات خاصة تُستثنى و هي التي تُعالَج بالزكاة و الصدقة .

قال عليه و آله الصلاة و السلام : " لأن يغدو أحدكم فيحتطب على ظهره فيتصدق منه فيستغني به عن الناس ، خير له من أن يسأل رجلاً أعطاه أو منعه ذلك ، فإن اليد العليا خير من اليد السفلى ، وابدأ بمن تعول " [ صحيح ، الألباني - صحيح الترمذي : 680 ] . و قال : " من استعف أعفه الله ، و من استغنى أغناه الله ، و من سأل الناس و له عدل خمس أواق ، فقد سأل إلحافاً " [إسناده صحيح رجاله ثقات ، الألباني - السلسلة الصحيحة : 2314 ] .

و من البنود كذلك التزام جانب القصد و الاعتدال ، و اجتناب السرف و الشطط في الإنفاق و الاستمتاع بالطيبات التي أحلها الله ، و البعد عن النمط الاستهلاكي الترفي ، و أن تبقى الحاجات الاستهلاكية محدودة بحدود الاعتدال .. ﴿ .. و كلوا و اشربوا و لا تسرفواۤ إنَّهُ لا يُحِبُّ المسرِفينَ ﴾.. { الأعراف : 31 } .

و أيضاً ، أن يقوم التكافل بين المؤمنين ، فينتفعوا جميعاً برزق الله الذي أعطاهم ، فمن وهبه الله سعة في الرزق أفاض و أنفق على من قُدر عليه رزقه ، شعوراً منه بنعمة الله عليه ، و شكراً له عليها ، و ذلك بأن يُحسن التصرف فيها ، و الإحسان إلى الخلق .. ﴿ .. و أَحْسِنْ كماۤ أَحْسَنَ اللهُ إلَيْكَ ..﴾.. { القصص : 77 } .

و يتمثل هذا التكافل في الزكاة المفروضة و الصدقات التطوعية . فالزكاة هي قاعدة المجتمع المؤمن المتكافل المتضامن ، و الصدقة عطاء و سماحة و طهارة و زكاة و تعاون و تكافل ، و النفس التي تنفق في سبيل الله لا تخشى الفقر لأنها نفس تتصل بالله و تعتمد عليه ، و لا يتزعزع يقينها فيما عنده ، فهي إنما عليها أن تأخذ بأسباب الرزق الظاهرة في الأرض ، ثم تستيقن أنها ليست هي التي ترزقها و إنما خالقها و مسببها ، فرزقها مقدر في السماء ، و ما كتب الله لا بد من أن يكون .. ﴿ و فىِ السَّمآءِ رِزْقُكُمْ و ما تُوعَدونَ ﴾..{ الذاريات : 22 } . و أما الكف عن الإنفاق فإنما ينشأ عن دوافع السوء التي يثيرها الشيطان في القلوب ، من مخافة الفقر و الحرص و الشح و التكالب و التطاحن على متاع الدنيا .. ﴿ الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الفقْرَ و يأمُرُكُم بِالفَحْشاۤءِ و اللهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ و فَضْلاً و اللهً وٰسعٌ عليمٌـ ﴾..{ البقرة : 268 } .

و ما من مجتمع يقوم على التكافل و التعاون المتمثل في الزكاة و الصدقة ، و تسوده روح المودة و الحب و الرضا و السماحة ، إلا بارك الله لأهله في مالهم و رزقهم و في صحتهم و قوتهم و في طمأنينة قلوبهم و راحة بالهم .

