الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد، فما أعظمَ منهجَ القرآن في البيان؛ وما أدقَّه وأوضحَه؛ فإنه لم يَدْعُ الناسَ إلى الجنة ويذرهم يتخبطون في التماسِ الطرقِ الموصِلةِ إليها. بل بَيَّنَ لهم السبيل القاصد. وحذَّرَ العبادَ من النار ثم بَيَّنَ لهم طُرقَ النجاة منها.
وقد أمرَهم بالعِلم وحضَّهم عليه؛ ولم يقفْ عند هذا الحد؛ ليضرب الناس في كلِّ بيداء بحثاً عن هذا الينبوع! بل دلَّهم على أفضلِ طريقٍ لتحصيلِ العلمِ: ألا وهو أخذُ العلمِ عن العلماءِ الراسخين، فقال عز وجلَّ: (فاسألُوا أهلَ الذِّكْرِ إنْ كنتم لا تعلمون)![1] قال السعدي رحمه الله: "عُمومُ هذه الآيةِ فيه مدحُ أهلِ العلمِ... وفي ضِمْنِه تعديلٌ لأهلِ العلمِ وتزكيةٌ لهم؛ حيث أمرَ بسؤالِهم"،[2] و"فيه الأمرُ بالتعلُّمِ والسؤالِ لأهلِ العلمِ".[3]
إنَّ العلماء نعمةٌ عظيمةٌ ومِنةٌ جسيمةٌ؛ فهم رُسُلُ الهدى وأبوابُ الخيرِ ومناراتُ المعرفةِ؛ ورَحمَ الله السعدي حيث قال في تفسير قولِ الله تعالى: (وليس البرُّ بأن تأتوا البيوت من ظهورِها ولكنَّ البرَّ من اتَّقَى وأْتُوا البُيُوتَ مِن أبوابِها واتَّقُوا اللهَ لعلَّكم تُفلِحُون)[4] "يُستفاد من إشارةِ الآيةِ أنه ينبغي في كلِّ أمرٍ من الأُمُور أن يأتِيَهُ الإنسانُ من الطريقِ السَّهلِ القريب، الذي قد جُعِلَ له مُوصِلاً... والمتعلِّم والمعلِّم ينبغي أن يسلكَ أقربَ طريقٍ وأسهلَه يحصل به مقصوده؛ وهكذا كلُّ من حاول أمراً من الأمور وأتاه من أبوابه وثابرَ عليه؛ فلا بد أن يحصلَ له المقصودُ بعونِ الملكِ المعبود".[5]
إنَّ الناصحَ الأمينَ.. هو الذي يدلُّ المريضَ على الطبيبِ الحاذقِ البارعِ الذي يعلم حقيقةَ مرضِه، ويختار أحسنَ دواءٍ له؛ عسى الله أن يجعلَ شفاءَه على يدَيْه. وأما من نَصحَ السقيمَ بأنْ يُنَقِّبَ في كُتبِ الطبِّ عن علاجٍ يُبرئه من مرضِهِ؛ فقد يقضي المريضُ قبل أن يَصِلَ إلى غايتِه! وكذلك من اجتهد أن يصفَ للمريضِ دواءً من عند نفسِه بدون علمٍ ولا تجربةٍ؛ فإنه يُوشِك أن يُهلكَه!
