|
| الطريق إلى توتي |
أخيراً ..وبعد أكثر من خمسائة عام أصبح بإمكان "الراجل" أن يركب البحر إلى "توتي" سيراً على الأقدام..
وأصبح العم "الفكي طه بابكر" بصفة رسمية "آخر ريس لمعدية توتي"!!..بعد أن افتتح الرئيس البشير الجسر الذي شد أوصال الجزيرة لتلتحم بالخرطوم بعد أكثر من خمسائة عام..
وخلال الأعوام الخمسائة التي أعقبت عبور المحس – السكان الحاليين- إليها أصبحت جزيرة توتي حاضرة العلم المعرفة في المنطقة التي أصبحت فيما بعد العاصمة المثلثة للسودان..
ففي توتي كان الفقيه العالم الشيخ أحمد بن علي المشهور بـ"أرباب العقائد"، الذي خرج منها فيما يقال بسبب خلاف بينه وبين الشيخ موسى الضيق الغردقابي والذي كان منافسا له وزميل دراسة، وبنى خلوته ومسجده المعروف حالياً باسمه، وكان يعرف بمسجد "فاروق"..وكان طلاب خلوته يزيدون على الألف طالب، مما أدى إلى نشوء قرية صارت نواة لمدينة الخرطوم الحالية..
وعلى يد الشيخ أرباب العقائد تتلمذ نفر من أشياخ السودان منهم "فرح ودتكتوك" عالم سنار وزاهدها المشهور بالحكمة..ومنهم الشيخ حمد ود أم مريوم، وابن خالته الشيخ خوجلي أبو الجاز، وهما من أهل توتي، وقد كانا من أهل العلم بالكتاب والسنة، وعُرفا بقمع البدعة، وإليهما تنسب "الحلَّتان" المشهورتان في الخرطوم بحري؛ "حلة حمد" و"حلة خوجلي".
ومن توتي خرج الشيخ الأمين الضرير رئيس علماء السودان في أيام التركية السابقة، وما زال العلم يتسلسل في أسرته حتى يومنا هذا، فمن أحفاده "أ.د.صديق الضرير" رائد التاصيل الشرعي لتجربتي البنوك الإسلامية والتأمين الإسلامي في السودان، الحائز على جائزة الملك فيصل العالمية للدراسات الإسلامية عن كتابه "الغرر وأثره علي العقود في الفقه الإسلامي" ، و"د.إبراهيم الضرير" عالم الاقتصاد الإسلامي المعروف.
ويحلو لبعض أكاديميينا أن يذهبوا مذاهباً خاصة في التفسير، فيجعلون من توتي "مجمع البحرين" الذي رحل إليه موسى عليه السلام في طلب العلم والتقى عنده العبد العالم الصالح، كما جاء في سورة الكهف (وإذ قال موسى لفتاه لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضي حقبا)، ومن هؤلاء د.جعفر ميرغني.
وقد اعتدت في فترة من حياتي التردد إلى توتي بين الفينة والأخرى، وكنت أجد لها مذاقاً خاصاً، وكانت تُخلِّف في نفسي مزيجاً من الشعور بالسكينة، والطمأنينة..ربما كان ذلك راجعاً إلى بساطتها ومحافظتها على تقاليدها ونقائها..فهي رغم أن أكثر من 90% من أهلها متعلمون تعليماً عالياً، ولكنها مازالت تحافظ على طبيعتها القروية، في شكلها وأخلاقها، وحتى مناشطها الاقتصادية.
الطبيعة المحافظة لأهل توتي هي التي جعلتهم شديدي الحذر من تسلل أخلاق الحضارة إليهم، وظلوا طيلة السنوات الماضية يرفضون فكرة "الجسر" الذي يربطهم بالجانب الآخر من العالم..ويفضلون أن يتركوا سياراتهم تبيت على جانب رصيف النيل في الخرطوم، بينما ينحدرون هم إلى بيوتهم في الجزيرة على ظهر المعدية، التي تنسرب بهم في هدوء على صفحة المياه الهادئة، لتسلمهم إلى بص عتيق يحملهم من الضفة إلى قلب الجزيرة..هذا المشهد اليومي كان جزءاً من الألفة التي تمنحك إيها توتي، حتى أنت تزورها لأول مرة.
ولكن يبدو أن الزمن كفيل بتحويل القناعات بمعالجته الهادئة..فبعد أن كان "الطريق إلى توتي" يمر عبر النيل بواسطة معديتين فقط لا غير..وبصين اثنين من طراز "فورد" لا غير..تكاثرت المعديتان إلى أربع، بالإضافة إلى عدد وفير من الزوارق الصغيرة التي تحمل الناس على ظهرها في كل وقت..وبالطبع لم يعد البصان العتيقان "سيدي اليابسة" الوحيدين في توتي، بل زاحمتهما أعداد كبيرة من "البكاسي"!!..
وأخيراً..وبعد دهر طويل من الممانعة "مدّ الجسر" ظهره بين الضفتين، ليجعل من توتي حلقة لا تنفصم عن منظومة العاصمة المثلثة..
وبين الحذر والتطلع، يرقب أهل توتي المستقبل الذي يحمله إليهم الجسر الجديد..فهم يخافون جيوش السائحين أو "الصائعين" –كما يعبّر بعضهم- التي قد تفسد عليهم حياتهم المحافظة..ويخافون على تراث الحياة في جزيرتهم من الضياع، بل يخافون أن يفرط بعض منهم في مساكنهم تحت إغراءات المستثمرين الضخمة، لينتهي الأمر بالجزيرة إلى قرية سياحية..
وفي نفس الوقت يتطلعون إلى ما يحمله لهم المستقبل من تخطيط للأراضي، ومشاريع تنموية، وتحسّن في مستوى الدخل، وغير ذلك من الفوائد..