|
| أبيي: بعد لاهاي..هل يتوقف القطار |
مرة أخرى عادت قضية أبيي إلى صدر الحدث المشحون في السودان..ولكنها هذه المرة وصلت خاتمة "الطريق"!!..على الأقل ذلك المرسوم في "خارطة الطريق"!!..تلك التي رسمها الشريكان في الاتفاق الذي نزع مؤقتاً فتيل الأزمة بعد أحرقت نيرانها البيوت!!..
وقطار الحل في أبيي يأبى أن يتوقف في محطات كثيرة.. بعض منها وضعته نيفاشا من قبل، وبعض منها وضعها الشريكان مؤخراً في خريطة الطريق..لم يتوقف في محطة "لجنة الخبراء الأجانب"..لأن خبراء اللجنة حطموا السكة ليحولوها قسراً إلى اتجاه الجنوب!!..كما لم يتوقف عند كل محطات التهدئة طيلة مسيرة النزاع المشتعل بين المسيرية والجيش الشعبي..حتى انتهى به السير إلى "خريطة الطريق"، حيث تجاوز محطتها الأولى وهي محطة "المحكمين الدوليين"..لينتهي به الأمر إلى قاعة محكمة العدل الدولية في لاهاي!!..تلك التي يفترض بها أن تقول الكلمة الفصل في القضية!!..فهل سيتوقف القطار أم سيشق طريقه إلى الأحراش الملتهبة من جديد، حيث يبدأ تاريخ جديد من حديث البنادق!!.
والجميع يضعون أيديهم على قلبوهم فرقاً، يترقبون كلمة القضاة الأجانب!!..وتلك واحدة من أزماتنا؛ أن بعضنا أصبح ينظر إلى الأجنبي كطائر خرافي حطّ من السماء..في حين أن أزماتنا ما صنعها إلاّ ذلك الطائر الغريب المشؤوم..لم يحفظ التاريخ يوماً أن الأجنبي قدم لنا حلاً!!..ولكنه دائماً ما كان يقدم لنا مشكلة..حتى نيفاشا، كانت مشكلة من صنع ذلك الطائر..وكانت أزمة "أبيي" أحد أفراخها!!..
حين فقدنا جزءاً كبيراً من ثقافتنا التي كانت تحترف فضّ النزاعات، واحترفنا ثقافة الحوار بالبندقية، أصبحنا لا نعرف إلا "أن لغة المنطق يمتلكها الأجنبي"..ذلك لأن بعضنا يرى منطق الغرب وحياً سماوياً..ويرى أن كل ما عندنا من صنوف الحكمة "أحاديث خرافة"!!..
يمضي وفد الشمال إلى لاهاي حاملاً حزمة من وثائق "الحق"..ليبسطها أمام القضاة، حيث سيرمي عن ذهنه كل لبانة ثم سيفترض في القضاة أنهم قضاة "بحق"!!..وتمضي الحركة الشعبية وهي تحمل أوراقها..وقبلها ثقتهم الكاملة في أن الأجنبي لابد أن ينحاز إليهم!!..
في لاهاي يدور الجدال بين الخصوم..أما "أبيي" فإنها تراقب كل ذلك، وتتحسّر على زمان التقى فيه "بابو نمر" و"دينق مجوك" على كلمة سواء، بعيداً عن تحكم الأجنبي، وقررا أن يكون "لأبيي" موقعها الطبيعي، الذي عرفوه ارتضوه لها بأنفسهم، لا ذلك الذي أرادته لهم رغبة المحتل الأجنبي!!..فكان مكانها كردفان!!..
وبعد انقضاء مائة عام على "حكمة نمر ومجوك"!!..كان قدر "أبيي" أن يعود بها أبناؤها القهقري..لتخفض رأسها في انتظار كلمة يقولها أجنبي..وتظل "أبيي" تنتظر قاعة لاهاي لتقول كلمتها..وبعدها ستقرر..هل سيواصل القطار مسيرة النار، أم سيترجل الركاب إلى برٍّ يسكنون فيه؟!.