وقد رَبطَ النبي صلى الله عليه وسلم بقاءَ العلمِ ببقاءِ العلماء وذهابَه بِذَهابِهم، كما ترجمَ البخاري في كتاب (العلم) باب (كيف يقبض العلم؟ وكتبَ عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن حزم: انظر ما كان من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فاكتبه فإني خفتُ دُرُوسَ العِلمِ وذهابَ العلماء)، وروى في هذا الباب عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إنَّ الله لا يَقبضُ العِلمَ انتزاعاً ينتزعُه من العِبادِ؛ ولكنْ يقبضُ العِلمَ بقبضِ العلماء؛ حتى إذا لم يُبقِ عالِماً اتخذَ الناسُ رؤوساً جُهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلُّوا وأضَلُّوا).[6]
ورواه كذلك في كتاب (الاعتصام بالكتاب والسنة) باب (ما يُذكَر مِن ذَمِّ الرأيِ وتكلُّفِ القياسِ، ولا تَقْفُ لا تقلْ ما ليس لك به عِلم) عن عروة قال: حجَّ علينا عبد الله بن عمرو فسمعته يقول: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إنَّ الله لا ينزع العلم بعد أن أعطاهموه انتزاعا؛ ولكن ينتزعه منهم مع قبض العلماء بعلمهم؛ فيبقى ناسٌ جُهالٌ يستفتون؛ فيفتون برأيهم؛ فيضلون ويضلون).[7] وفي لفظ لمسلم: (إنَّ الله لا ينتزعُ العِلمَ من الناس انتزاعاً؛ ولكن يقبضُ العلماء؛ فيرفع العلم معهم، ويُبقِي في الناس رؤوساً جُهالا يفتونهم بغير عِلم؛ فيضلون ويضلون).[8] قال ابن حجر رحمه الله: "في هذا الحديث الحثُّ على حِفظِ العلم، والتحذير من ترئيس الجهلة، وفيه: أن الفتوى هي الرياسة الحقيقية، وذَمُّ مَن يُقْدِمُ عليها بغيرِ علم".[9]
ولكنَّ بعضَ الناسِ قد يُحرَمُ الجلوسَ بين يَدَي العالِمِ، فيُعرِضُ عنه، أو يستحيي منه، كما قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم في شأنِ الثلاثة: (أما أحدُهم فأوى إلى الله؛ فآواه الله. وأما الآخَرُ فاستحيا؛ فاستحيا اللهُ منه. وأما الآخَرُ فأعرَضَ؛ فأعرضَ اللهُ عنه).[10] قال ابن حجر رحمه الله: "معنى (أوى إلى الله) لجأ إلى الله... وفيه الثناءُ على من زاحَمَ في طلبِ الخيرِ، (فاستحيا) أي تركَ المُزاحَمةَ كما فعلَ رفيقُه؛ حياءً من النبيِّ صلى الله عليه وسلم ومِمَّن حضر، قاله القاضي عياض... (فأعرضَ اللهُ عنه) أي سخط عليه... وفي الحديثِ فضلُ ملازمةِ حِلَقِ العلمِ والذِّكرِ".[11]
ولكن.. ما أكثرَ الْمُعْرِضِين عن العلماءِ في زمانِنا؛ لاسيما مَن قَنَعَ بدخولِ الجامعات ورَكَنَ إلى تحصيلِ الشهادات! فكم مِن المسلمين اليومَ ليس له اهتمامٌ بطلبِ العلمِ، ولا أدنَى استعدادٍ لذلك!
وقد لا تكون المُشكِلةُ أحياناً في الإعراضِ أو الحياءِ؛ وإنما في الطريقةِ المُتَّبَعةِ في اكتسابِ العلم! والذين يطلبُون العلمَ من الكُتُب، ولم يَجلسوا يوماً واحِداً بين يدي عالمٍ في الفنِّ الذي يُريدون أن يَنهلوا منه؛ يُدرِكون صُعوبةَ هذه التجربةِ ومَرارتَها وشدّةَ مُعاناتِها؛ فإنَّهم كلما زادوا في المطالعةِ ازدادوا جهلاً! وكلما أكثروا من القراءةِ شعروا بقلةِ البضاعة والعجزِ عن الاستفادة منها؛ بل أحسّوا بجُزئياتِ المعرفةِ تُحاصِرُهُم مِن كلِّ مكانٍ، وتتناثرُ أشلاؤها بين أيديهم!
إنَّ هذا الرجلَ الذي أضاعَ زهرةَ عُمرِه في مُطالعةِ القصصِ التافهة والرواياتِ الفاجِرة والفلسفاتِ الباطلة، مُعرِضاً عن القرآنِ والسنةِ وعلومِ هذه الأُمة؛ لا يزدادُ مع الأيامِ إلا شُعوراً بالضَّياعِ؛ فهو يتعلَّم ما يضرُّهُ ولا ينفعُه، ويفقدُ أُصُولاً مُهِمَّةً تتعلَّقُ بدِينِهِ وهويَّتِهِ! ولله در ابن القيم حيث قال: حيث قال: "سبحانَ الله! ما حُرِمَ المُعرِضون عن نُصُوصِ الوَحيِ، واقتباسِ العِلمِ مِن مِشكاتِه مِن كُنوزِ الذَّخائر؟! وماذا فاتهم مِن حياةِ القُلوبِ واسْتِنارةِ البصائر؟ دَرَسَتْ مَعالمُ القرآنِ في قُلوبِهم فليسوا يعرفونها، ودثرَتْ مَعاهِدُهُ عندهم فليسوا يَعْمُرونها، ووقعتْ ألويتُهُ وأعلامُهُ مِن أيدِيهم فلَيسوا يرفعونها، وأفَلَتْ كواكبُهُ النيِّرةُ مِن آفاقِ أنفسِهم؛ فلذلك لا يُحِبُّونها!"[12]
فالذي يُريدُ أن يصيرَ عالِماً ولكنه لا يصحبُ العلماء ولا يزورُ النبلاء؛ لن تتحققَ له أُمنيةً ولو اختلى بنفسِه إلى آخرِ الدهر؛ لأنَّ الخلوة والاعتكاف لا يُجديان إلا بعد أن يكتسبَ الإنسانُ مَنهجاً علميّاً يسيرُ عليه، ويمتلك قواعدَ العلمِ الذي يريد التمكُّنَ منه؛ وإلا فإنه يكون كالذي يغرس الحَبَّ في رِمالِ الصحراءِ التي لا تُنبتُ كلأً!
