|
| القبيلة ..ما لها وما عليها |
في مجمع ما، في مكان ما..أعجبني منطق أحدهم، حين اقترح "أن يتبنى أهل العلم والدعوة مذكرة يطالبون فيها الدولة بإصدار أمر تمنع فيه الولاة والمسؤولين من استقبال وفود القبائل..وأن يقتصر اسقبالهم على وفود أهل المناطق" لأننا قد عانينا في السودان من القبلية كثيراً.
أعجبني المنطق فوافقته في كثير، ولكنني خالفته كذلك!!.
فالمنطق يقول إن التمزق الكبير الذي يعيشه السودان، كان العامل المباشر فيه هو تنامي روح "القبلية الجاهلية"!!..تلك التي جعلت نار الحرب أقرب من شراك النعل..
ولعل صاحبنا رأى فيما يفعله الولاة والمسؤولون من الاحتفاء بالقبائل واستقبال وفودها، إسهاماً في تأجيج تلك الروح التي تقترن بالتعالى والتفاخر، والاستخفاف بالآخرين..وأنه إذا تعامل الناس كأهل منطقة ولم يميزوا أنفسهم بأعراقهم، كان ذلك أدعى لتنامي روح القومية والوطنية.
وحقيقة الأمر أن دين الله لم يأت ليقضي على "القبيلة" في ذاتها.. وإنما جاء ليقضي على "عصبيتها" وروحها الجاهلية.."ليس منا من دعا إلى عصبية".."أفبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم؟!"..
ولكنه في نفس الوقت اعترف بالقبيلة وأخرج أحسن مافيها..(يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم)..
فأحسن ما في القبائل تسابقهم على الخير وحسن الذكر بالخيرات.. وفي صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم مدح قبيلة "أسلم" بإسلامها، وذلك: أنه لما وفد عليه عمرو بن أفصى في عصابة من أسلم، فقالوا: "قد آمنا بالله ورسوله، واتبعنا مِنْهاجَك، فاجعل لنا عندك منزلة تعرف العرب فضيلتنا، فإنا إخوة الأنصار، ولك علينا الوفاء، والنصر في الشدة والرخاء، فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: "أسلم سالمها الله".
بل كان جيش المسلمين الذي فتح الدنيا، يقوم على مُقاتلة القبائل، وفي يوم "اليمامة" صاح بهم خالد بن الوليد (أيها الناس تمايزوا حتى نعرف من أين نؤتى) فتميزت كل قبيلة في صفوفها..
فالقبيلة يتقوى بها الحق، ولا يستقوى بها عليه!!.. وفي مسند الإمام أحمد، عند أبي داود قوله صلى الله عليه وسلم :"مثل الذي يعين عشيرته على غير الحق مثل البعير ردي في بئر فهو يُنْزع بذنبه". بل في صحيح مسلم: "من قاتل تحت راية عُمِّيَّة يغضب لعصَبة أو يدعو إلى عصبة أو ينصر عصبة فقُتل فقِتْلةٌ جاهليةٌ".
وفي السودان فتنة نبشت أسوأ ما في القبائل فأخرجته وأعلت من شأنه..ونظرت إلى أحسن ما فيها، فداسته بالأقدام، وعملت على دفنته بحوافر الخيل..
فمما تعمل الفتنة على دفنه تحت أديم الأرض من محاسن القبائل..تآزرها، وحملها دماء بعضها البعض..ونزولها على رأي الحكماء الكبار فيها، نزولها على حكم المصلحين..وزودها عن الدين، وعن الأرض والعرض..
والمهدي قوّض دولة الكافر "غردون" بزحف من القبائل يسد الأفق..وحكى يوسف ميخائيل في مذكراته أن "دجاجة الوادي..كانت تجري – وهي تحاول الفرار- إلى أقصى الميمنة فلا تبلغها، ثم تجري إلى أقصى الميسرة فلا تبلغها..فتسقط وقد أدركها التعب، ليتناولها (صاحب النصيب)، غنيمة باردة!!..
وها نحن قد أظلنا زمان عبث فيه البعض بالنسيج القبلي، فدمروا معادلة التوازن فيه..وأعلوا من غلواء الدم..ليستحرُّ القتل والفتك بالآمنين..واستحثوا العصبية لتخدم أغراض أجنبي كافر، طامع في الأرض وما تحتها، وحاقد على الدين وأهله..وفجّروا بركان الفتنة بين الإخوة، فارتفعت حممها إلى عنان السماء، ثم هبطت وبالاً على أقرب الأقربين.