|
| دبلوماسية الضغط والاعتذار |
الزيارة التي يقوم بها بابا الفاتيكان بنديكت السادس عشر إلى (إسرائيل) اليوم ليست مجرد زيارة يقوم بها بابا كاثوليكي إلى المقدسات النصرانية التي تصادف وجودها تحت سيطرة الدولة اليهودية؛ عوامل كثيرة تضفي على الزيارة معنى خاصا وتقود إلى دلالات محددة تحكم ظروف الزيارة وشخصية الزائر والحكومة المضيفة.
البابا بنديكت السادس عشر ذو الأصول الألمانية تكتسب زيارته معنى الاعتذار عما تطلق عليه وسائل الإعلام (الهولوكست) أو المحرقة التي يركز عليها الإعلام الصهيوني لمواصلة ابتزاز الغرب ـ وخاصة ألمانيا ـ مطالبا بالاعتذار والتعويض وعدم التعرض لليهود والسياسة الإسرائيلية بالنقد أو المعارضة.
وقبيل زيارة البابا بنديكت السادس عشر إلى (إسرائيل) أطلقت الصحافة (الإسرائيلية) حملة ضد البابا مذكرة إياه بماضيه كمواطن ألماني عاش في زمن هتلر، فقد كتبت صحيفة(يديعوت) (الإسرائيلية) يوم الأربعاء الماضي السادس من مايو 2009م تحت عنوان (زيارة البابا انبطاحية ضارة) مهاجمة ماضي البابا..( بنديكتوس السادس عشر خدم في صباه في "هتلر يوغند" وبعد ذلك في "فرمخت الالماني". وحتى لو قبلنا القول بان هذا كان سبيل العديد من الشباب الالمان في الحرب العالمية الثانية وان الامر لا يدل بالضرورة على مواقف لاسامية، فان في ذلك وصمة غير صغيرة. فاحد لم يحقق في افعاله في الفترة اياها بجذرية، والشك بقي شكا) ولم تكتف الصحيفة بتقليب الماضي فقط؛ بل واصلت في تبكيت البابا حول وقائع حديثة لم تجد قبولا لدى اليهود (الشك الذي كان بالنسبة لمواقف البابا من اليهود ازيل عقب قرارين اتخذهما الرجل – قرارين في افضل الاحوال هما نتيجة انغلاق الحس وفي اسوء الاحوال هما تعبير عن اللاسامية
في آب 2008 توج بنديكتوس السادس عشر البابا بولص الثاني عشر "قديسا". بولص الثاني عشر كان البابا خلال فترة كل الحرب العالمية الثانية. الامر اكثر ايجابية الذي يمكن قوله عنه هو انه كان لا مباليا تماما لمصير اليهود، آخرون مثل جون كرونويل في كتابه "بابا هتلر" يصفون تأييده للنظام النازي. توجد عشرات التقارير التي توثق مندوبي الكنيسة، من هولندا، النمسا، واوكرانيا ممن بعثوا برسائل للبابا وفيها تقارير عن اعمال القتل التي قام بها النازيون، بما في ذلك ذكر التواريخ، الاماكن واعداد المقتولين. اما بولص الثاني عشر ففضل التجاهل)...( الفعل الثاني يتعلق بناكر الكارثة الاسقف ريتشارد وليامسون، الذي ادعى بانه لم يكن هناك على الاطلاق قتل مقصود لليهود في الحرب العالمية الثانية، وان المحارق هي اختلاق وبشكل عام عدد اليهود الذين ماتوا في المعسكرات هو 300 الف في اقصى الاحوال. وبسبب اقواله نبذ في حينه من الكنيسة. وها هو بنديكتوس السادس عشر سعى الى اعادته الى منصبه ومنحه اعادة الاعتبار) وتختم الصحيفة اليهودية مقالها بقولها (الانبطاح امام البابا هو عمل مخجل، وخلافا للرأي السائد ليس فيه اي منفعة سياسية. ومثلما يمكن لمواجهة زائدة لا داع لها ان تضر بمكانة الدولة، هكذا يمكن ان يضر ايضا انبطاح زائد لا داع له. لو قلنا للفاتيكان ان "الوقت غير مناسب للزيارة" لكنا فعلنا فعلا محقا من ناحية يهودية وذكية من ناحية سياسية على حد سواء.)
وإذا تجاوزنا شخصية البابا إلى الدولة المضيفة، أو الحكومة الحالية التي تمسك بمقاليد الأمور في (إسرائيل)، فسنصادف أسوأ حكومة مرت على الكيان الصهيوني تتشكل أساسا من أحزاب يهودية متطرفة يقودها الليكود وكاديما و(إسرائيل) بيتنا، كما تأتي الزيارة عقب التصريحات التي أدلى بها رئيس وزراء الكيان الصهيوني بنيامين نتنياهو والتي كررها كثيرا ويصر فيها على يهودية الدولة، والمعنى السياسي المباشر لهذا المبدأ هو تهجير ما تبقى من المسلمين والمسيحيين على حد سواء إلى خارج حدود دولة (إسرائيل) أو بقاءهم في أحسن الأحوال كمجموعات مضطهدة غير مرغوب فيها وليست لها أي حقوق.
أما الظرف الذي تتم فيه زيارة البابا، فتخيم عليه أحداث غزة الأخيرة، والجرائم التي ارتكبتها (إسرائيل) بشأن الفلسطينيين في غزة بمباركة غربية وصمت دولي مخجل ومريب، والبابا الذي يزور (إسرائيل) يسهم في تلميع صورة الدولة اليهودية المغتصبة بصمته عن إدانة محرقة غزة الأخيرة.
ولكل ذلك لم يكن مستغربا أن تعلن الحركة الإسلامية في فلسطين 48 عن معارضتها لزيارة البابا لـ (إسرائيل) وامتناعها عن استقباله أو لقائه، مستندين في ذلك إلى حجج دينية لا إلى مجرد مواقف سياسية. كما أن جبهة العمل الإسلامي الأردنية والإخوان المسلمون في الأردن قد عارضوا زيارة البابا للأردن وأعلنوا أن على البابا أن يعتذر عما بدر منه تجاه المسلمين قبل حوالى سنتين حينما زعم أن الإسلام قد انتشر بحد السيف.
إن زيارة البابا لـ (إسرائيل) وإن تسربلت بلباس ديني؛ تحمل معنى سياسيا خطيرا يتمثل في الاعتراف لدولة الكيان الصهيوني بجرائمها في حق الفلسطينيين، والتسويق لفكرة الدولتين مع مباركة فكرة يهودية الدولة التي يدعو لها قادة الكيان الصهيوني، كما تحمل الزيارة معنى التسليم بخط اليمين الصهيوني المتطرف الذي يسيطير على مقاليد الحكم الآن في الدولة اليهودية، وبالضرورة فإن نتائج الزيارة تصب في صالح الكيان الصهيوني المغتصب في ظل تجاهل الحقوق الإسلامية والتغاضي عن الجرائم التي يرتكبها الصهاينة في حق المسجد الأقصى الأسير.