ظلت مسألة رؤية النبي صلى الله عليه وسلم تشغل الوجدان والعقل الإسلامي، فالمسلمين الذين جاءوا بعد عهد النبوة تعلقت أنفسهم بهذا النبي الكريم واشتاقت لرؤيته ولهذا اهتمت بجمع شمائله الشريفة وصفاته الخَلقية والخٌلقية ، ولكن في العصور المتأخرة ادعى أقوام رؤية النبي صلى الله عليه وسلم يقظةً وأنه صلوات الله وسلامه عليه أبلغهم أحكاماً وأمرهم بتكاليف، وأرادوا إلزام الأمة بها، والناس بين مكذب لهم ومصدق، فماهي هي معالم رؤية النبي صلوات الله وسلامه عليه؟
ثبوت الرؤية قرر العلماء ثبوت امكانية رؤية الرسول صلى الله عليه وسلم، في المنام بأدلة صحيحة؛ منها ما رواه أبي هريرة (رضي الله عنه) أن رسول (صلى الله عليه وسلم) قال: "من رآني في المنام فقد رآني فإن الشيطان لا يتمثل بي " رواه الشيخان.
شروط الرؤية وضوابطها
وللرؤية شروط وضوابط أشار لها العلماء هي: الرؤية لا تستلزم عصمة الرائي: فقد قررالعلماء أن رؤية الرسول ( صلى الله عليه وسلم) في المنام في كل الأحوال هي رؤيا صالحة وبشارة من الله تعالى يقول القرطبي ( رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم ...ولكنها لا تستلزم عصمة الرائي) كما أن الصحابة (رضي الله عنهم) رؤوا الرسول صلى الله عليه وسلم، يقظة ومناماً دون أن يكونوا معصومين.
مطابقتها لأوصاف الرسول
ولقد اتفق العلماء أنه من رأى الرسول (صلى الله عليه وسلم) في المنام على الصورة المذكورة في السُنَّة الصحيحة فقد رآه قطعاً. وأما من رآه على غير هذه الصورة فقد وقع الخلاف، فقال فريق من المحدثين والعلماء إنه من رآه عليه الصلاة والسلام على غير هذه الصورة أو الأوصاف فلا يُعتبر أنه رآه، واستدلوا على ذلك بأن بعض التابعين كان إذا رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام أخبر الصحابة فيقولون له صفه لنا فإذا كان رآه على وصفه بشَّروه بأنه رآه. وقال فريق آخر إنه يكون قد رأى النبي صلى الله عليه وسلم في الجملة وإن كان المرئي ليس هو النبي صلى الله عليه وسلم بعينه (أي ذاته) ولكن تُؤوَّل هذه الرؤية بحسب اختلاف حال الرائي - من بشارة بحُسن الخاتمة أوالوفاة على الإيمان أو موعظة لصاحبها وتذكِرة له للابتعاد عن المعاصي - لأنه صلى الله عليه و سلم كالمرآة الصقيلة ينطبع فيها ما يقابلها، يقول القرطبي ( والصحيح في تأويل هذا الحديث أن مقصوده أن رؤيته في كل حالة ليست باطلة ولا أضغاثا بل هي حق في نفسها ولو رئي على غير صورته فتصور تلك الصورة ليس من الشيطان بل هو من قبل الله، وهذا قول القاضي أبي بكر بن الطيب وغيره ، ويؤيده قوله : " فقد رأى الحق " أي رأى الحق الذي قصد إعلام الرائي به فإن كانت على ظاهرها وإلا سعى في تأويلها ولا يهمل أمرها لأنها إما بشرى بخير أو إنذار من شر إما ليخيف الرائي وإما لينزجر عنه وإما لينبه على حكم يقع له في دينه أو دنياه) .
وجوب خضوعها للشرع
والرؤية ليست تشريعاً، لأن التشريع هو كل قاعدة عامة (تخاطب الناس كافه)مجردة (لا تنصب على واقعة معينة زماناً أو مكاناً أو أشخاصاً) ملتزمة (أمره أو ناهيه) مصدرها نص يقيني الورود (من عند الله أو الرسول صلى الله عليه وسلم).
وقد قرر العلماء عد توافر خصائص القاعدة التشريعية (العموم والتجريد والإلزام) في الرؤية، سُئلَ الإمام زكريا الأنصاري أن رجلاً رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام يأمره أن يأمر المسلمين أن يصوموا يوم كذا، فقال ( لا يجب علينا صومه ولا نأمر به المسلمين بل يندب صومه للرائي فقط).
وكذلك عدم توافر شرطي مصدر القاعدة التشريعية (يقينية الورود والدلالة) فيها، فقد قرر العلماء أن اليقين الذي يفيده الحديث(عدم تمثل الشيطان)متعلق بالرؤية ولبس ما وراء الرؤية، يقول الإمام النووي ( أما الرؤية فجاء بها النص فلا يمكن للشيطان أن يتمثل به صلى الله عليه وسلم .أما ما وراء الرؤية كالكلام وغيره فلم يأتِ فيه نص يمنع أن يكون الشيطان ألقى في سمع النائم وتلاعب به) .
