|
| أوباما في القاهرة |
يشهد الأسبوع المقبل زيارة جديدة للرئيس الأمريكي باراك أوباما للعالم الإسلامي..زيارة يعيد فيها توجيه خطابه للمرة الثالثة إلى العالم الإسلامي الذي وضعته سياسة سلفه بوش الابن في خانة الخصم الألد الأول..الخصم الذي يجب يواجه بالنار والدمار والمجنزرات والبوارج وحاملات الطائرات..
منذ أن جاء أوباما إلى البيت الأبيض- بل قبل أن يجيئ- والدعاية الأمريكية تُعِدُّه ليكون "الملاك الماسح لظلامات بوش" في نظر العالم الإسلامي!!..فهو باراك حسين أوباما..الأمريكي الأسود المتحدر من أب مسلم!!..وبهذا دغدغوا مشاعر المسلمين الذين ظلوا يراقبون صناديق الاقتراع الأمريكية، تخفِّض بهم وترفِّع، متمنين فوزه..
وما أن تجاوز أوباما عتبة البيت الأبيض حتى واصل دغدغة الشعور الإسلامي بنفسه، من خلال خطاب لبق وجّهه للعالم الإسلامي عدّة مرات..المرة الأولى من خلال حواره المبكر مع "قناة العربية"..والمرة الثانية في أنقرة عندما خاطب البرلمان التركي موجهاً رسالته للعالم الإسلامي عبره في السادس من أبريل الماضي..وهاهو للمرة الثالثة سيأتي إلى القاهرة في الرابع من يونيو الجاري ليوجه خطابه للمسلمين من جديد!!..
في كل تلك الرسائل كان أوباما حريصاً على "خطاب ذو نبرة تصالحية لبقة ودعوة إلى التعاون والعمل المشترك في قضايا حدد أجندتها هو وحده"..حريصاً في نفس الوقت على "عدم الالتزام بتعهدات تتناول تغييرات جذرية في سياسة أمريكا تجاه العالم الإسلامي"!!..
يبدأ أوباما زيارته هذه المرة بالرياض حيث يدخل في مباحثات مع العاهل السعودي الملك عبد الله، ثم يتوجه إلى القاهرة مباشرة ليوجه منها خطابه الثالث إلى العالم الإسلامي..وفي هذه المرة يكسر أوباما تقليداً رئاسياً أمريكياً..فقد اعتاد الرؤساء الأمريكيون أن يبدؤا زيارتهم للشرق الأوسط بإسرائيل، ثم يعرِّجوا منها إلى العواصم العربية..ولكن أوباما هذه المرة يبدأ بالرياض، ثم يعرِّج إلى القاهرة، ويعود منها رأساً إلى واشنطن حسب ما هو معلن!!..
يأتي أوباما إلى العالم الإسلامي هذه المرة وقد فتح قبل مجيئه كل أبواب التساؤلات والتكهنات، بل والاحتجاجات والاعتراضات!!..ما هو محتوى خطاب أوباما؟!..هل سيضغط على إسرائيل للقبول بحل "الدولتين"؟!..واعتراضات من قبل الليبراليين على اختياره القاهرة منصة لخطابه، رغم ملفها القاتم في مجال حقوق الإنسان!!..وغضب في إسرائيل على تجاوز محطتها!!..
أما الذي سيقوله أوباما فذلك أمر سيكشف عنه يوم الرابع من يونيو!!..غير أن الجميع ينتظرون منه قولاً في قضايا رئيسية..وهي "العلاقة بالعالم الإسلامي..الإرهاب.. الصراع العربي الإسرائيلي..إيران"!!..
العلاقة بالعالم الإسلامي فاتحة أدبية ستظل تتصدر كل خطابات أوباما إلى العالم الإسلامي..سيظل أوباما يؤكد على احترامه للإسلام، وحرصه على علاقات وديّة وتعاون مع العالم الإسلامي..وسيظل يلوّح بالفوائد والمصالح التي ستجنيها الدول المتعاونة معه..ومع ذلك سيؤكد على عزمه على استئصال إرهاب القاعدة واقتلاعه من جذوره..وسيظل يندد بمشروع إيران النووي ويلعب على وتر "التهديد الإيراني" الذي يزعج العواصم التي ستطرقها قدماه..
ولكن القضية الأكثر جدلاً، وينتظر منه الجميع قولاً فيها هي قضية الصراع العربي الإسرائيلي..فالجميع يحشد لها حشده، ويعد العدّة للاستباق إليها.."أبو مازن" طار من رام الله إلى واشنطن على رأس وفد من كبار مساعديه، ودخل في مباحثات مع المسؤولين الأمريكيين..من قبله طار إلى واشنطن الملك الأردني عبدالله، كما طار إليها أيضاً رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو!!..
حل الدولتين:
وهاهنا تبرز قضية "حل الدولتين"..فبينما ينتظر الزعماء العرب من أوباما أن يضغط على إسرائيل للالتزام بتنفيذ ما اتفقوا عليه معها في أوسلوا من حل للأزمة يتضمن "قيام دولتين؛ دولة فلسطينية ودولة إسرائيلية"..ولكن حكام إسرائيل الجدد يسعون إلى مزيد من المكاسب..فأعلنوا رفضاً تكتيكياً لحل الدولتين..قبل إنهاء الخطر النووي الإيراني، والاعتراف بيهودية الدولة الإسرائيلية..بل إن إسرائيل استبقت زيارة أوباما فأجازت قانوناً يقضي بتجريم من ينكر يهودية الدولة الإسرائيلية..وتناقش تجريم كل شخص يسعى بشكل من الأشكال لإحياء ذكرى "نكبة العرب في 1948م"..