و أما الوجه الآخر للتكافل و التعاون بدفع الصدقات فهو الربا و ما فيه من قبح و شناعة ، و جفاف في القلب و شر في المجتمع ، و فساد في الأرض و هلاك للعباد ، و فساد في حياة الجماعة و تضامنها ، بما يبثه من روح الشره و الطمع و الأثرة و المقامرة ، فالنظام الربوي نظام يسحق البشرية سحقاً ، و يشقيها في حياتها أفراداً و جماعات و دولاً و شعوباً ، لمصلحة حفنة من المرابين ، و يحطها أخلاقياً و نفسياً و عصبياً ، و يحدث الخلل في دورة المال و نمو الاقتصاد البشري نمواً سوياً . و المجتمع الذي يتعامل بالربا لا تبقى فيه بركة أو رخاء أو سعادة أو أمن أو طمأنينة ، و لا يبارك لأهله في مال و لا في عمر و لا في صحة و لا في طمأنينة بال ، بالبركة ليست بضخامة الموارد بقدر ما هي في الاستمتاع الطيب الآمن بهذه الموارد .. ﴿ يَمْحَقُ اللهُ الرِّبوٰا و يُرْبىِ الصَّدَقاتِ ..﴾.. { البقرة : 276 } . و البشرية الضالة التي تأكل الربا و توكله ، تصيبها البلايا في أخلاقها و دينها و صحتها و اقتصادها ، و تتلقى حرباً من الله تصب عليها النقمة و العذاب .. ﴿ فإن لّمْ تفعلوا فأْذَنُوا بحربٍ مِّنَ اللهِ و رسولِهِ و إن تُبْتُمْـ فلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوالِكُمْ لا تَظْلِمونَ و لا تُظْلَمونَ ﴾..{ البقرة : 279 } .

و النظام الربوي نهاية الأمر فيه أن يصير جميع المال إلى عدد قليل جداً من المرابين ، و لكن النظام الاقتصادي الإسلامي قائم على دوران المال في الأيدي على أوسع نطاق ، حتى لا يكون في أيدي الأغنياء وحدهم و ممنوعاً من التداول بين الفقراء .. ﴿ .. كَىْ لا يَكونَ دُولَةَۢ بَيْنَ الأغْنِيآءِ مِنكُمْ ﴾..{ الحشر : 7 } . فجعل الله للفقراء حقاً في الزكاة ، و في الغنائم ، و حرم الاحتكار و الربا .

كما و شرَّع الله نظام الإرث ، و هو نظام عادل يتمشى مع الفطرة و مع واقع الحياة و الإنسانية في كل حال ، و فيه ضمان لتفتيت الثروة و عدم تجمعها في أيدٍ قليلة ، و هذا يدعو إلى أن يضاعف الفرد جهده في تنمية ماله ، مما يضمن للأمة النفع و الفائدة من هذا الجهد ، و انتفاع ورثته من هذا المال من خلال مبدأ التكافل الاجتماعي في نظام الإرث . يقول سيد قطب : (( فهو نظام يضمن تفتيت الثروة المتجمعة على رأس كل جيل ، و إعادة توزيعها من جديد ، فلا يدع مجالاً لتضخم الثروة و تكدسها في أيد قليلة ثابتة ، و هو من هذه الناحية أداة متجددة الفاعلية في إعادة التنظيم الاقتصادي في الجماعة ، و رده إلى الاعتدال ، دون تدخل مباشر من السلطات .. هذا التدخل الذي لا تستريح إليه النفس البشرية بطبيعة ما ركب فيها من الحرص و الشح ، فأما هذا التفتيت المستمر و التوزيع المتجدد فيتم و النفس به راضية ، لأنه يماشي فطرتها و حرصها و شحها ! و هذا هو الفارق الأصيل بين تشريع الله لهذه النفس و تشريع الناس !!! )) .

و أنا أستغرب من هؤلاء الذين يظلون لسنوات طوال دون توزيع للميراث ، بحجة عدم تفريق شمل الأسرة أو احتفاظاً بالتركة و ذكرياتهم فيها ، و غيرها من الحجج الواهية ! فهل هم أدرى بمصلحتهم من الله الذي خلقهم و هو أعلم بهم من أنفسهم ، حتى يشرعوا لأنفسهم و يمتنعوا عن توزيع الميراث ؟! فهذا حق شرّعه الله ، و لا يجوز لأحد أن يحول دون إعطائه لأصحابه ، بل إن كثيراً من المشاكل و الأحقاد و الخصومات و قطع الأرحام نتجت عن عدم توزيع الميراث و التساهل في هذا المر ، فما هذه العقول المظلمة ، و ما هذا التفكير السقيم العقيم !! .

