|
| السودان غضب الشارع وتحرك الساسة |
انطلق قرار اعتقال الرئيس السوداني "عمر البشير" من المحكمة الجنائية الدولية كرصاصة أعطت إشارة بدء فعاليات شعبية رافضة للقرار وتحركات سياسية قادها البشير بالذهاب إلى المؤسسة العسكرية لكسب الدعم، في الوقت الذي ذهب فيه نائبه علي عثمان طه جنوبا للاطمئنان إلى موقف خصوم الأمس، بالإضافة إلى تحركات عسكرية في جميع أنحاء البلاد، ما بدا معه السودان في حالة طوارئ.
ووسط هذه الأجواء المشحونة لم تظهر المعارضة في البلاد سواء الشمالية منها أو الجنوبية دعما واضحا للبشير، فيما لم تتخذ موقفا معاديا صريحا.
ففي العاصمة الخرطوم خرج عشرات الآلاف من المواطنين في مسيرات هادرة في وسط المدينة ضد قرار المحكمة بتوقيف الرئيس البشير بتهمة ارتكاب جرائم حرب في إقليم دارفور.
واحتشد المتظاهرون أمام مبنى مجلس الوزراء السوداني لإعلان رفضهم لقرار المحكمة.
اعتبر مساعد الرئيس السوداني الدكتور نافع علي نافع الذي خاطب المظاهرة من سطح مبنى المجلس "أن هذا القرار قد حرر به شهادة وفاة للمحكمة الجنائية الدولية، كما كتب ضربة بداية لأحرار العالم كي يسودوا".
وقال: "إن هذا القرار بداية لثورة التحرر الإفريقية والعربية؛ لأنه يؤكد بوضوح أنه لا مكان لضعيف".
وأضاف نافع: "إن الله اختار أهل السودان الأقوياء لينازلوا الباطل الأمريكي والبريطاني والفرنسي"، وأضاف: "نحن نتشرف بهذا الاختيار ونسعد بهذا التكليف"، وقال نافع: "نحن أمة لا تأكل بشرفها ولا تقاتل من أجل جدر"، وقال: "إن الذين هُزموا في العراق وفي غزة سيهزمون هزيمة لم يروها من قبل إذا أرادوا العدوان".
وأكد نافع أن حكومة بلاده ستكون في مقدمة صفوف المواجهة ولن تخذل شعبها.
"تطرف أجبرنا عليه"
وكان لافتا حضور التيار الإسلامي في الشارع، حيث وصف رئيس حزب الوسط الإسلامي (سلفي) د. يوسف الكودة قرار المحكمة بـ"الفضيحة".
وقال: إن هذا اليوم هو "يوم السودان وليس يوم حزب أو جماعة أو قبيلة"، داعيا السودانيين للوحدة.
ومن جانبه، قال قائد الدفاع الشعبي وقائد المجاهدين حاج ماجد "إن هذا القرار يفتح الباب أمام التطرف، وسيخرج الحركة الإسلامية عن سمتها المعتدل إلى ما لا يحمد الغرب عقباه"، وأضاف: "سيعلمون في غد أي باب لشر قد فتحوه على أنفسهم".
وخرج أتباع الطرق الصوفية بالطبول والزي الأخضر المميز، وهم يحملون صور الرئيس البشير مرددين: "لا إله إلا الله منتصرين بإذن الله".
وأعلن الشيخ عبد الوهاب الكباشي، المتحدث باسم الطرق الصوفية، عن دعم الرئيس البشير ورفض الطرق الصوفية لقرار المحكمة.
ومن جهته، دعا اتحاد الشباب السوداني إلى طرد المنظمات الأجنبية من البلاد، وقال الاتحاد على لسان أحد ممثليه: "نهيب بجماهير شعبنا أن تزحف على منظمات العمالة والارتزاق"، مؤكدا أن الشباب "جاهزون لفداء الوطن والرئيس بأرواحهم".
وفيما عدا المظاهرات فرغت شوارع العاصمة الخرطوم من المارة، في حين شددت قوات الأمن من إجراءاتها في مختلف أنحاء العاصمة، خاصة حول السفارات الأجنبية، وعززت قوات الشرطة من تواجدها بكثافة حول السفارة الأمريكية لتحول بينها وبين المحتجين، وبدا وكأن حظرا للتجوال قد فرض في عديد من الشوارع.
البشير يلجأ للعسكر
وعلى الصعيد السياسي، توجه الرئيس البشير فور إصدار القرار إلى منطقة كرري العسكرية شمال الخرطوم لتخريج دفعة جديدة من ضباط الجيش، وهو ما فسره المراقبون بأنه يريد أن يكون وسط العسكريين الذين وصل عبرهم إلى السلطة في عام 1989م في الخرطوم، في محاولة لتأكيد دعم المؤسسة العسكرية له.