والحقيقة إن حل الدولتين الذي يقاتل من أجله أبو مازن، ويبذل قصارى جهده لكي يجعل أوباما يضغط على إسرائيل لإنفاذه، يعني "التنازل عن 80% من أراضي فلسطين..ويعني إلغاء حق العودة لملايين الفلسطنيين الذين يعيشون في المنافي!!..ويعني أن يكتفي الفلسطينيون بدولة وهمية هي عبارة عن كانتونات تحاصرها إسرائيل من البر والبحر والجو!!..
وفي ظل قانون "يهودية الدولة الإسرائيلية" يواجه عرب 48 خطر الطرد والإبعاد من داخل إسرائيل..لتبدأ مأساة جديدة، ومنافي جديدة ورحلة لجوء وتشرد جديد!!..
أوباما حريص على إنفاذ "حل الدولتين" لأنه يقابل عنده نهاية "إرهاب حماس" وهو عازم على ذلك..والدليل على ذلك أن المحاكم الأمريكية أعادت النظر في قضية كانت قد أُغلقت قبل عامين لعدم كفاية الأدلة..ودفعت بقضاة جدد وهيئة محلفين جديدة، وصنعت أدلة جديدة لتقضي على مجموعة من العرب الأمريكيين بالسجن في مدد تتراواح من 64- 20 عاماً بتهم تتصل بدعم "إرهاب حماس"!!..وقالت مراسلة قناة الجزيرة أنها لم تشهد تسييساً لمحكمة كما شهدته في تلك المحكمة، حيث كانت كلمات "حماس" و"الإرهاب" تتردد بطريقة تركز على التخويف والردع!!.
لماذا القاهرة والرياض؟!!..
ثارت ثائرة الليبراليين العرب وغير العرب، والمدافعين عن حقوق الإنسان، احتجاجاً على اختيار أوباما للقاهرة منصة لإلقاء خطابه..باعتبار أن ملف مصر في حقوق الإنسان يعتبر من أسوأ الملفات!!..ولأن الليبراليين يتعرضون للقمع والاضطهاد في مصر..على حد تعبيرهم..
بل إن اليمين المسيحي دخل في حلبة الرقص هذه، حيث اجتهدت صحيفة "كريستيان فريدم" لاستدرار عطف أوباما للضغط على مصر لصالح مسيحيي مصر الذين تعتبرهم مضطهدين.!
ولكن أوباما يمضي على أرض يعرفها، ولم تعد أمريكا تعبأ بشعارات "الليبرالية والديمقراطية وحقوق الإنسان" إلا بقدر ما تحققه لها من مصالح، حتى "الديمقراطية وحقوق الإنسان" هي مصطلحات مرنة قابلة للتفسيرات المتعددة، على طريقة صمويل هنتنجتون في كتابه "التحول الديمقراطي"!!.
ومصر والسعودية هما أكبر حلفاء أمريكا في المنطقة العربية، وشريكان أساسيان لها في حربها ضد ما تسميه "الإرهاب"!!..وفي صراعها مع إيران..كما يشاركانها في رؤيتها لفلسطين!!..
ولهذا مضت أقلام الدعاية الموالية تقدم المبررات المنطقية لزيارة بوش، فصحيفة نيويورك تايمز اعتبرت الزيارة تشجيعاً لمصر، و بينما رأت صحيفة جيروزاليم بوست أنها "تعزيزٌ لمكانتها في المنطقة". وقال "روبرت جيبز" المتحدث الرسمي باسم البيت الإبيض إن مصر "تُمَثِّلُ قلب العالم العربي"!.
إسرائيل لم تسقط من حسابات أوباما:
يتوقع بعض المراقبين اليهود أن ما قام به أوباما ليس تجاهلاً لإسرائيل..وأنه من المحتمل أن يُعرِّج – من القاهرة- على تل أبيب ، ليلقي خطاباً في الكنيست، ويعلن أن إسرائيل هي بوابة الشرق الأوسط..
ويرى آخرون أن أوباما سيركز من خلال هذه الزيارة على إخماد أحد أكبر هواجس إسرائيل، وهو خطر التمدد الإيراني.. نشرت صحيفة "إسرائيل اليوم" مقالاً بعنوان " أمريكا تحتاجنا بدرجة لا تقل عن احتياجنا لها " للمحلل الإسرائيلي الإستراتيجي أمونا آلون قال فيه إن إمريكا "لن تسمح لإيران لأي سبب من الأسباب أن تقضي على الكيان الصهيوني، ليس لأن الولايات المتحدة هي صديقتنا الأفضل منذ الأزل، ولكن بكل بساطة لأن وجود الكيان الصهيوني هو مصلحة أمريكية كما كان علي الدوام"..
يجب أن يفهم العالم الإسلامي، أن السياسة الأمريكية في أي منطقة من العالم قائمة على رعاية مصالحها..والمصالح الأمريكية ثابتة مهما تغيرت الإدارات..صحيح أن لكل إدارة سياستها في تحقيق تلك المصالح..صحيح إن بعض الإدارات قد تنتهج سياسة هوجاء..والأخرى قد تنتهج سياسة متعقلة، ولكن الذي يجمعها أنها تسعى لنفس المصالح..ودعم الدولة العبرية من ثوابت المصالح الأمريكية!!..
فالقاهرة إذن لا تعدوا أن تكون "منصة جديدة لخطاب مألوف".