|
| السودان دولة أكبر مما يجب |
"السودان دولة أكبر من اللازم"..كان ذلك على الدوام، هو عنوان السياسة الاستعمارية أو "الاستخرابية" كما يحلو للشيخ د. موسى الشريف أن يعبّر..
وهذا العنوان يشكل النفسية التي تتعمق ظلاميتها كلما أسفرت عن أطماع ذات اتجاهات مختلفة..أطماع اقتصادية يعبر عنها التسابق الاستعماري للسيطرة على مواطن الثروات تحت الأرض وفوق الأرض..أو أطماع دينية تمثلها الكنيسة بمشروعها التنصيري المتحالف مع الأجندة الاستعمارية الاغتصابية.
وعندما نتأمل في الحالة السودانية التي تشكلت خلال السنوات العشر الأخيرة، يتجسد أمامنا الإعلان السافر عن هذا الشعار، فيما تمارسه القوى الكبرى التي تتجاذب أوراق السودان بعد أن انتهى الحال بقضاياه إلى التدويل التام..حتى يخيل إليك أن كل صعود هبوط في قضية الحرب والسلم، لا تأتي إلّا ومعها خلفية يرسمها المتسابقون الدوليون.
على هذا النحو كنت أفكر في اتفاق الدوحة الأخير للنوايا الطيبة..وقادني ذلك للاعتقاد بأنه حتماً سينتهي إلى توقيع اتفاق شامل في دارفور، لأن أجل الانتخابات يقترب، والسيناريو السياسي يريد أن يرسم خريطة جديدة للتحالفات التي تمضي في مسار الانقسام العرقي..هو أمر جديد في تاريخ الانتخابات في السودان..ولكنه يتحقق إذا تحالف المتمردون الحاليون (العدل والمساواة) مع المتمردون السابقون (الحركة الشعبية)..وهذا لن يتحقق إلاّ إذا تحول المتمردون الحاليون إلى "سابقون"، ودخلوا اللعبة السياسية بواسطة اتفاق سلام..وهذا "سيناريو أفضل من تفجير الأرض في السودان عنفاً فإن "العنف له قانون داخلي يحكمه" يستعصى حتى على صانعه..هكذا قالت التجارب في كل بلاد المسلمين التي أحرقها المستخربون!!.
هذا التأمل قادني عدد من الأفكار..والتداعيات التاريخية..ففي وقت مبكر عقيب استقلال السودان كان هناك سعي مدبر للجمع بين السياسيين الانفصاليين الجنوبيين، وتنظيمات عنصرية صغيرة "مثل نهضة دارفور" فيما يعرف بـ"الكتلة السوداء"!!..هو تدبير كان يقصد به ضرب حزام الثقافة العربية الإسلامية الذي يلم السودان كل السودان، ويمنعه من التداعي والتشتت!!.
وفي الماضي كان الاعتقاد السائد أن ما ترمي إليه الكنائس والقوى الإمبرالية هو فصل الجنوب عن الشمال فحسب.. وهو أمر عملوا عليه بجد حتى ترسخ في الأذهان واقع التجزئة، فصار هناك: "السودان الشمالي" و"السودان الجنوبي"!!.. خاصة عندما تضفي عليه الريشة الاستعمارية (الاستخرابية) ألواناً خاصة؛ فالشمال هو "الشمال العربي المسلم"، و الجنوب هو "الجنوب النصراني الوثني"!!..
وقد عملت السياسية البريطانية المغتصبة للسودان على تحويل تلك "الأوهام" إلى "حقائق" بالقوة القسرية..فقد كان يجبرون الأهالي الجنوبيين على تبديل أسمائهم العربية قسراً إلى أسماء كاثوليكية، أو أسماء محلية قبلية..ومنعت الأزياء والثياب العربية من الدخول إلى الجنوب وحورب التجار الذين يجلبونها، وكانت السياسة البريطانية في الجنوب تفضِّل أن يظل الأهالي "عراة كعاداتهم البدائية إذا استحال إغراؤهم أو حملهم على الأزياء الأوروبية"..وقد أرسل مفتش "راجا" خطاباً شديد اللهجة يحذر فيه التاجر الإغريقي "الخواجة أمانويل لاغوتيرس" من الاستمرار في بيع الملابس والأزياء العربية!!.
ولكن الكنائس التي كانت تتعامل مع الجنوب كأنه حق خالص لها يجب ألا يكون للشمال يد فيه، بدأت تمد أعينها إلى مناطق أخرى، في جبال النوبة، والأنقسنا..ثم أخذت تمد خيالها إلى أبعد..إلى استعادة التاريخ الذي طواه الماضي في "علوة، والمقرة وأكسوم"!!.
في الآونة الأخيرة تطور حديث "تقسيم السودان" إلى مزيد من "التجزئة"؛ "خمس دول" أو "ثلاث" حسب ما خرجت به سيناريوهات المراكز البحثية التي تعتمد عليها الدول الكبرى في رسم سياساتها في اغتصاب مقدرات العالم.
ويبدوا أن الحقيقة الماثلة هي أن عقدة السودان الكبير الذي يهيمن عليه العرب المسلمون، ستظل تلاحق النفسية الاستخرابية على الدوام، فكلما اقتطعوا جزءاً، نظروا إلى الجزء المتبقى، فوجدوه مايزال كبيراً، إذن فهو قابل للتقسيم، لأن عناصر النزاع متوفرة..
وأخشى أن يأتي اليوم الذي نسمع في عن "حركة تحرير أم بدة"، أو حركة تحرير "الحاج يوسف"!!..والله المستعان!!.