إن ازدهار الحياة الاقتصادية تحتاج إلى تحريك المال و تنميته بالطرق المشروعة و تداوله بين الأيدي و أداء حق الله فيه ، لا تكديسه و كنزه و البخل به و الشح ، أو تجمعه في أيدٍ قليلة . كما و تحتاج إلى حركة و عمل و جهد و إسهام الجميع في العمل و البناء ، و حسن استغلال مصادر الثروة ، و الاهتمام بالمصلحة العامة و البعد عن الأثرة و الأنانية .

و مما ورد عن ازدهار الحياة الاقتصادية في عهد نور الدين زنكي ، ما أشار إليه د. حسين مؤنس في قوله : (( التزم نور الدين أحكام الشريعة أيضاً فيما يتصل بجبي الضرائب ، و كانت مقاديرها قد تزايدت مع الزمن ، و ابتكر ظلمة الحكام منها أشياء بعد أشياء ناء الناس بثقلها ، حتى استغنى الكثيرون من التجار عن المتاجرة ، و أخفى الناس أموالهم .. و ارتفعت نسبة الخراج الذي يجبى على الأرض حتى لم يبق للزراع ما يتقوتون به . و كانت النتيجة الطبيعية لذلك – أي بعد إلغاء الضرائب غير الشرعية – أن نشط الناس للعمل ، فأخرج التجار أموالهم و مضوا يتاجرون ، و أعلن كل إنسان ما عنده ، فجاءت الجبايات الشرعية بأضعاف ما كان يجبى من وجوه الحرام . فأقبل يعد للجهاد آلته مما آتاه الله ، و نشط في البناء و التعمير .. و استطاع بالقليل الذي وصل إليه أن يهيئ الجيوش بعد الجيوش ، و يبني مئات المدارس و المساجد و المستشفيات ، و يقيم أسوار المدن و قلاعها .. )) ، و بُنيت الأسواق التجارية ، و ازدهرت الصناعات المختلفة ، و الزراعة الواسعة حتى أصبحت كل من مصر و الشام تموج بالبساتين و المروج ، و تزخر بالمحاصيل و الصناعات .

كما و ارتبط بهذا الازدهار الاقتصادي توفير فرص العمل و التدريب المهني و التعليم الحرفي ، و هذا مما أشار إليه ابن جبير في قوله : (( و سائر الغرباء ممن .. عهد الخدمة و المهنة يُسبب له أيضاً أسباب غريبة من الخدمة ، إما بستان يكون ناطوراً فيه ، أو حمام يكون عيناً على خدمته ، و حافظاً لأثواب داخلية ، أو طاحونة يكون أميناً عليها ، أو كفالة صبيان يؤديهم إلى محاضرهم و يصرفهم إلى منازلهم ، إلى غير ذلك من الوجوه الواسعة )) .

و بعد ، فإن الحلال يأتي بالخيرات و البركات ، و الحرام يأتي بالبلايا و المحق و العذاب ، فاكفنا اللهم بحلالك عن حرامك ، و أغننا بفضلك عمن سواك ... اللهم آمين ، و الحمد لله رب العالمين .



 

التلاوات
الصوتيات
الأناشيد
المقالات
الملفات
البحوث والدراسات
المرئيات
الحوارات والتحقيقات
نافذة الأشبال

ملف مصور

 

 

 

 

باشتراكك في القائمة البريدية ستصلك رسالة أسبوعية تحتوي على جديد الموقع


بريد المشكاة

المنظمة

جوال المشكاة

  |   عن الموقع   |   اتصل بنا   |   مؤتمرات   |   مواقع صديقة   |  

جميع الحقوق محفوظة لشبكة المشكاة الإسلامية | 2001 - 2009

Developed By Meshkat Team