فكلُّ طالبٍ مُوفَّقٍ يعلم أنَّ (العالِم) المُحقِّقَ هو المفتاحُ الذي لا يَلِج أحدٌ إلى العلومِ إلا مِن طريقِه؛ فمَن لم يُعْطَ هذا (المفتاحَ) لا بُدَّ أن يَزِلَّ أو يَضِلَّ؛ ولهذا كان السلفُ يعتمدون نظامَ (الإجازات العلمية) من كبارِ العلماءِ؛ فمن نالَها كان مِن المُتأهِّلين للتدريسِ، على خِلافِ الشهاداتِ التي تُعطَى في زمانِنا لكلِّ أحدٍ! ورَحِمَ اللهُ الأوزاعي؛ ما أصدقَ قولَه: "كان هذا العلمُ شريفاً يتناولُه الرِّجالُ فيما بينَهم؛ فلمَّا دخلَ في الكُتُبِ دخلَ فيهِ غيرُ أهلِه"![13]
إنَّ مُشاهدةَ العالِمِ الصالحِ تغرسُ تعظيمَ العلمِ وإجلاله بين الجوانحِ. ومَن رأى العلماءَ العاملِين الربّانيِّين العامرة قلوبُهم بذِكرِ اللهِ وخشيتِه؛ يُوقنُ أنهم (لا يشقى بهم الجليس)؛ ذلك أنَّ جُلوسَك بين يدي أهلِ العلم يزيد من انشراحِك للدرس وإقبالِك عليه؛ فلا يُعوِّضُك عن هذه الفوائدِ اعتكافُ سنين على القراءة؛ لأنَّ العالِمَ يُسمعُك في كلِّ مرةٍ جديداً لم ترَهُ عيناك في بُطونِ الكتبِ! ثم هو يُغربل لك المعرفة، ويدلُّك على كيفيةِ الاستفادة منها؛ وأما القراءة الخاصة التي لا تعتمدُ على دليلٍ من أهلِ المعرفةِ في اتباعِ الطريقِ المُوصِل؛ فتظلُّ إن سلمتْ مِن المَهالك حبيسةَ الجزئيات!
ولله دَرُّ الإمامِ الرَّبَّاني شمس الدِّين الذهبي، حيث قال في إحدى تعليقاتِه البديعة في ترجمة الجُنيد من (سير أعلام النبلاء) عند ذكرِ صلاحِه وعِلمِهِ: إنه "شاهَدَ الصالحين"![14] وهذا الذي قاله الذهبيُّ حقٌّ لا شكَّ فيه؛ ذلك أنَّ رُؤيةَ رجلٍ عالمٍ صالحٍ يذكرُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم وحوضَه الشريفَ فيبكي مِلْءَ عَينيهِ؛ أنفعُ من قراءةِ مائةِ كتاب! وقد جرَّبْتُ ذلك بنفسي بين يدي بعضِ العلماء؛[15] فكان الموقفُ أبلغَ في نفسِي مِن كثيرٍ من الأخبارِ المذكورة في كُتبِ السيرة؛ ولا عجباً فقد قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: (ليس الخبرُ كالمُعايَنة)![16] وفي رواية: (لَيْسَ الْخَبَرُ كَالْمُعَايَنَةِ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَخْبَرَ مُوسَى بِمَا صَنَعَ قَوْمُهُ فِي الْعِجْلِ فَلَمْ يُلْقِ الْأَلْوَاحَ فَلَمَّا عَايَنَ مَا صَنَعُوا أَلْقَى الْأَلْوَاحَ فَانْكَسَرَتْ).[17]
وقد حذَّرَ العلماءُ الراسِخُون مِن اعتزالِ العلماءِ؛ ونبَّهُوا على وُجوبِ الاستعانةِ بأهلِ المعرفةِ لئلا يقعَ المرءُ في الخطأ والتصحيف؛ وإذا كان الشاطبيُّ قد علَّلَ شِدةَ ابنِ حزم بعدمِ التتلمُذِ على العلماء[18] فكيف بغيرِ أبي محمد رحمه الله تعالى؟