ويحظى الرئيس البشير بتقدير وافر بين قادة الجيش والجنود لتاريخه العسكري الطويل، فقد شارك في العمليات العسكرية بجنوب السودان سنوات الحرب الأهلية، كما شارك في حرب العبور في 1973 قائدا للكتيبة السودانية التي حاربت تحت إمرة الجيش المصري.
واصطف عشرات الآلاف من المواطنين على جانبي الطريق أثناء ذهاب وإياب البشير من الأكاديمية العسكرية.
ومن الخرطوم شمالا إلى جوبا عاصمة إقليم الجنوب، حيث عقد نائب الرئيس علي عثمان طه مع الفريق سلفاكير ميرديت، رئيس حكومة الجنوب، مباحثات أكدا من خلالها تنسيق المواقف بشأن التطورات التي تشهدها الساحة وفقا لما تقتضيه المصلحة العليا للبلاد، بحسب وسائل الإعلام السودانية الرسمية.
غموض المعارضين
وفيما رحب الكثيرون من أبناء الحركة الشعبية لتحرير السودان (المتمردة سابقا) بقرار الجنائية، دعا سلفاكير مواطنيه إلى عدم الخروج في أي مظاهرات قد تؤدي لخلخلة الأمن.
لكن صحيفة واشنطن بوست الأمريكية نقلت عن سلفاكير قوله إن قرار الجنائية "ليس موجها إلى السودان، ولكن إلى أفراد بعينهم"، رافضا التعليق على صحة أو خطأ القرار، وهو ما اعتبره مراقبون موقفا غير داعم للبشير.
وشاركت الحركة في اجتماع مع سبعة أحزاب من جنوب السودان دعا البشير إلى التعاون مع المحكمة الجنائية الدولية عبر فتح حوار معها، الأمر الذي اعتبره الكثيرون دعوة للرئيس السوداني لتسليم نفسه للمحكمة في حال طلبه.
ولم يكن موقف المعارضة الشمالية أقل غموضا مما يحدث، فعلى الرغم من تأكيد قيادات المعارضة رفضها لقرار أوكامبو وحذرت من نتائجه، فلم يشهد الشارع انعكاسا كبيرا لهذا الموقف، ولم تخرج مظاهرات ذات وزن للمعارضة دعما للبشير.
ومن جهته، اتخذ حزب المؤتمر الشعبي بقيادة حسن الترابي، العدو اللدود لحكومة البشير، موقفا واضحا عن بقية أقرانه من الأحزاب الشمالية، إذ رأى على لسان زعيمه أن يسلم الرئيس عمر البشير نفسه للمحكمة الجنائية الدولية حال صدور القرار بتوقيفه، وأصدر الحزب بيانا اعتبر فيه أن حصانة رئيس الجمهورية لا ترفع مبدأ العدالة.
استنفار عسكري
وعلى صعيد الأوضاع الميدانية في دارفور، خرجت مسيرات رافضة لقرار اعتقال البشير، وفي المقابل أعلنت الأمانة العامة للمرأة بحركة وجيش تحرير السودان واتحاد نساء دارفور بالمهجر تأييدها لقرار المحكمة، واصفين إياه بأنه يمثل "انتصارا كبيرا للإنسانية وللمرأة في السودان وفي دارفور".
وعزز الجيش السوداني من انتشار قواته، حيث ذكر مسئولو القوات الدولية المشتركة أن الجيش السوداني سيقوم "باستعراض قوة" في مدينة الفاشر عاصمة ولاية شمال دارفور.
ومن جهة أخرى، بدأت القوات الدولية في إجراء مناورة شارك فيها نحو ألف جندي لمنع أي تحرك للمتمردين الذين قد يستغلون الأجواء لشن أعمال عنف، ولمواجهة أي عمل ما من جانب الجيش السوداني.
وكان مراقبون ودبلوماسيون غربيون قد توقعوا أن يستهدف الجيش السوداني القوات الدولية العاملة في دارفور ويقوم بإشعال الموقف هناك كنوع من الثأر من قرار الجنائية والتأكيد على أن الاستقرار في المنطقة يمر عبر الحكومة السودانية، على حد رأيهم.
ودعا الأمين العام للأمم المتحدة "بان كي مون" الخرطوم إلى حماية المدنيين في دارفور وموظفي الأمم المتحدة واستمرار التعاون مع مكاتبها المنتشرة في السودان، فيما حذرت الولايات المتحدة من أنها لن "تتسامح" أمام أي أعمال عنف ضد مصالحها في البلاد.
ومن جانبه، صرح والي شمال دارفور يوسف كبر أن الحكومة هناك اتخذت كل الاحتياطات اللازمة لتأمين سلامة المواطن والمنظمات العاملة في الإقليم.
وعلى الحدود السودانية، نشرت تشاد مئات من جنودها "لحماية المدنيين السودانيين الذين يعيشون في مخيمات داخل الأراضي التشادية المتاخمة لدارفور"، بحسب بيان للحكومة التشادية.