|
| جوبا..تأملات تحت المئذنة |
مئذنة المسجد العتيق في "جوبا" ترتفع كما يرتفع الأصبع السبابة مشيراً إلى السماء، شاهداً لله بالوحدانية ولنبيه صلى الله عليه وسلم بالرسالة، وللإسلام بأنه هو دين الله الخاتم للعالمين كافة..
وتلك المئذنة التي تنادي أفواج المتقاطرين إلى الصلاة في الثياب البيضاء في قلب الجنوب النابض، تشهد أن الإسلام وحده هو الدين لم شتات هذا الوطن الكبير، وجعل منه بلداً واحداً بعد أن كان ممالك ومشيخات ومضارب قبائل لا رابط بينها!!..وأنه هو الحضارة التي سبقت إلى الجنوب قبل أن تكون هناك حضارة..وقبل أن تتقاطر إليه جحافل المنصريين لتفسد على الناس مسار حياتهم!!..
ليفننجستون وصمويل بيكر و غردون غيرهم من المنصرين الذين تستروا خلف ثياب العلماء المكتشفين لمنابع النيل، أو في بذة الإداريين في التركية السابقة، قد جاءوا إلى هناك ووجدوا أن دولة الفونج الإسلامية قد سبقتهم إلى تلك الأحراش وبسطت سلطانها في أجزاء منه..بل إن زحفها الذي أنشأت به الدولة الأكبر في سودان القرون الوسطى، كان انطلاقاً من أعالي النيل!!..حيث انطلقوا بالمراكب ليقيموا الدولة التي حزمت ممالك السودان ومشيخاتها المتفرقة في دولة ذات سلطان واسع!!..وأطاحت بآخر الممالك النصرانية القديمة في السودان..والنصرانية في السودان القديم لم تكن في يوم إلا ديناً للنخبة، ولم تكن ديناً لعامة الناس أبداً..ولكن الإسلام عندما جاء غير حياة الناس ومعتقداتهم، حتى قبل أن يكون له سلطان ودولة..وصار ديناً للعامة والخاصة.
بيكر وغردون وبقية المنصرين، عندما جاءوا وجدوا أن دين الله قد تجاوز الجنوب السوداني، ووصل حتى يوغندا، التي كان ملكها مسلماً، ولكن التاريخ يحكي أن غردون اجتهد في إقناعه وإغرائه بترك الإسلام ودخول النصرانية لأنها الدين الأوسع والأقوى بزعمه!!..غردون وبيكر وليفننجستون وكل المنصرين الذين جاءوا معهم وبعدهم لم يكونوا في الحقيقة إلا طلائعاً للاستعمار يخدمون أطماعه التوسعية أكثر من خدمتهم للمسيح عليه السلام!.
ولكن التاريخ يحكي أيضاً أن الدينكا من ضمن أنصار المهدي الذي شاركوا في إسقاط التركية السابقة وإقامة الدولة الإسلامية في السودان، والمهدية أقامت سلطانها في قلب الجنوب حتى جبل الرجاف..
كما يحكي أن الجنوب كان يعرف الدولة الإسلامية قبل المهدية، فقد سبق الزبير باشا رحمة المهدي إلى إقامة دولة تحكم بشريعة الإسلام في قلب الجنوب!!..لقد كان الرجل - بشهادة من عاصروه- أعظم بكثير في نفوس أتباعه من أهل الجنوب من تلك الصورة الشائهة التي اجتهد المستعمرون وأذيالهم في وصمه بها، واختزاله داخل إطارها..صورة "تاجر الرقيق المسلم قاسي القلب"!!..
إذن لقد كان الإسلام بعقيدته وثقافته ولغته العربية هو الثقافة التي صنعت الحضارة في السودان، وربطت بين أجزائه المتفرقة ومن بينها جنوب السودان..والمنصرون هم الذين أرادوا إفساد هذا التجانس الذي أوجده دين الله تعالى..ولم يكن لهم من طريق سوى الاتجار في بث الكراهية، وزراعة الأحقاد بين الناس بدعاوى تجارة الرقيق، رغم أنهم كانوا سدنتها ودهاقينها.
ومعركة الإسلام في السودان كانت مع المنصرين، طلائع المستعمر وجنده، أكثر من كونها مع النصرانية..فقد جاءوا قبل المستعمر..وجاءوا معه وتحت رعايته في ظل قوانين المناطق المقفولة..وظلوا بعد رحيله رعاة لكل فتنة بين أبناء الوطن الواحد، ونافخي نار كل حرب!!.
ولو تأمل أهل الجنوب لوجدوا أن أولئك المحاربين الصليبيين لم يجلبوا سوى الخراب، ولم يقدموا سوى الحرب والهلاك، والتأخر..وافتعال الأزمات..ولوجدوا أن حقباً طويلة من الأمن كان يمكن أن تستثمر في التنمية والتطور..أحرقتها النار التي أوقدوها..