إنَّ الذي يطلب العلمَ دون توجِيهِ العلماءِ ومراجعَتِهم لا يتقدَّمُ أو يتطوَّرُ، بل هو في الحقيقة يتقهقرُ! ومن الناسِ طيِّبون حريصُون على طلبِ العلمِ؛ ولكنَّهم لا يأتون العلمَ من بابِه؛ لفِقدانِهم المنهجَ الصحيحَ في طلبِ العلم؛ فهم لأجلِ ذلك لا يملكون القدرةَ على استثمارِ المعلوماتِ في منظومةٍ مُتكاملةٍ، ولو أفْنَوا عُمرَهم في المطالعة والقراءة؛ وأما غيرُهم ممن رُزِقَ العنايةَ بالمنهجِ الصحيحِ فهو يستفيدُ مِن قليلِ العلمِ وكثيرهِ؛ (كمثلِ جنةٍ بربوةٍ أصابَها وابلٌ فآتتْ أُكُلَها ضِعفَيْن فإن لمْ يُصبْها وابلٌ فطلّ)ٌ[19].
ولو لم يكن للقراءةِ على العلماءِ ـ مع التأديب والتهذيب ـ إلا التصحيحُ والتحقيقُ لكفى بذلك فائدة؛ ورحمَ اللهُ الصلاحَ الصفديَّ، فقد قال في ترجمة شيخِه جمال الدِّين المزِّي من (أعيان العصر): "سمعتُ صحيحَ مسلم على البندنيجي وهو حاضِرٌ بقراءة ابن طغريل، وعدّة نُسَخٍ صحيحة يُقابل بها؛ فيردُّ الشيخ جمال الدين رحمه الله على ابنِ طغريل اللفظَ، فيقول ابنُ طغريل: ما في النسخةِ إلا ما قرأتُه؛ فيقولُ مَن بِيَدِهِ تلك النسخُ الصَّحِيحةُ: هو عِندي كما قال الشيخ، أو في الحاشية تصحيحُ ذلك؛ ولما تكرَّرَ ذلك قلتُ أنا له: ما النسخةُ الصحيحةُ إلا أنت!"[20]
والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
_______________________________________
الهوامش:
[1] النحل 43، والأنبياء 7.
[2] تيسير الكريم الرحمن ص 441.
[3] المرجع السابق ص 519.
[4] البقرة 189.
[5] تيسير الكريم الرحمن ص 88-89.
[6] صحيح البخاري 1/50. حديث100. وصحيح مسلم 4/2058، حديث 2673. كتاب (العلم) باب (باب رفع العلم وقبضه وظهور الجهل والفتن في آخر الزمان).
[7]صحيح البخاري 6/2665، حديث 6877.
[8] صحيح مسلم 4/2059.
[9] فتح الباري 1/195.
[10] رواه البخاري في كتاب (العلم).
[11] فتح الباري 1/212-213.
[12] مدارج السالكين بين منازل إيّاك نعبد وإيّاك نستعين 1/5.
[13] ذكره ابنُ الصلاح في مقدمته في علوم الحديث.
[14] قال: "سمع الكثير، وشاهد الصالحين، وأهل المعرفة، ورزق الذكاء وصواب الجواب". سير أعلام النبلاء 14/67.
[15] وذلك مع فضيلة الشيخ عطية محمد سعيد نفع الله به.
[16] مسند أحمد 4/277، حديث 1745.
[17] مسند أحمد 5/352، حديث 2320. وقال الحاكم في المستدرك على الصحيحين 7/385، حديث 3208: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
[18] ذكر الشاطبي ذلك في الموافقات.
[19] البقرة 265.
[20] أعيان العصر 12/الورقة 127. نقلاً عن تحقيق العلامة بشار عواد لجامع الترمذي 1/16-17. دار الغرب الإسلامي بيروت. ط2. 1418 هـ.