كما أن الرؤية تفتقد شرط الضبط ، يقول الإمام النووي ( وإخبار النبي صلى الله عليه وسلم في المنام من قبيل الرواية والإخبار، والرواية والإخبار لا يُقبل فيه إلا الضابط، والنائم لا يعتبر ضابطاً,) يترتب على ما سبق وجوب إخضاع مضمون الرؤية للشرع.
حول رؤيةالرسول(صلى الله عليه وسلم) يقظة
ورؤية الرسول صلى الله عليه وسلم، يقظة ثابتة للصحابة عليهم الرضوان؛ حقيقة لا مجازاً، في الحياة الدنيا، فى حال حياته صلى الله عليه وسلم.
أما لغير الصحابة رضي الله عنهم، وبعد وفاته صلى الله عليه وسلم؛ فهي ممكنة مجازاً ( أى على التشبية و التمثيل )لا حقيقة، روى الشيخان عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: " من رآني فسيراني في اليقظة" ومعنى الحديث أن من رآنى مناماً فكأنما رآنى فى حال اليقظة." . يقول الشيخ شحاتة صقر ( والرواية أخرجها مسلم (حديث رقم 2266) ، وأبو داؤد (حديث رقم 5023) ، و أحمد (5/306) الذي فيه اللفظ المذكور بلفظ «فسيراني في اليقظة. أو لكأنما رآني في اليقظة » وهذا الشك من الراوي يدل على أن المحفوظ إنما هو لفظ «فكأنما رآني » أو «فقد رآني»؛ لأن كلًا منهما ورد في روايات كثيرة بالجزم وليس فيها شيء شك فيه الراوي). كما أنها ممكنة في الآخرة لا في الحياة الدنيا يقول العلامة المناوي ( يراه رؤية خاصة في الآخرة بصفة القرب والشفاعة).
أما رؤيته (ص) يقظة لا مناما، حقيقة لا مجازا ،لغير الصحابة(رض)، في الحياة الدنيا، بعد وفاته (ص) فغير ممكنه .
.. يقول الحافظ السخاوي (لم يصل إلينا ذلك ـ أي إدعاء وقوعها ـ عن أحد من الصحابة ولا عمن بعدهم وقد اشتد حزن فاطمة عليه صلى الله عليه وسلم حتى ماتت كمدًا بعده بستة أشهر على الصحيح وبيتُها مجاور لضريحه الشريف ولم تنقل عنها رؤيته في المدة التي تأخرتها عنه) (القسطلاني، المواهب اللدنية،ج5،ص295).
وذكر الحافظ ابن حجر العسقلاني (أن ابن أبى جمرة نقل عن جماعة من المتصوفة أنهم رأوا النبي في المنام ثم رأوه بعد ذلك في اليقظة وسألوه عن أشياء كانوا منها متخوفين فأرشدهم إلى طريق تفريجها فجاء الأمر كذلك ) ، ثم تعقب الحافظ ذلك بقوله (وهذا مشكل جدًا ولو حُمِل على ظاهره لكان هؤلاء صحابة ولأمكن بقاء الصحبة إلى يوم القيامة ويعكر عليه أن جمعًا جمًا رأوه في المنام ، ثم لم يذكر واحد منهم أنه رآه في اليقظة وخبر الصادق لا يتخلف) (فتح الباري،ج12، ص385).
فتقرير رؤية الرسول صلى الله عليه وسلم يقظة على الوجه الآنف ذكره في عالم الشهادة يترتب عليه نفى وفاته صلى الله عليه وسلم (إنك ميت وإنهم ميتون)(الزمر:30)، وما يترتب على ذلك من نفى ختم النبوة والصحبة .
أما تقرير رؤيته صلى الله عليه وسلم؛ يقظة على الوجه الآنف ذكره في عالم الغيب فيترتب عليه علم الرائي بالغيب الذي اختص الله تعالى نفسه به.
من التحرير:
وبالجملة فإن رؤية النبي صلى الله عليه وسلم، مدارها الدليل الشرعي، ومع أنها حق إذا وقعت بالصفة التي قررها العلماء، إلا أنها ليست من مصادر الأحكام الشرعية، فلا ينشأ عنها حكم ليس في كتاب الله تعالى ولا في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا توجب واجباً لم يوجبه الله تعالى، ولا تحرّم أمراً أحله الله جل وعلا، وأنما هي من جملة الرؤى الصالحة التي وصفها النبي صلى الله عليه وسلم بالمبشرات، كما في حديث أبي هريرة في صحيح الإمام البخاري "قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم : " لم يبق من النبوة إلا المبشرات " قالوا : وما المبشرات ؟ قال : " الرؤيا الصالحة " .. والعلم عند الله تعالى.